5 April,2020

ضيف شرف معرض  الكتاب الفرنسي المفكر والشاعر صلاح ستيتية لـ”الأفكار“: أخشى أن يصبح عالم الغد عالم صور بدلاً من عالم فكر!

 

بقلم عبير انطون

11

<نقرأ معاً من أجل التشارك> هو العنوان المختار باللغتين العربية والفرنسية لـ<معرض بيروت للكتاب الفرنكوفوني> الذي تستقبله العاصمة اللبنانية في دورته الثالثة والعشرين، والذي يستقطب سنوياً حوالى المئة الف شخص بينهم عشرون الفاً من الطلاب. لهذا الموسم يستضيف <صالون الكتاب الفرنسي> في مجمع <البيال> أكثر من 180 كاتباً منهم 90 كاتباً فرنسياً، و60 ناشراً وعارضاً وعدد من الكتاب اللبنانيين الذين ترجمت اعمالهم الى الفرنسية، فضلاً عن ركن للناشرين العرب، ومكان للمسرح والسينما والمعارض والانشطة المصورة، وتشارك فيه للمرة الأولى كلّ من كندا وسويسرا وبلجيكا وايطاليا. وفي المعرض ايضا جناح <الناقد الشاب اللبناني> الذي ينظّمه المعهد الفرنسي بالشراكة مع وزارة التربية اللبنانية بحيث سيستقبل أكثر من 20 ألف طالب من المدارس الخاصة والعامة، وتتمّ لقاءات بكتّاب وناشرين وتتخلله مسابقات وجوائز، من دون ان ننسى جائزة <لائحة غونكور- خيار الشرق 2016> حيث ستقوم 37 لجنة حكم من أكثر من 400 طالب ينتمون إلى 30 جامعة مسجّلة من الشرق الأوسط من 11 بلداً، بقراءة الروايات المنبثقة من الاختيار الثاني لأكاديمية <غونكور> ومن ثم تصنيفها. وترئس سلمى كوجوك، الروائية الفرنكوفونية ومنشّطة حلقات الكتابة، لجنة حكم <جائزة خيار الشرق للعام 2016>، فما الذي يجمله الكتاب الفرنسي بعد؟ وهل من خوف عليه مستقبلاً؟

 

<آزولاي>.. والمبادرة

 

وسط حراسة امنية مشددة فرضها وجود وزيرة الثقافة الفرنسية <اودري آزولاي> افتتح <المعرض الثالث الاكبر للكتاب الفرنكوفوني> في العالم والذي احتضنه مجمع <البيال> حيث احتشد جمهور الكتاب لافتتاح الدورة الثالثة والعشرين. الحضور هم فرنكوفونيون في غالبيتهم، مختلطون ما بين لبنانيين يقرأون بالفرنسية وفرنسيين يعيشون في لبنان. وجوه كثيرة لا تزال تواكب المعرض منذ افتتاحه في التسعينات في <المركز الثقافي الفرنسي>، وبقيت وفية للموعد السنوي الذي غاب لدورتين فقط عقب اغتيال رئيس الوزراء الشهيد رفيق الحريري. وبعد هذا التوقف القسري لدورتين، عاود الصالون واستأنف مهمته المشتركة ما بين نقابة مستوردي الكتب والمعهد الفرنسي وسفارة فرنسا في لبنان التي لن تترك بسهولة ساحة ثقافية خصبة للغتها وادبها وسط هجمة شرسة من اللغة الانكليزية عليها.

لبنان الارض الخصبة والصديقة لفرنسا ولغتها شكلت منطلقاً لوزيرة الثقافة الفرنسية <اودري آزولاي> في اعلان مبادرة فرنسية هي الاولى من نوعها، أبت إلا ان تطلقها من المعرض للأهمية التي يكتسبها.انها المرة الأولى التي يشارك فيها وزير للثقافة في هذه المناسبة، وكانت <آزولاي> قد رافقت الرئيس الفرنسي <فرنسوا هولاند> خلال زيارته للبنان في نيسان/ أبريل الماضي، وتأثرت بما وجدته في بلد الأرز من إنجازات ثقافية ومؤلفات فرنكوفونية فحضرت له مفاجأة بشكل مبادرة اطلقتها مع افتتاح <الصالون الفرنسي>، وهي عبارة عن مشروع جديد للحكومة الفرنسية يهدف إلى تعزيز الترجمة والمكتبات الفرنكوفونية في مختلف أنحاء العالم، ويتضمن <إنشاء صندوق مساعدة لضمان بقاء المكتبات واستمراريتها لأنّ إنشاءها غالباً ما يكون نتيجة التزام أفراد متحمّسين يكرسون حياتهم لها، وهذا الصندوق سيسمح لهم بالحصول على قروض من دون فائدة للمشتري>، لافتة إلى أنّ مئات المكتبات الفرنكوفونية في العالم تستفيد من خدمات <المركز الوطني للكتاب>، ومعلنة بأننا <سنقوم في العام 2017 بتعزيز مساعداتنا لهذه المكتبات من خلال العمل على تجديد مباني هذه المكتبات وتدريب طاقمها>.

