21 September,2018

طليقـــة ”الـبغــدادي“ سـجــى الدُليمــي.. هذه كل الحـكـايــة

 

بقلم علي الحسيني

انتهاء-حقبة-داعش-والنصرة---2

وقفت خلال محاكمتها لتدافع عن نفسها، فبدت واثقة بكل خطوة يُمكن أن تُقدم عليها خلال الجلسة. تحدثت كما ولو انها عاشت العمر عمرين، فندت كل ما تعلق بظروف توقيفها واستعادت تاريخ حياتها مع طليقها زعيم تنظيم <داعش> ابو بكر البغدادي وعملية التبادل بين جبهة <النصرة> والدولة السورية التي وبحسب رأيها أفضت إلى انقاذ أشخاص من الموت. وأكثر ما آلمها بحسب قولها، كان فقدانها جنينها في الشهر الخامس بعدما ظلّت جالسة لفترة 7 ساعات من دون ان يُسمح لها بالوقوف. فماذا أيضاً في جعبة سجى الدليمي الامرأة التي عاشت ذات يوم مع أخطر إرهابي في العالم، تحت سقف واحد؟

 

الدليمي: سألخص الحديث بجملة

 

استعادت سجى الدليمي طليقة البغدادي نشاطها بعد أكثر من ثماني ساعات من الانتظار داخل قاعة المحكمة إلى حين بدء جلستها قرابة الخامسة والربع مساءً، كانت أحياناً تتناول أطراف الحديث مع زوجها الفلسطيني كمال خلف الجالس خلفها، وهي التي طالما حلمت بالزواج من فلسطيني، كما تقول، وقفت أمام قوس المحكمة، بعد أن أصغت بإمعان إلى التهمة المسندة إليها، لتبادر إلى القول: سأُلخص كل المسألة لكم بجملة، لكن رئيس المحكمة سألها عن المرحلة التي سبقت مجيئها إلى سوريا ومنها إلى لبنان، فأفادت بأنه بعد مقتل زوجها الأول عام 2007 تزوجت من هشام محمد (البغدادي) في العام 2008، ولكن زواجها لم يدم أكثر من ثلاثة أشهر وكان متزوجاً ولديه أولاد أكبرهم يدعى أبو بكر. بعد وقوع الطلاق عادت سجى إلى منزل زوجها الأول حيث اكتشفت بأنها حامل بابنتها هاجر فكتمت الأمر عن هشام ليس خوفاً وإنما <لم أكن أريد أن أعود إليه>، إنما بعد أن وضعت الطفلة هاجر (10 سنوات) علم البغدادي من أقربائي بوجودها. وتضيف: <بدأت الحديث عن أنني سأتزوج، وكان هشام في تلك الفترة يرسل مبالغ مالية كنفقة للطفلة>.

طلبت الدُليمي البراءة و<لا شيء غير البراءة> من تهمة الارهاب وتزوير بطاقات فلسطينية كانت تتنقل بواسطتها داخل لبنان المنسوبة اليها، وذلك خلال مثولها الاخير الاسبوع الماضي أمام المحكمة العسكرية الدائمة حيث قالت <أنا بقيت في لبنان ولم أغادره لأنال البراءة ليس لي وإنما لأطفالي>. ومن دون خوف أو وجل، واجهت الدليمي رئيس المحكمة العسكرية العميد الركن حسين عبد الله، فصوّبت بعض ما ورد في إفاداتها الأولية، وناقشت وأوضحت تفاصيل عديدة وردت في تلك الإفادة، حتى إنها ذهبت إلى مقاطعة زوجها الفلسطيني كمال خلف المتهم إلى جانبها، أثناء استجوابه، لتصوّب أقواله، أقوال في محصلتها بأنها لم تعلم بأنها <طليقة البغدادي إلا أثناء ظهوره على التلفزيون في إحدى خطب شهر رمضان 2014>.

