18 November,2018

طالبت الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز بمضاعفة الجهد لتوضيح حقيقة الإسلام في الغرب!

بقلم حسين حمية 

رحل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز وبويع شقيقه الأمير سلمان ملكاً جديداً، فكان خير خلف لخير سلف لاسيما وأن الإثنين هما صديقان عزيزان للبنان ولشعبه SAM_2353بكل أطيافه، ولذلك شهدنا هذه المشاركة اللبنانية الكثيفة في تشييع الملك عبدالله والقيام بواجب العزاء للسعودية وللأسرة المالكة وللشعب السعودي الشقيق.

و<الأفكار> استضافت في منزل رئيس التحرير مفتي طرابلس والشمال الشيخ الدكتور مالك الشعار العائد من واجب العزاء في المملكة السعودية وحاورته على هذا الخط بالإضافة إلى شؤون وشجون العالم الإسلامي والإرهاب الطارئ عليه وحكاية الحور العين وملف طرابلس وأحداثها بدءاً من السؤال:

ــ ما هي أهم ذكرياتك وأبرز المحطات مع الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز لاسيما وقد التقيته أكثر من مرة؟

– بعد البسملة والحمدلة والصلاة على نبيه الكريم وآل بيته وأصحابه أجمعين قال: قابلت خادم الحرمين الشريفين الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز خمس مرات، وفي أحد اللقاءات تحدث عدد من الحضور عن مكرمته في توسعة الحرمين الشريفين وذلك منذ حوالى 5 سنوات وعن أفقه في هذه التوسعة، فلمعت في ذهني قضيتان: الأولى هي القضية الفلسطينية والثانية هي قضية الإسلام في الغرب، فقلت له: يا خادم الحرمين كل من تحدث تناول أعظم ما توصلت إليه المملكة في مشروعكم وقراركم بتوسعة الحرمين الشريفين ولا أستطيع أن أزيد على ذلك كلمة واحدة، لكن لدي قضيتان كل واحدة منهما لا تقل أهمية عن توسعة الحرمين الشريفين: الأولى هي قضية الإسلام في الغرب بحيث ان هذا الغرب لا يعرف شيئاً عن الإسلام، ولذلك آمل أن نضاعف جهدنا وعطاءكم  بإيجاد المراكز الإسلامية في عواصم الغرب، وآمل أن نوفق في إنشاء محطات تلفزيونية تخاطب الغرب بلغته وتعرض له الإسلام بمقاصده وأبعاده الإنسانية، والثانية كما قلت له انكم أوصلتم القضية الفلسطينية إلى أعلى المنابر الرسمية في العالم إلا أن الشعوب لا تعرف عن القضية الفلسطينية شيئاً، فأنا قادم إليكم من مؤتمر في مصر انعقد في جامعة الأزهر وكنت أتحدث مع وزير الأديان الإلماني السابق فقال للحضور ان مجموعة من الألمان سألوه: لماذا يأتي الفلسطينيون إلى إسرائيل لإخراج اليهود منها وليحلوا مكانهم؟ أي أننا وصلنا إلى درجة يعتقد معها الغرب أن فلسطين للإسرائيليين واليهود وأن الفلسطينيين هم المعتدون ويريدون إخراج الإسرائيليين من فلسطين. ولذلك طالبته بأن يتدخل وقلت له: كما أن هناك ملحقاً عسكرياً وملحقاً ثقافياً في سفاراتكم في الخارج  كذلك آمل أن يكون هناك ملحق للقضية الإسلامية وملحق للقضية الفلسطينية.