وأعلنت الوزيرة الفرنسية ايضاً عن تقديم الدعم للترجمة في حوض المتوسط من خلال منح وزارة الثقافة في عام 2017 جائزة تكافىء على ترجمة كتاب في العلوم الإنسانية والاجتماعية من الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط، وثانياً من خلال منح مساعدات تصل إلى تمويل 70 بالمئة من أعمال ترجمة كتب من اللغة الفرنسية إلى إحدى لغات دول حوض البحر المتوسط والعكس.

 

22<جان بول 2>.. وحزب الله

وجوه عديدة ميزت المعرض لهذا العام. ربيع علم الدين، الذي يكتب بالانكليزية، حصد الشهر الماضي جائزة <فيمينا> عن افضل رواية اجنبية وكانت روايته <امرأة بدون اهمية> قد ترجمت الى اللغة الفرنسية، وهي تتحدث عن سيدة لبنانية تجاوزت السبعين من عمرها كانت تملك مكتبة في بيروت التي لم تغادرها يوماً، ونتعرف من خلال سيرة حياتها الى حقبات المدينة وتقلباتها المختلفة. في المعرض ايضاً استضافة لـ<باسكال بونيفاس> مدير <معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية> الذي اتهمه <برنار ليفي> بمعاداة السامية وتم تهديده بالقتل لوقوفه الى جانب الشعب الفلسطيني، وهو يعتبر من أبرز الذين اعادوا التفكير بمعنى <المثقف> في فرنسا عبر كتابه <المثقفون المزيفون>، وكانت له طاولة مستديرة بعنوان <الرياضة والجيوسياسة>.

الى <بونيفاس>، استضاف المعرض الكاتب والفيلسوف <الكسندر جوليان>، الكاتبة كارمن بستاني في كتاب جميل حول <الاديبة والروائية اندريه شديد> والتي كان المخرج الراحل يوسف شاهين قد نقل سينمائياً روايتها <اليوم السادس> من بطولة <داليدا>، الكاتب جبور دويهي ابن زغرتا الذي ترجمت كتبه الى اللغة الفرنسية التي لا يكتب بها، والذي يعتبر من ارفع روائيي هذا العصر، فضلاً عن وجوه لبنانية عرفناها في المسرح كروجيه عساف الذي يصدر <قاموس المسرح الكوني> وندوة حول جنوب لبنان بالتعاون مع <المعهد الفرنسي>، وطاولة مستديرة حول الرقص المعاصر في لبنان وسويسرا وغيرها.

وبما ان الاديان تشكل اوجها لصراعات وحروب عديدة اليوم، فان معرض الكتاب لم يبتعد عنها وقدمها من زوايا مختلفة بينها مثلا كتاب حول حزب الله بعنوان:

<Militer au Hezbollah, ethnographie d’un engagement dans la banlieue sud de Beyrouth> للكاتبة <ايرمينيا كيارا كالابريس> ونقاش مع <آلان غريش> حول <الاسلام والجمهورية والعــالم> و<نصـــوص للبابــــا جــــــان بــــــول الثـــــــاني حول لبنان> لناجي كزيلي، وكتب عديدة حول <دور الموارنة وهويتهم ودورهم في صناعة لبنان الكبير> وغيرها..

 

ستيتية: الأمل بالمثقف!

 

 إلا ان الوجه الابرز والذي اختاره المعرض ضيف شرف لهذا العام هو الكاتب والشاعر والباحث وسفير لبنان الاسبق في فرنسا صلاح ستيتية أحد أكبر الوجوه الثقافية اللبنانية والفرنكوفونية في العالم، والذي قدم <معرض الكتاب الفرنسي> فيلماً وثائقياً عنه بعنوان <Versants> يتناول سيرة هذا الاديب والشاعر الذي لم يعتمد يوماً إلا ديبلوماسية الحوار والتلاقي في أدبه وشعره كما في حياته. فستيتية ابن العائلة البيروتية العريقة، المتمسك بجنسيتيه اللبنانية والفرنسية، اعطى انتاجاً ادبياً على مدى نصف قرن ولا يزال، فقطف عن جدارة <جائزة الفرنكوفونية الكبرى> للعام 1995 و<جائزة الصداقة العربية – الفرنسية> و<جائزة ماكس جاكوب>، وجائزة <المفتاح الذهبي لمدينة ميديريفو>، ومؤخراً <وسام الضابط الاكبر لجوقة الشرف> من قبل الرئيس الفرنسي <فرنسوا هولاند>. ستيتية خص <الافكار> بلقاء تناول أكثر من محور، كان أولها مسألة الترجمة التي ركزت عليها وزيرة الثقافة الفرنسية <آزولاي> فسألناه في هذا الاطار:

 ــ لقد ترجمت كتبك الى اكثر من لغة من حول العالم، اي اللغات كانت الاكثر وفاء لافكارك وما كتبته؟

– ربما الإيطالية والانكليزية.انهما اللغتان الاكثر وفاء في الترجمة لكتبي. أحياناً أقرأ الترجمات ان كنت اعرف اللغة، وتعرفون انني تُرجمت الى 15 لغة وهناك لغات لا أعرفها. الآن يترجمون كتبي الى لغتين لا أعرفهما هما: الرومانية واليونانية، وهي ليست نصوصا او مقتطفات قصيرة مقتضبة، انما تشمل كتباً كبيرة تتراوح ما بين 200 الى 300 صفحة.