فقدت جنيني هنا في المحكمة

 

وتضيف: يومها شعرت بالخوف والرعب فعقدت العزم على السفر إلى تركيا عبر سوريا، بعد أن بدأت قضية التبادل مع جبهة <النصرة> والأسرى العسكريين، لتعود وتقول إنها لم تبلغ المحققين عن هويتها الحقيقة إلا بعد عشرة أيام من توقيفها، غامزة من قناة <إن الأمن في لبنان كان يعلم بهويتي وأنا مسرورة كون تبادلي قد أحيا أشخاصاً آخرين>. كما شكت الدليمي في استجوابها الثاني من فقدانها لجنينها وهي في الشهر الخامس، وذلك خلال الجلسة السابقة حيث انتظرت جالسة سبع ساعات من دون أن يسمح لها أحد العسكريين بالوقوف كما زعمت، وقال: <وأنا اعتقد أن الجنين مات خنقاً وإنما هي مشيئة الله>.

بحسب الدليمي أن أبا بكر البغدادي هو <انسان عادي وطبيعي ويمر بشكل عادي على الحواجز> لقد اثمر زواجها منه الذي دام فقط ثلاثة اشهر طفلة تدعى هاجر، قالت إنها سجلتها على اسم والدها أي والد الدليمي لأن طليقها الذي كان يرسل لها أموالاً عبر والدتها إلى الطفلة، كان يخشى إرسال أوراقه الثبوتية لتسجيلها على اسمه وقد أخفت حملها عنه بعد عودتها إلى منزل زوجها الأول وهو ضابط في الجيش العراقي وهو قد <استشهد>، لأنها لم تكن ترغب بالعودة إليه خصوصاً أن البغدادي كان متزوجاً وزوجته تحبه ولديه أطفال ولم يكن يتقاضى أكثر من تسعمئة ألف ليرة في الشهر حيث كان مدرّساً لمادة التربية الإسلامية والعربية وشيخ مسجد. وتضيف قائلة: <لو كنت مكان زوجة هشام محمد وهو اسمه الحقيقي للبغدادي لما قبلت بأن يتزوج عليّ>.

الدليمي---3

علمت بأن البغدادي زوجي من التلفزيون

 

لم تشأ الدليمي أن تنتهي الجلسة من دون أن تفصح عن <كل شيء> كما تقول، وهي كانت تخشى وجود الإعلام داخل القاعة، عندما تناولت مسألة شقيقها خالد الذي لم تكن تعلم بأنه مع <داعش> أو <النصرة>، لتقترب من القوس وتتمتم بكلمات لم يفهمها سوى رئيس المحكمة لتعود إلى مكانها وتقول إنها نصحت شقيقها بالابتعاد عن هذه الأمور، <وهو قُتل في سوريا>. لم يكن التواصل بين الزوجين المطلقين قد انقطع في تلك الفترة، إنما كانت الدليمي قد قررت زيارة أهلها في سوريا، حيث بوصولها ألقى الجيش السوري القبض عليها واستمر اعتقالها مدة ستة أشهر قبل أن تحصل عملية تبادل مع راهبات معلولا، بعد تدخل مباشر من شقيقها خالد الذي كان حينذاك في الجيش الحر حيث تعرف شقيقها على أناس في جبهة <النصرة> وتمكن من وضع اسمها ضمن عملية التبادل فتم تحريرها.

وبسبب الوضع في سوريا، تتابع الدليمي <قصدت لبنان وعندما علمت أن زوجي هو البغدادي خفت>، وهي لم تعلم بذلك إلا عندما شاهدته على التلفزيون يلقي خطبة في شهر رمضان 2014 <خلتني مرعوبة، فإذا كان أخي في الجيش الحر وسجنت ستة أشهر فكيف إذا كنت زوجة البغدادي؟>. هذا الشعور بالرعب دفع بالدليمي إلى الاختباء في لبنان، حيث مكثت سبعة أيام فقط في بلدة مجدل عنجر، وكانت حينئذٍ قد تزوجت من الفلسطيني المتهم كمال خلف بعد أن تعرّفت عليه عبر <الفايسبوك>، وهو لم يكن يعلم بأنها طليقة البغدادي. <في تلك الفترة بدأت قضية التبادل مع الأسرى العسكريين لدى <النصرة> بالظهور، شعرت أنني سأكون أكبر فرصة للجيش اللبناني للتبادل وأصبحت كبش فداء مع أطفالي ولست بحزينة بأنني خرجت من السجن من أجل أناس عاشوا>. هنا قاطعها رئيس المحكمة ليذكرها بأن جبهة <النصرة> هي التي أوردت اسمها ضمن صفقة التبادل وليس الجيش اللبناني، فردت: <حتى لو طلبوا فأنا أوقفت لأنني زوجة البغدادي والأمن يعرف ذلك في أول يوم دخلت فيه إلى لبنان>.

