15 November,2018

طرفان داخليان وثالث إقليمي عرقلوا انتخاب ”الجنرال“ ونصر الله مهّد لـ”ثلاثية رئاسية“ قوامها عون وبري والحريري!  

سعد-الحريري-1 يجزم متابعون عن قرب لملف الاستحقاق الرئاسي بأن الحديث عن قرب انتخاب رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية يوازي من حيث عدم الدقة، الكلام عن <تفاهم> اقليمي ودولي غير معلن بعد، على ان يكون الرئيس العتيد من خارج نادي الاقطاب الأربعة الموارنة، على رغم ان الواقع الراهن جعلهم قطبين اثنين فقط هما: العماد عون ورئيس تيار <المردة> النائب سليمان فرنجية. ويؤكد المتابعون ان المعطيات المتوافرة حول آخر تطورات الاستحقاق الرئاسي تؤشر الى ان لا انتخابات رئاسية قريبة، وبالتالي فإن الجلسة المحددة في 7 أيلول/ سبتمبر المقبل والتي تحمل الرقم 44، سوف تكون مثل الجلسات الـ43 التي انقضت ولم يتصاعد فيها الدخان الأبيض من مدخنة ساحة النجمة!

إلا أن هذا الواقع لا يلغي حقيقة راسخة، وهي أن العماد عون مستمر في ترشيحه وهو لن ينكفئ أو يتنحى وإن كانت  حظوظه بالدخول الى قصر بعبدا تتأرجح صعوداً وهبوطاً نتيجة ارتباط إنجاز الاستحقاق بتفاهمات اقليمية ودولية توازي في اهميتها التفاهم الداخلي الذي تعثر نتيجة الاعتبارات الخارجية. كذلك فإن النائب فرنجية ماضٍ هو الآخر بترشحه ما لم يحصل <اتفاق وطني> على اسم الرئيس الجديد للجمهورية اللبنانية. من هنا يرى المتابعون أن الحديث عن اسم مرشح رئاسي من خارج المرشحين الأساسيين الاثنين يجري العمل لـ<تسويقه> في الداخل والخارج، يبقى سابقاً لأوانه، وإن كان ذلك لا يعني استبعاد هذا الخيار بشكل نهائي، لكنه مؤجل حتماً في المرحلة الراهنة حيث ستبقى <المواجهة> محصورة بين العماد عون والنائب فرنجية الذي يؤكد قريبون منه أنه <احبط> بنجاح محاولة إزاحته عن السباق الرئاسي الى قصر بعبدا حين أكد من عين التينة بعد لقائه الرئيس نبيه بري انه مستمر في المعركة الرئاسية ولو بقي معه نائب واحد، وذلك خلافاً للأنباء التي راجت حول إمكان إعلان انسحابه لـ<تسهيل> تحول الرئيس سعد الحريري في اتجاه دعم العماد عون.

في المقابل، تؤكد مصادر مطلعة لـ<الأفكار> أن <التفاؤل> الذي لمسه زوار الرابية خلال الشهر الماضي من قرب انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، لم يكن مجرد <تمنيات> بل كان يستند الى معطيات جدية ترتبط بتطور الاتصالات غير المعلنة التي كانت تدور بين العماد عون والرئيس الحريري بواسطة معاونيهما الوزير جبران باسيل والمهندس نادر الحريري، والتي قيل إنها وصلت الى <تفاهمات> حول العديد من المواضيع التي كانت مدار نقاش بين الجانبين على خلفية التعاون الذي يفترض أن يقوم بعد الانتخابات بين <الرئيس> عون ورئيس الحكومة سعد الحريري. وتضيف  المصادر نفسها ان الاتصالات بين الرئيسين عون والحريري توافرت لها مواكبة اقليمية ودولية، على رغم أنها لم تصل الى حدود الاتفاق النهائي، بل كانت النقاط الإيجابية أكثر من النقاط السلبية، وهذا ما دفع <الجنرال> الى ابلاغ القريبين منه بضرورة الاستعداد للمرحلة المقبلة. وثمة من يتحدث من الفريق اللصيق بالعماد عون عن <ترتيبات> أمنية وإدارية وُضعت لتكون جاهزة عند الساعة صفر، ما يعني أن جو التفاؤل الذي أُشيع بقرب انتخاب العماد عون رئيساً لم يأتِ من عبث بل استند الى جملة وقائع يتحدث القريبون من عون عن بعضها، ويتكتمون على البعض الآخر.