ــ أثارت وزيرة الثقافة الفرنسية خشيتها على الكتاب الفرنسي المهدد كما تقول. هل تعتقد أن وسائل الاتصال الحديثة، مثل الـ<آيباد> وغيرها والتي باتت تدخل الى مدارسنا اللبنانية ومناهجها بشكل كبير، قد تشكل 33عقبة أخرى امام ثقافة الكتاب والمحافظة عليه؟

 – ما هو مؤكد اننا نتجه الى عالم مختلف عن العالم الذي عرفناه، خاصة الذي عرفه جيلي. فمع دخول الصورة الى الميدان عن طريق السينما ومن بعدها التلفزيون، والآن عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة نبتعد عن الفكر الطاهر النقي ونقترب اكثر فأكثر الى اشياء مجسدة، وربما تكون اكثر بعداً عما كانت عليه الفلسفة واستجواب العالم من قبل الذكاء الانساني. لذلك انا أخشى ان يصبح عالم الغد عالم صور اكثر مما يكون عالم فكر، إنما في الوقت عينه اقول ان للإنسان تطورات غريبة احياناً، تنتظره من الشمال فيأتي من اليمين، لذلك انا شخصياً مؤمن بإمكانية ان يغير الانسان السبيل ان وجد في وجهه طريقاً مسدوداً او اقل إفادة له من الطريق الذي كان يسلكه في الماضي. الأمل ان ما سمي من قبل بعض الفلاسفة العرب <الأنا – سانية او humanisme> ان يحفز الانسان على وضع انسانيته والتساؤلات حولها في المقام الاول. اقدر ان الانسان الاوروبي او حتى العربي المثقف سوف يلعبان دوراً مهماً في تحويل الطريق ان ساء اكثر مما هو متوقع.

ــ لن يقتصر حضورك بالطبع في المعرض على كونك ضيف شرف، فما الذي ستخص به جمهور <معرض الكتاب>؟

– لقائي مع اصدقاء الكتاب في المعرض يتنوع ما بين محاضرتين: الاولى بعنوان <العربية والفرنسية: الحوار الذي لا بد منه> والذي ألقي فيها الضوء على الحوار والتناقضات الموجودة بين اللغتين العربية والفرنسية وصعوبات الترجمة احياناً من لغة الى اخرى وخصوصاً الترجمة من الفرنسية الى العربية، اما المحاضرة الثانية فتقع تحت عنوان <المتوسط المأساوي اليوم، تساؤلات وأبعاد> فيما يتمحور اللقاء الأخير حول الشعر الجميل في قراءة شعرية بعنوان <الصيف ذو الغيمة الكبيرة>.

ــ وعن <الغيمة اللبنانية>، ما الكلمة التي يتوجه بها صلاح ستيتية المثقف العالمي والديبلوماسي السابق الى العهد الجديد في لبنان؟ وماذا يقول للرئيس المنتخب حديثا؟

 – أقلّه أصبح للسفينة التي كانت تتقاذفها الامواج في بحر غير مسمى، محمّلة بالآراء المختلفة والتناقضات، رئيس اليوم، ونأمل بأن يكون هذا الرئيس الجديد – القديم من سيوضح الأمور هو والحكومة الآتية. لا يمكن الحديث عن أولويات، فلقد اصبحت كل الأمور في هذا البلد أولوية بدءاً من تكوين المواطن اللبناني من جديد لإعادة ثقافته، الى الاقتصاد وغيره، فهذا العصر صعب جداً والأمل كبير ان يكون هذا الرجل رجل الحقيقة.

ــ سؤال أخير، هل من خوف برأيكم على اللغة الفرنسية مقابل اللغة الانكليزية التي تجتاح العالم اليوم؟

– لا خوف على اللغة الفرنسية كلغة ثقافة، هناك خوف في العالم كله على اللغات بالنسبة لمنافسة اللغة الانكليزية لها. فالانكليزية هي لغة الأعمال، والعالم اليوم اكثر اتجاهاً صوب الاعمال والاقتصاد من ان يكون متجهاً مع الاسف صوب الثقافة، لذلك ستبقى اللغة الفرنسية لغة الثقافة الرفيعة بينما ستكون اللغة الانكليزية لغة التعامل الاقتصادي، وذلك ما نراه اليوم مسيطراً على العالم.