الدليمي: <داعش> قتل أخي لأنه

كشف هويتي

وبسؤالها أفادت <لم أكذب أثناء التحقيق وقلت لهم أولاً إن أسمي ملك وأنا كنت خائفة من اسمي فأنكرت في البدء انني زوجة البغدادي، إنما بعد عشرة أيام من التحقيق أقريت بهويتي وذكرت بأن هاجر ابنتي هي أختي، وأنا عنّدت لأن عسكرياً حدّثني بطريقة غير لائقة فلم أفصح حينذاك عن شيء>. وتكشف الدليمي عن أن <داعش> قتل شقيقها خالد لأنه <أفصح عن هويتي الحقيقية لدى <النصرة> التي نشرت عبر <تويتر> وذكرت أن جبهة <النصرة> أطلقت سراحي مع أن البغدادي ما بيستاهل>.

ورداً على سؤال قالت الدليمي: <أنا بعيدة كل البعد عن هذه الأمور، وقصدت لبنان بسبب الحرب وحاولت وزوجي كمال السفر إلى تركيا عبر سوريا لكن لم يحضر المهرّب إلى شتورا كما كان الاتفاق، وأثناء عودتنا الى مخيم نهر البارد جرى توقيفنا عند حاجز المدفون وذلك في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2014>. وباستجواب خلف قال إنه تعرف على سجى التي عرّفت عن نفسها أمامه باسم ملاك السيد أحمد لأنها كانت خائفة بعدما اكتشفت بأنها طليقة البغدادي. وعما قاله سابقاً بأنها كانت تتواصل مع أبي أيوب العراقي أمير <داعش> في القلمون، تدخلت الدليمي لتوضح <أن المحقق كتب اسمه أبو أيوب إنما هو أيوب وكان يتواصل مع والدتي لتأمين المال لأخي خالد>. وعن علاقته بأبو الهدى الموقوف أحمد ميقاتي أفاد خلف بأنه لا يعرفه ولا لمن يتبع، إنما قام بتأمين مسكن لهم في سير الضنية. وقال خلف إن ثمة مشاكل مع والدة خلف لأنها تتدخل في حياتنا>.

أطلب البراءة لأطفالي

الدليمي-وطفليها-لحظة-عملية-التبادل  

وباستجواب المتهم لؤي المصري أفاد من جهته بأن خلف صديقه وكان برفقته عندما أرادوا الذهاب إلى تركيا عبر سوريا نافياً بأن يكونا أرادا الالتحاق بـ<داعش>. وذكر رئيس المحكمة أنه من خلال فحوص الحمض النووي الواردة في الملف ثبت بأن هاجر هي ابنة البغدادي واسمه الحقيقي ابراهيم بن عواد البدري حسين القرني السمورائي الملقب بـ<أبو بكر البغدادي>. وبعد أن ترافعت ممثلة النيابة العامة القاضية مايا كنعان طالبة تطبيق مواد الاتهام، ترافع المحامي حنا جعجع وكيل الدليمي وخلف واعتبر بأنه وإن كانت موكلته قريبة <أكبر داعشي>، فهناك حقوق إنسان ويقتضي بالتالي شخصنة العقوبة.