طرفان محليان وثالث إقليمي عرقلوا

غير أن <لقمة> الرئاسة لم تصل الى <فم الجنرال> في الجلسة التي كانت مقررة يوم 8 آب/ أغسطس الجاري وحصلت تطورات سبقت موعد الجلسة <فرملت> الاندفاعة التي تحققت من خلال حوار جبران باسيل – نادر الحريري، وتكاد تعيد المسألة الى نقطة البداية إذا لم يتم تدارك هذا الأمر الذي يعني عملياً المزيد من التأخير في إنجاز الاستحقاق الرئاسي. وإذا كانت الأوساط السياسية المتابعة لا تجزم بطبيعة هذه التطورات التي أدت الى <تعليق> انتخاب العماد عون الى إشعار آخر، والجهات التي تقف وراءها، فإن مصادر مطلعة في الرابية تشير الى طرفين اثنين محليين، وطرف ثالث اقليمي <تناغموا> ولو من دون تنسيق مباشر، ما أدى الى تأجيل إنجاز الاستحقاق الرئاسي حتى إشعار آخر. وتقول مصادر الرابية عن الطرفين المحليين بأنهما لا يلتقيان عادة في المواقف بل هما متباعدان، فالطرف الأول يتمثل بـ<صقور> تيار <المستقبل> غير المتحمسين لوصول العماد عون الى رئاسة الجمهورية لاعتبارات متعددة، وعلى رأسهم الرئيس فؤاد السنيورة، فيما الطرف المحلي الثاني لم <يقتنع> بعد بأن <الجنرال> قادر على تسلم الرئاسة الأولى وإدارة شؤون البلاد <من دون مشاكل>، ويتحدث هذا الطرف دائماً عن <عدم القدرة على ضبط ردود فعل العماد عون كزعيم لتيار سياسي واسع، فكيف الحال إذا أصبح رئيساً للجمهورية؟> وقد تحرك هذا الطرف المحلي بعدما تلقى معلومات عن أن الحوار بين الرابية <وبيت الوسط> قطع شوطاً بعيداً، وأن المناخ الخارجي بدأ يميل الى ضرورة تسهيل وصول العماد عون الى قصر بعبدا بالتزامن مع عودة الرئيس الحريري الى السرايا الكبير.

وتتوقف مصادر الرابية عند اللقاء الذي تم بين الرئيس بري والنائب فرنجية في عين التينة، وما أدلى به زعيم تيار <المردة> بعده من مواقف لم يكتفِ من خلالها بتأكيد استمرار ترشحه الرئاسي، بل كذلك أسقط إمكانية الطلب منه بالانسحاب حتى ولو جاء ذلك من الرئيس السوري بشار الأسد أو الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وإن كان فرنجية قال بأن لا الرئيس السوري ولا السيد نصر الله في وارد الطلب اليه الانسحاب. وتعتبر مصادر الرابية أن هذا اللقاء كان عاملاً أساسياً في توجيه حركة الاتصالات الرئاسية في منحى آخر، تبعته سلسلة خطوات ومواقف، كان من أبرزها ترؤس الرئيس الحريري الاجتماع الدوري لكتلة <المستقبل> النيابية بعد طول غياب في اجتماع استثنائي طرح خلاله موضوع انتخاب العماد عون على أعضاء الكتلة الذين توزعوا بين 23 نائباً ضد عون و3 معه، وصدور تصريحات تشير الى أن معظم نواب <المستقبل> رفضوا تأييد ترشيح العماد عون، من دون أن تعلن غالبية <التيار الأزرق> أن النائب فرنجية هو المرشح الذي يحظى بتأييد أعضاء الكتلة، وإن كان ثمة وزراء ونواب <مستقبليين> تحدثوا عن أن فرنجية هو مرشح <المستقبل> حتى إشعار آخر.

 

الطرف الإقليمي غير مهتم بلبنان

 