ــ ما كان جوابه؟

– سرّ الرجل وهشّ وبشّ وقال ان المملكة لم تقصّر في القضية الفلسطينية وفي قضية الإسلام والمراكز الإسلامية  ورابطة العالم الإسلامي، فقلت له ان هذا صحيح، لكن أنا آمل أن تضاعف الجهود لأن القضية الفلسطينية تحتاج إلى أن نوصلها إلى عامة الشعوب في بلاد الغرب، وكذلك الإسلام خاصة وأن الغرب لا يكره الإسلام، لكنه لا يعرف حقيقة الإسلام، ولذلك عندما كنت أنتهي من محاضرة في الخارج كان الرجال والنساء يأتون لتقبيلي من كتفي بعدما يسمعون مني كلاماً كأنهم لأول مرة سمعوه ما يدل على أننا مقصرون في كشف نقاب حضارة الإسلام والبعد الإنساني للإسلام، وكذلك الإسلام كبعد اجتماعي يتناول قضايا الحياة ويستوعب تطورات الزمن.

ــ وما كان الجواب النهائي للملك الراحل؟

– وعد خيراً، ولذلك عندما تلقيت نبأ وفاته شعرت بأن هذين الأمرين ربما لن يكتب لهما الحياة، لكنني آمل  أن يكمل الملك الجديد سلمان بن عبد العزيز المسيرة على هذا الخط. والملك سلمان سبق وضمني لقاء إلى مائدته منذ سنتين وهو رجل أديب بكل ما تحمله الكلمة من معنى وحدثني عن الكتب التي يقرأها وكم يقرأ قبل أن ينام وكم يعطي الرياضة جزءاً من الحق. وفوجئت أن أميراً مثله والآن ملكاً لا وقت فراغ لديه ومع هذا لا ينام قبل أن يقرأ ولا يفوته يوم دون أن يعطي جسده حقه  في الرياضة. وآمل أن يكتب لهذين الأمرين الحياة في عهد الملك سلمان لأننا بحاجة ماسة إلى أن نوصل حقيقة الإسلام للغرب وأن نوصل حقيقة القضية الفلسطينية إلى عامة شعوب بلاد الغرب أيضاً. وأنا أعتقد أن هذا الأمر سيعطي أثراً كبيراً في كشف النقاب عما ينسب إلى الإسلام زوراً من إرهاب وتطرف.

ــ هل تحدثتم مع المسؤولين السعوديين خلال تقديم واجب العزاء عن لبنان؟

– اقتصر الأمر على الملك سلمان وعلى ولي العهد الأمير مقرن وعلى ولي ولي العهد الأمير محمد بن نايف وعلى الأمير متعب بن عبدالله ومجموعة من الأمراء لكن لم يكن هناك مجال للحديث عن شأن آخر.

ــ وهل التقيتم الرئيس سعد الحريري؟

– طبعاً، فالرئيس الحريري هو الذي قام بتشكيل هذا الوفد ودعانا وأولم لنا ونقلنا إلى هناك عبر ثلاث طائرات خاصة.

حور العين والجنة والغداء مع الرسول

ــ الإرهابيون الذين يفجرون أنفسهم بحزام ناسف يفعلون ذلك حسب معتقداتهم طمعاً في دخول الجنة ولقاء حور العين، فكيف تفسر ذلك؟

– حور العين جزء من الجنة ومتاعها، والقرآن الكريم ذكر حور العين كمتاع ولكن حقيقة حور العين لا يعلم بها إلا الله لأنها من الغيب.

ــ يعني زوجات في الجنة أم ماذا؟

– لا يخفى على أمثالكم ان الحياة في الآخرة ليس فيها أحكام شرعية إسلامية، بل هناك نعيم مؤبد دائم سرمدي بدون تكاليف دينية أو أحكام شرعية. والغيب لا يخضع للعقل في إدراك المضمون، بل إن الغيب يدرك بالنقل في إثبات وجوده. والقرآن ذكر حور العين كمتاع في الجنة و<حور مقصورات في الخيام>، لكن حقيقة حور العين والعلاقة معها ليستا كعلاقة الرجل مع المرأة في الدنيا. هذا من الأمور الغيبية لا يستطيع أحد أن يدرك مضمونها وكنهها.