 وأوضح بأنه فوجىء بالدليمي بأنها تعرف أن بيروت أم الشرائع وقال: <إن موكلتي تطلب من أم الشرائع البراءة لأنها تريد أن تهاجر من لبنان>. كما طلب البراءة لموكله خلف. أما المحامي حافظ بكور فاعتبر في مرافعته عن المصري بأن موكله ضحية خطأ ارتكبته الأجهزة الأمنية طالباً له البراءة. وبسؤال الدليمي عما تطلبه أجابت: <أطلب البراءة ليس لي، وإنما لأطفالي وأنا بقيت في لبنان بعد إطلاق سراحي لأنال البراءة>. ويُذكر أن الدليمي أخلى سبيلها في الأول من كانون العام 2015 ضمن صفقة التبادل مع جبهة <النصرة> مقابل تحرير 13 عسكرياً من قوى الأمن الداخلي، بعد أسرهم في اليوم الأول من أحداث عرسال العام 2014، وأخلي سبيل زوجها مقابل كفالة مالية. وهي كانت وضعت طفلها من زوجها خلف أثناء وجودها في السجن.

واكتسبت سجى الدليمي، منذ اللحظة الأولى لاعتقالها، أهمية كبرى في نظر <النصرة> و<داعش> والكتيبة الخضراء، ليس لموقعها الجهادي، وإنما لتقاطع علاقات أفراد عائلتها بين المجموعات الجهادية الثلاث، في العراق وسوريا، فسجى هي الابنة الكبرى لحميد إبراهيم الدليمي، ووالدها هو أحد أمراء <داعش> في سوريا وأحد الممولين المؤسسين للتنظيم، ويقود شقيق سجى عمر الدليمي وحدة عسكرية تابعة لـ<داعش>، وكان قد قاتل شقيقها الصغير خالد في صفوف <الكتيبة الخضراء> قبل أن يُقتل على يد <التنظيم>. كما أن والدها حميد إبراهيم الدليمي أحد أمراء <داعش> في سوريا وأحد الممولين المؤسسين للتنظيم كما يقود شقيق سجى، عمر الدليمي وحدة عسكرية تابعة لـ<داعش>. ومن المعروف أن شقيقة سجى تُدعى دُعاء، هي أول امرأة انتحارية أرادت تفجير نفسها سنة 2008 في تجمع كردي في أربيل، بعد أن لفّت جسدها بحزام ناسف، ثأراً لزوجها حارث أمير الدولة الإسلامية في منطقة العامرية في بغداد، والذي قتله الجيش الإســلامي، لكــنها أخــفقت بسبب عطــل فنيّ.

 

اسم الدليمي في الإعلام للمرة الاولى

 

ذاع اسم سجى الدليمي للمرة الاولى يوم حصلت صفقة راهبات معلولا وهي المقايضة التي حصلت بين النظام السوري والجماعات المسلحة والتي أوصلها مدير عام الامن العام اللواء عباس ابراهيم الى خواتيمها المرجوة. يومذاك كانت الدليمي موقوفة في سجون النظام. والجميع يذكر ان الصفقة كانت تعقدت اكثر من مرة بسبب عدم شمولها في عداد النساء السجينات المفرج عنهن من سجون النظام السوري في حينه. الا ان المسلحين أصروا على اطلاق سراحها ضمن ترتيب معين قضى بتسليم سجى في جرود عرسال ليصار بعد ذلك الى اطلاق الراهبات. ويومئذ سارت القافلة التي تقلهن بعدما تأكد البغدادي نفسه من أن مسؤول <النصرة> في القلمون ابو مالك التلي قد تسلمها مع اولادها.

ومن المعروف أن الدليمي هي عراقية كانت تعيش في سوريا مع ذويها قبل اندلاع الحرب فيها، وكانت لجأت مع أهلها اليها منذ ان خرجت كل العائلات المحسوبة على نظام البعث العراقي القديم من العراق بعد سقوط حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وفي سوريا تعرفت الى العراقي ابرهيم عواد ابرهيم علي البدري السامرائي وتزوجت منه، والرجل كان خارجاً لتوه من سجن تديره القوات الاميركية في جنوب العراق خصوصاً وان سوريا كانت في ذلك الوقت استقبلت رموزاً وشخصيات نافذة تتبع لصدام حسين وكان السامرائي احد كبار ضباط المخابرات في عهد صدام والذي بات معروفاً لاحقاً بـ<ابي بكر البغدادي> زعيم التنظيم الاكثر ارهاباً وتطرفاً بين كل الحركات الاصولية على مستوى العالم.