أما الطرف الثالث الإقليمي، فقد أدى موقفه المستمر في عدم الإعلان عن تأييد العماد عون الى التخفيف من <حماسة> بعض المعنيين بالاستحقاق الرئاسي، وهذا الموقف – كما تقول مصادر الرابية – لا يعني أن ثمة ممانعة لانتخاب عون، لكن اهتمام هذا الطرف لم يصل بعد الى الاستحقاق الرئاسي اللبناني قبل حسم ملفات اقليمية عالقة لاسيما في اليمن والبحرين والعراق وسوريا. وفي تقدير المصادر نفسها أن أي تفاهم لبناني لا يمكن لأي طرف اقليمي أن يقف ضده أو يحاول <فركشته>، ما يعني أن المبادرة يجب أن تكون لبنانية فلا يتحفظ عليها أي طرف اقليمي، ولاسيما المملكة العربية السعودية التي تتمتع بثقل سياسي كبير على الساحة اللبنانية، ولا تزال الاتصالات مستمرة معها سواء من خلال التحرك الفرنسي حيال الاستحقاق الرئاسي، أو من خلال الكرسي الرسولي وروسيا في آن معاً. وفي هذا السياق، كشفت مصادر ديبلوماسية لـ<الأفكار> أن الجانب الفرنسي سمع <كلاماً إيجابياً> من المسؤولين السعوديين في ما يتعلق بـ<الاستعداد الكامل> لتسهيل الاتفاق بين اللبنانيين من دون أن يعني ذلك توقع القيام بمبادرات معينة في هذا الاتجاه.

ومع تبدّد الآمال التي علقها العماد عون على إنجاز الاستحقاق الرئاسي لمصلحته، بدا من خلال سلسلة معطيات ان الملف الرئاسي معلق في المرحلة الراهنة، على ما هو عليه، أي ان <الجنرال> لا يزال ينتظر تذليل العقبات من أمام رئاسته، معتبراً أن ما حصل قبل 8 آب/ أغسطس الجاري، جولة في مسيرة مستمرة يؤكد أنها ستوصله الى قصر بعبدا، وهذه الجولة لم تنهِ المسيرة، بل علقتها لفترة لا بدّ خلالها من استمرار الاتصالات والمبادرات والمواقف، وأول الغيث وأبرزه كان الموقف الذي أعلنه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله يوم السبت الماضي في خطبته لمناسبة النصر الذي تحقق في حرب تموز/ يوليو 2006، حين أعاد التأكيد بأن حزب الله مستمر في دعم العماد عون كاشفاً للمرة الأولى أن قرار الحزب بتأييد عون لرئاسة الجمهورية اتخذ قبل حرب تموز/ يوليو 2006، وذلك خلال الجولة الأولى من الحوار التي انعقدت في مجلس النواب بدعوة من الرئيس بري والتي كان يشارك فيها السيد نصر الله شخصياً، وقد قرأت مصادر سياسية معنية في إشارة السيد نصر الله الى أن قرار دعم العماد عون متخذ منذ عشر سنوات، دليلاً إضافياً على أن الحزب ليس في وارد التراجع عن هذا التأييد طالما أن <الجنرال> ماضٍ في ترشيحه خلافاً لما يتردد في بعض المحافل السياسية. كذلك فإن هذا الإعلان موجه الى النائب فرنجية الذي خصّه السيد نصر الله بلفتة رقيقة، وذلك للتأكيد على أن موقف الحزب من ترشيح عون ليس موقفاً جديداً، ولا هو أتى بعد إعلان ترشيح فرنجية، بل ان في المسألة التزامات سياسية سابقة للتطورات التي أفضت الى إعلان الرئيس الحريري دعمه لترشيح النائب فرنجية.

فرنجية-بري 

نصر الله يفتح الباب مجدداً

 

غير أن النقطة الأبرز في الشق السياسي المحلي من كلام السيد نصر الله، كانت فتحه الباب أمام احتمال تأييد الحزب لتولي الرئيس الحريري رئاسة الحكومة بعد انتخاب العماد عون رئيساً بحيث تكون <السيبة> الرئاسية مؤلفة من الثلاثي عون – بري – الحريري. وبدا من خلال اعلان السيد نصر الله أن المقاومة سوف تتعاطى بإيجابية في مرحلة ما بعد انتخاب عون مع الرئيس الحريري من دون أن يسميه، أن <السيد> أراد أن يطمئن فريق <المستقبل> بأن أي تسوية تأتي بالعماد عون رئيساً للجمهورية لن تتم على حساب الرئيس الحريري، لا بل سيكون شريكاً أساسياً في السلطة التي سوف تنبثق عن انتخاب <الجنرال> رئيساً للجمهورية. ويكتسب كلام السيد نصر الله أهمية في هذا الشق لأنه يتزامن مع حديث متجدد عن <ضمانات واضحة ونهائية> من أن العماد عون – في حال أصبح رئيساً للجمهورية – لن يتصرف بسلبية مع الرئيس الحريري كي لا تتكرر تجربة الرئيس اميل لحود مع والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وفق المخاوف التي عبّر عنها <المستقبليون> في أكثر من مناسبة. وتوقعت الأوساط المتابعة ان يكون لـ<تطمينات> السيد نصر الله صدى إيجابي يساهم في تسهيل الوصول الى <التسوية> الرئاسية التي يتم العمل عليها بعيداً عن الأضواء، لاسيما وأن الأمين العام لحزب الله رفض الطروحات التي كان قد أعلنها الرئيس فؤاد السنيورة والتي وُصفت بـ<زلة لسان> حيث اعتبر أنه لا يمكن الاعتماد على الواقع الشعبي فقط في اختيار رؤساء السلطات الدستورية لأنه لو اعتمد هذا الأمر – يقول الرئيس السنيورة – لوجب أن يكون النائب محمد رعد رئيساً لمجلس النواب بدلاً من الرئيس نبيه بري، والرئيس سعد الحريري رئيساً للحكومة بدلاً من الرئيس تمام سلام. من هنا أتت <ثلاثية> عون – بري – الحريري التي أشار إليها السيد نصر الله بأسلوب غير مباشر كإحدى الضمانات التي ترد في سياق تعداد ما يريح فريق الرئيس الحريري من جهة، وفريق العماد عون من جهة أخرى.