ــ ولو سألنا أجنبي عنها ماذا نقول له؟

– هذا جزء من الغيبيات. فالعالم عندنا قسمان: عالم نشاهده وعالم غيب، فعالم المشاهدة يدرك بالعقل، وكل ما هو موجود في عالم المشاهدة من حق الإنسان أن يدركه بالعقل أو من واجبه أن يدركه بالعقل، أما الغيب فيدرك بالنقل أي ما جاءنا في كتاب الله تعالى وفي سنّة النبي الصحيحة عليه الصلاة والسلام. وهناك مشكلة كبيرة تنشأ عندما يريد الإنسان أن يستخدم عقله للتعامل مع عالم الغيب لأن العقل لم يعدّ لإدراك عالم الغيب.

ــ وماذا عن هؤلاء الذين يعتقدون أنهم بانتحارهم يتناولون الغداء مع النبي الكريم؟

– لو عرف الناس حقيقة دينهم وحقيقة الإسلام لما سلكوا هذا الطريق ولما وقعوا في هذه الأوهام، فالمشكلة هي عدم معرفة المسلمين لدينهم، ولذلك فالإنسان عندما يتعامل بعاطفته ومشاعره وأحلامه دون إدراك عقلي لحقيقة الإسلام يقع في مثل هذه الأمور وربما أكثر.

ــ أليس من واجب العلماء أن يهدوا هؤلاء الضالين إلى الصراط المستقيم؟

– لو لم تكن هناك توضيحات من قِبل العلماء لكانت هناك أرتال ومئات وآلاف من هؤلاء، فدور العلماء في إيصال حقيقة الإسلام إلى العقول هو الذي جعل الكارثة محدودة. وهناك كثيرون ممن استشاروني واستفتوني بالذهاب إلى سوريا، فقلت ان هذا ليس في باب الجهاد رغم انني لست مع نظام بشار الأسد، فهذه مشكلة شعب مع نظامه ورئيسه وعمل الإنسان هو في الدعوة إلى الله وتعليم الناس ولا علاقة له بكل ما يجري في سوريا. هكذا أفتيت وعلى المنبر.

ــ والمنتحر مقتنع بذهابه إلى الجنة انطلاقاً من واقعة غزوة أحد عندما كان يقول من يصيبه رمح: لقد وعدني رسول الله بالجنة وفزت بها والله.. فماذا عن ذلك؟

– لقد وعدني لإحدى الحسنيين: إما النصر وإما الشهادة. فهذا صحيح إذا كنا في معركة وجهاد مع الكفار الذين قاموا بغزو بلادنا. وما حدث في معركة أُحد ومعركة بدر مختلف كثيراً عما يحدث في هذه الأيام.

المفتي الصابونجي

ــ هناك مفتيان: واحد توفي جسدياً في طرابلس هو الشيخ طه الصابونجي وآخر أنهوه سياسياً هو الشيخ محمد رشيد قباني.. فكيف تعلق على ذلك؟

– سماحة المفتي الشيخ محمد طه الصابونجي لقي ربه بانتهاء عمره وقضى آخر أربع سنوات وهو في حالة من المرض والضعف وكان الموت راحة له، ولقي ربه على فراش المرض في بيته ووسط أهله وشيعته المدينة وقامت بتكريمه وبكل ما له علاقة بالقيام بواجباتها، ودار الإفتاء نفذت وصيته القاضية بأن يصلى عليه في جامع طينال، وأن تقام مراسم التعزية في دائرة الأوقاف أو دار الفتوى، وهذا ما قلته عندما راجعوني وأنا في دبي وأكدت أننا مسؤولون عنه من الألف إلى الياء لا بل قلت كلاماً أكثر من ذلك لن أكشفه اليوم. وأنا أحب أن يكرم الإنسان في وفاته ونحن أولى به من أي جهة أخرى لأننا أهل علم وأهل مسؤولية ونسعى إلى أن نكرم العلماء في دنياهم وفي آخرتهم، ولذلك نحن لم نقصر معه في هذا الاتجاه.

