22 September,2018

طرابلس تحت النار.. وخوات الشبيحة!

النائب سمير الجسر: حتى الآن في عشرين جولة قتال هناك 203 شهداء مدنيين و14 شهيداً عسكرياً واحتراق حوالى 2000 مؤسسة!

1   

اعادت جولة العنف الجديدة التي تشهدها العاصمة الثانية، بين مسلحي جبل محسن من جهة، ومسلحي التبانة من جهة ثانية، الوضع الاقتصادي الى الحضيض، وهذا ما يمكن ملاحظته بالعين المجردة من خلال التجوال في اسواق المدينة التي باتت خاوية على عروشها، ولا يؤمها الا غربان الموت من فينة الى اخرى لا تفصل بينها احياناً ايام، وهو ما يضع علامات استفهام كثيرة حول موقف نواب وجهاء طرابلس الذين لم يقدموا حتى الان سوى جرعات <بانادول> للمدينة، فيما المطلوب معالجة جذرية، وهل بات العجز هو العنوان الافضل لسياسيي المدينة، ألم يكن بالأمر تدارك ما حصل؟ خصوصاً وان هذه الجولة هي العشرون منذ عام 2008، المشهد نفسه يتكرر، الموت يبحث عن ضحايا، فيما سياسيو المدينة مع الشعر القائل: <أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصموا…>.

 مـــع التراجــــع الاخير للحركة التجارية والاقتصادية الى اكثر من 70 بالمئـــــة فإن نحو 28 ألف مؤسسة تجاريـــة في الشمال (10 الاف منها في طرابلس) باتت مهددة اما بالافلاس او بالاقفال او بعمليــــات صرف للموظفين، فيما هناك نحو 600 مؤسسة في منطقتي جبل محسن وباب التبانة مقفلة الآن، ليتوقف معها آلاف العمال المياومون قسراً بانتظار حل سحري لا يبدو حتى اللحظة متوافراً بدليل ان كل مساعي التهدئة باءت بالفشل.

صرف الموظفين

 للاطلاع على الوضع الطرابلسي المأساوي قصدت <الافكار> العاصمة الثانية وتجولت في شوارعها وقابلت اعيانها وجاءت بالتحقيق الآتي:

بداية مع مصطفى ذوق صاحب ( كافييه – ستوب ) عند شارع المينا. ذوق كان مقيماً بشكل دائم في الولايات المتحدة ولكنه منذ 6 سنوات قرر العودة والاستقرار في طرابلس، وللاسف ما ان قام بتأسيس مشروعه السياحي حتى اندلعت الازمة في طرابلس، اذ يقول ذوق: ان جولات العنف المتكررة اضافت المزيد من الاحباط لدى التجار وذلك بفعل الانكماش الاقتصادي الحاصل نتيجة التضخم وتراجع القدرة الشرائية، فالوضع في المدينة لم يعد يطاق، واليوم للمدينة وضعية خاصة، فلم نعد نشهد لا حركة تجارية ولا رِجلاً غريبة، وكنا نأمل ان يتحسن الوضع بعد تشكيل الحكومة ولكن للاسف الاوضاع الامنية المتردية احبطتنا جميعاً.

ويتابع ذوق: ان الازمة الاقتصادية المتفاقمة ترخي بظلالها القاتمة على مجمل الاوضاع العامة في مدينة طرابلس وجوارها، فالعديد من اصحاب المحال التجارية اعادوا

4

 

حساباتهم، ولجأ قسم لا بأس به، الى اعلان الاقفال التام لمؤسساته، اما حوالى 20 بالمئة من اصحاب المؤسسات، وانا من ضمنهم، فقد اتخذنا مضطرين، قراراً يقضي بالتقشف فعمدنا الى اختصار عدد الموظفين. فعلى سبيل المثال اضطررت الى الاستغناء عن ثلاثة موظفين مياومين، وانا للاسف ما زلت اتابع نشاطي التجاري دون تحقيق اي ربح، وسأستمر بعملي طالما ان

ايراداتي تغطي التكلفة مع هامش ربح لا يتعدى 7 بالمئة.

حلول <الديليفري>

وضع مصطفى لا يختلف عن وضع باقي تجار طرابلس، فخالد المولوي صاحب مطعم (كي – اند  – كي) كان مقيماً في السعودية بشكل دائم، ولكن منذ 6 سنوات ونزولاً عند رغبة زوجته

قرر خالد العودة الى لبنان للاستثمار في ربوع المدينة التي ترعرع بين احيائها، فعمد في البداية الى انشاء مطعم اطلق عليه اسم (جاست – فلافل) ولكن للاسف وبعد مرور سبعة اشهر على الافتتاح اضطر خالد الى اقفال مطعمه بسبب الازمة الامنية والتزاماته المادية تجاه موظفيه.