وفيما بدت ردود الفعل الأولية لتيار <المستقبل> على طرح السيد نصر الله سلبية في انتظار كلمة الرئيس الحريري في شأنها بعد عودته من إجازته، وبعد التشاور مع القيادة السعودية، رأى مراقبون أن <السيد> رد عن الحزب تهمة تعطيل الانتخابات وأعطى دفعة دعم جديدة  وجدية لترشيح العماد عون، وجعل الكرة في ملعب الرئيس الحريري، في وقت أبدى فيه الرئيس بري ارتياحه لخطاب السيد نصر الله معتبراً أن المرحلة الراهنة تحتاج الى أن يتولى الرئيس الحريري رئاسة الحكومة وحزب الله لن يعارض ذلك. لكن بري الذي أعاد التأكيد أمام زواره عن ترشيح النائب فرنجية، تحدث عن حوار بينه وبين <التيار الوطني الحر> عن قانون الانتخاب، لاسيما وأن ما حصل في الدوحة في العام 2008 من نقاش تعثر لأيام عدة ولم <يتحلحل> إلا بعد الاتفاق على تقسيم بيروت في قانون الانتخابات الذي اعتمد في حينه، فكان ذلك <مفتاح الفرج> كما يقول بري.

 

<الطبخة الرئاسية> لم تنضج

 

في أي حال، وفي ضوء المواقف المعلنة في الداخل، على تنوعها، فإن الأمر الأكيد أن الأجواء الراهنة لا توحي بأن عدّاد جلسات انتخاب رئيس الجمهورية سوف يتوقف عند الجلسة 44 المقررة في 7 أيلول/ سبتمبر المقبل لأن <طبخة> الانتخاب الرئاسي لم تنضج بعد، لا محلياً ولا إقليمياً، فيما الاهتمام الدولي بالملف الرئاسي اللبناني لم يكن أولوية ولن يكون كذلك في المدى المنظور، خصوصاً إذا ما استمر التعاطي الداخلي في هذا الملف على النحو الذي هو عليه، لاسيما بعدما اتضح أن العماد عون لا يزال على موقفه منتظراً تجاوباً من الرئيس الحريري مع فكرة انتخابه رئيساً للجمهورية لأنه – أي عون – متمسك بأن يكون المكوّن السني في البلاد موجوداً في جلسة الانتخاب عددياً وميثاقياً وإن لم ينتخب جميع نواب <المستقبل> رئيس تكتل التغيير والإصلاح، ذلك أن مجرد وجودهم في الجلسة يعطيها <الميثاقية> الضرورية. في حين يفضّل الرئيس الحريري التريث في جعل خياره الرئاسي لمصلحة عون، وهو لا يزال ينتظر حصيلة المزيد من المشاورات مكتفياً راهناً بالإعلان عن تأييد <المستقبل> للنائب فرنجية مع علمه الأكيد ان حظوظ زعيم <المردة> ليست كبيرة في حال استمر عون مرشحاً جدياً للرئاسة، وهو ما أثاره عدد من النواب <المستقبليين> في اجتماع الكتلة خلال تقييمهم لواقع الاستحقاق الرئاسي.

وهكذا، بين تفاؤل العماد عون وتطميناته، وتريث الرئيس الحريري في القيام بخطوة في اتجاه الرابية، وما أعلنه السيد نصر الله، يبقى الاستحقاق الرئاسي معلقاً، ويبقى قصر بعبدا شاغراً ولن <يصيّف> فيه إلا الفراغ!