وعاد ليقول:

– أما بالنسبة للشق الثاني، فما كنت أتمنى أن تصل الأمور مع المفتي قباني إلى هذا الشكل، والموضوع أصلاً انتهى والحديث به لم يعد منه أي فائدة، وكنت آمل أن يتجاوب المفتي قباني مع محبيه وأن تكون النهاية أفضل مما وصلت إليه.

ــ يقال ان الطرف الآخر انقلب على الاتفاق الذي تمّ برعاية الرئيس سعد الحريري، فما صحة ذلك؟

– لم أكن في الاتفاق ولا أدري ما حدث.

ــ وماذا رأيت في مبادرة المفتي الجديد الشيخ عبد اللطيف دريان بزيارة بيت المفتي قباني بعد اعتلائه سدة الإفتاء؟

– الزيارة التي قام بها مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان لسلفه سماحة الشيخ المفتي الدكتور محمد رشيد قباني كانت على درجة عالية من الشعور بالواجب، ولا يجوز أن يهمل أحدنا حق الآخرين.

شجون وشؤون طرابلس

SAM_2358ــ كيف هي العلاقة مع الطائفة العلوية بعد تفجيري جبل محسن لاسيما وأن دورك في إطفاء ردود الفعل كان مهماً؟

– العلويون في طرابلس لم يشعروا يوماً بأنهم خارجون عن أبناء المدينة أو عن معتقد ودين المدينة، لقد كان مفتيهم السابق الشيخ علي منصور يصلي معي في الجامع المنصوري الكبير صلاة الجمعة لمدة 15 سنة، وللأسف افتعلت حوادث وقضايا لتقطيع أواصر العلاقة والمحبة بين أبناء جبل محسن وأبناء التبانة خاصة أو أبناء طرابلس بصورة عامة، والخطأ حمل وزره أشخاص، فالحزب العربي الديمقراطي الذي كان يقوده رفعت عيد هو الذي ورّط الاخوة العلويين بمواقف سياسية لا سيما وأنه قال ان ولاءه للرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد وللرئيس السوري بشار الأسد ولأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، على حساب ولائه للبنان وهذه هي المشكلة، وهو الذي أراد أن يجر جبل محسن والاخوة العلويين إلى الصدام مع السنّة، إلا أن عموم العلويين كانوا على تواصل دائم معنا وخاصة سماحة الشيخ أسد عاصي حيث كنت وإياه على تواصل دائم وتفاهم إلا أن الوضع السياسي لم يكن يسمح بأكثر مما حدث بيننا.

ــ ألا ترى أن الإرهاب ينمو في المناطق الفقيرة ولذلك فالإنماء هو السلاح الأمضى لمكافحة الإرهاب؟

– صحيح، وضعت إصبعك على أم القضايا وعلى الجرح النازف. فالمشكلة في التبانة وجبل محسن ما كان لها أن تنشأ لو كان الوضع الاقتصادي مريحاً في المنطقتين. فأبناء المنطقتين يعيشون عبئاً على المجتمع نظراً للفقر القائم والجهل المخيم وعدم وجود مستوصف أو نادٍ رياضي أو مدرسة إلا المدرستين اللتين تبرع بهما الشيخ سعد الحريري في التبانة.

ــ ألم تتوصل مع نواب طرابلس إلى معالجة هذه المشكلة؟

– بصراحة الموضوع كان له جانبه السياسي من خلال المال الذي يدفع بحيث لم يستطع أحد أن يحقق الإنماء في تلك المنطقة. وأعتقد أن السياسيين في لبنان يتحملون مسؤولية غياب الإنماء في التبانة وجبل محسن والقبة والمنكوبين.