 اما في ما يتعلق بموضوع فرض الخوة من قبل بعض المقاتلين فيقول المولوي: ان فرض الخوة ازمة يعاني منها معظم تجار طرابلس، وكأن الخسائر والويلات التي يتعرض لها التاجر لا تكفيه، والمتتبع للوضع المتردي يرى ان عدداً لا يستهان به من الشبيحة قد عمد الى فرض الخوة علينا (وهي عبارة عن مبالغ مالية اسبوعية او مأكولاتويتابع المولوي: منذ 7 اشهر تقريباً عرض عليّ صديقي خالد جمالي فكرة المشاركة بمطعم جديد، نطلق عليه اسم (كي – اند – كي)، في البداية رفضت الفكرة معتبراً ان الوضع الامني غير مطمئن، ولكن بعد ان قام صديقي خالد بعرض استراتيجية عمل جديدة تقضي بمتابعة العمل بفترات التوتر ولكن عن طريق <الديليفري> اقتنعت بعرضه وأسسنا مطعمنا الذي يعد المأكولات السريعة، والحمدلله المردود المالي جيد حتى في ظل فترات الازمة، فاستراتيجية جمالي ممتازة والمردود جيد نسبياً.

وحصص غذائية تعطى للشبيحة صبيحة كل نهاية اسبوع) والذي يشجع على ذلك هو الفلتان الامني الذي تعاني منه طرابلس منذ 5 سنوات.

 وللاطلاع اكثر على الوضع الاقتصادي المتردي في طرابلس قابلت <الافكار> الدكتور والباحث القانوني، صبحي عبد الوهاب، الذي شبه الوضع الاقتصادي في

5

طرابلس بالمرض الخبيث المتفشي، وأشار الى ان معظم محلات طرابلس ومعاملها مهددة بالاقفال، فالظروف الاقليمية والمشاكل التي تعاني منها دول الجوار لها انعكاساتها السلبية على دورة الحياة الاقتصادية في طرابلس، كل ذلك دفع التجار الى اطلاق صرخات الاستغاثة، فهم بسبب التوترات الامنية اصبحوا غير قادرين على تأدية التزاماتهم المالية تجاه موظفيهم بالدرجة الاولى، وتجاه المصارف بالدرجة الثانية.

ليلى كرامي وغياب الإنماء

 وبدورها رئيسة تجمع سيدات الاعمال ليلى سلهب كرامي، حملت المسؤولية للطبقة السياسية الحاكمة واعتبرت انه وللاسف طرابلس حتى الآن خارج الخارطة اللبنانية، فالطبقة السياسية يبدو وكأنها قد اتفقت على ترك هذه المدينة تتخبط بين اقتصاد متدهور، وسياحة للأسف هاجرت مناطقها منذ زمن، وإنماء اقل ما يقال عنه انه غير موجود لدى اذهان ابناء طرابلس.

  وتتابع كرامي: في كل بلدان العالم كل طبقة سياسية عليها ان تضع مشروعاً انمائياً سياحياً  اقتصادياً لكل منطقة ضمن خريطتها الجغرافية، ولكن طرابلس الفيحاء غير موجودة على الخريطة الاقتصادية اللبنانية، والامن والتنمية اصبحا هاجساً بالنسبة لنا كأبناء طرابلس.

وتضيف كرامي: سياسيو طرابلس يروجون لتجارة السلاح، ولعقيدة القتل والدمار بدلاً من ترويجهم للمنتوجات الطرابلسية التقليدية. انهم يستغلون فقر وجهل ابناء التبانة و

جبل محسن، فهذه الطبقة الفقيرة اصبحت في يومنا هذا تحت سيطرة امراء الحرب والدمار، الذين عمدوا الى ابتزاز ابناء المنطقة واعطوهم اسلحة للاقتتال فيما بينهم مقابل لقمة عيشهم.

 اما بالنسبة للحل فأوضحت كرامي ان لا حل في الوقت الحالي طالما ان الحكومة الحالية لم تخصص بنداً واحداً او فقرة ضمن بنودها لقضية طرابلس، فهي للاسف منسية حتى أجل

6

 غير مسمى.

الجسر وصندوق البريد الساخن

اما الوزير سمير الجسر فأشار الى ان طرابلس تعاني منذ العام 2008 وتحديداً منذ تسوية الدوحة مشكلة امنية ضاغطة، استعملت فيها المدينة كصندوق بريد سياسي ساخن.. حين تأخر تأليف حكومة الوفاق الوطني انفجر الوضع الامني، ليهدأ عند صدور مراسيم التأليف، ثم ليعود وينفجر عند تأخر البيان الوزاري، وليهدأ الوضع بعد ذلك بقدرة قادر عند اعلان البيان. منذ ذلك التاريخ وعند كل استحقاق او عند كل منعطف سياسي تستخدم المدينة ويستخدم امنها كورقة ضغط سياسي للمساومة.

 ويضيف الجسر: للاسف الوضع لحينه مأساوي جداً، كان من المفترض ان تهدأ الاوضاع في اليوم الرابع او الخامس لبدء الجولة ولكن الاحتفالات في جبل محسن بعد معركة يبرود اعادت الوضع للصفر.

اما بالنسبة لتوصيف الوضع بلغة الارقام يقول الجسر:

منذ 2008 حتى اليوم شهدت طرابلس 20 جولة قتال، كان حصيلتها ما يأتي:

7

اما عدد الجرحى فبلغ 1320 يضاف اليهم 1000 جريح، 500 دخلوا للمستشفيات لاكثر من يوم، و500 آخرين دخلوا وخرجوا في اليوم ذاته وهم جرحى تفجير المسجدين، كما يمكن ان نضيف 276 جريحاً للجيش والقوى الامنية.203 شهداء مدنيين، و14 شهيداً من كافة القوى العسكرية والامنية.

ــ ماذا عن الاضرار المادية للمنازل والمؤسسات؟

– عام 2010 تضرر حوالى 3991 منزلاً، اما عام 2011 فتضرر 866 منزلاً، اما عام 2012 فتضرر ما لا يقل عن 11560 منزلاً، اما اضرار 2013 فلم تحصَ بحكم الاوضاع الامنية.

ويتابع الجسر: اما بالنسبة للمؤسسات الاقتصادية فتم حرق حـــــوالى 2000 مؤسسة منذ 2008 حتى نهايـــــة 2012، اما بالنسبة للمؤسسات التي اغلقت بسبب تردي الوضع الاقتصادي فهي بالمئــــات في طرابلس الجديدة وبالعشرات في الاسواق وهــــذه لاول مرة بتاريخ المدينـــــة يغلق محل في الاسواق القديمة.

ــ ألا يؤدي ذلك الى تفشي ظاهرة البطالة الموجودة أساساً في طرابلس؟

– في العام 2010 كلفنا كنواب مؤسسة خاصة لوضع دراسة عن طرابلس، وتبين ان فيها (15000) عاطل عن العمل ولا يدخل في الاحتساب عدد الذين يعملون في مؤسسات اهلهم او بنصف دوام، مما يعني ان تنامي البطالة اكبر من النمو السكاني، وتقدر الدراسة انه في العام 2020 ستبلغ البطالة 30000.

3

 

ــ هل صحيح ان تجار طرابلس يعانون من مشكلة فرض الخوة عليهم؟ ومن يحمي هؤلاء الذين يفرضون الخوة؟

– للأسف منطق فرض الخوة منتشر في شوارع طرابلس وسببه بالتأكيد الفلتان الامني وقلة ثقة المواطن بالقوى الامنية، ومن يحمي هؤلاء بالتأكيد شمسية تابعة للأمن او سياسي يوصل الى الأمن.

ــ ما الحل للازمة في طرابلس ؟

– يجب اولاً العمل على اعادة الثقة بين المواطنين والاجهزة الامنية وذلك عن طريق استخدام مبدأ الحزم والعدالة على الكل، فطرابلس تريد ان تشعر بأن هناك دولة تهتم بها كما اهتمت الدولة حين قطعت طريق الجنوب. طرابلس تطلب ان يكون لها خطة امنية وخطة تنموية متزامنة مع الخطة الامنية، خطة امنية تستعمل القوة حين يلزم من دون افراط في استعمال القوة، خطة تعتمد ملاحقة المطلوبين في جريمة المسجدين، وذلك تنفيذاً لعدالة لا تعترف بخطوط حمراء في ملاحقة المجرمين والضالعين في الاجرام. فالحل يكون بالحزم والعدالة وإعادة الثقة بالقوى الامنية والغاء التعديات على الاملاك العامة ومنع الخوة وإلقاء القبض على كل من اخل ويخل بالامن لا سيما مرتكبي تفجير المسجدين.