19 November,2018

”ضـيعــــــــــان لـبـــــــــــنـان“

SAM_5208شهدت البشرية تطورات جذرية وتغييرات أساسية هائلة.. مئة سنة كانت كفيلة بتحويل حياة الناس من حياة بسيطة غنية بالقيم والآداب، كل الآداب، آداب الغنى والفقر، آداب العلوم والضحك والألم واللذة والسهر والطعام الى حياة معقدة وسهلة في آن…
قرن مضى، بدأ بالايديولوجيا وانتهى بالتكنولوجيا، بدأ بثورتين: ثورة النهضة الفكرية والأدبية، وثورة الصناعة التقليدية، وانتهى بالأقمار الصناعية وما نتج عنها من وسائل متطورة للتواصل الاجتماعي، وتحولت أسرار الطبيعة الأربعة من الماء والهواء والنار والتراب الى الحكم والمال والسمسرة والتقنية، بفضل فلاسفة الجهل…
وفي زمن قلة الآداب، نحنُّ الى الماضي ونعود عشرات السنين الى الوراء يوم أصدر كمال جنبلاط كتاب <أدب الحياة> وخصص فيه سبع وعشرين صفحة لأدب الإنسان بالنسبة للطبيعة الخارجية، وكأنه كان يستبق بتحذيراته من اللعب بالطبيعة ما يردده اليوم ما تبقّى من جيل الأمس: <ضيعان لبنان>…
وهذه مقاطع من كتاب كمال جنبلاط السابق لعصره، والخائف مما يصنعه الإنسان من المهالك لذاته وللطبيعة، مستعيناً بعبارة للعالم البيولوجي <Jean Rostand>: <إن صوتاً عظيماً ينادينا لإنقاذ الطبيعة التي يقتلها الإنسان بشكل متصل وبطيء>.
<Une grande voix nous appelle au secours de la nature, lentement assassinée par les hommes…>
<إن هذه الإبادة المنظمة للحيوانات والطيور والحشرات – وهذه أيام <النورس> في لبنان – هذه الإبادة المنظمة الخطيرة جداً على استمرار عيش الإنسان وعلى مصير الحياة ذاتها – كل حياة على وجه الأرض – تجري باسم التقدم والعلم التطبيقي السطحي الذي تسلّمته وأخذت تتحكّم فيه وتستثمره على غير هدى التجارة والتعلّم في معناه المحدود وفي مبناه السطحي… ولا يفطن <العلماء> المتعلمون – لا الذين استوعبوا أسرار الطبيعة الحقيقية البسيطة – أن الجنس البشري هو حلقة متصلة بجميع حلقات الحياة الأخرى من حيوان ونبات، وأنه لم يظهر عبثاً في نهاية سلّم ولادة الكائنات الحيّة جميعها على وجه الأرض وكتتويج أخير لها… فطبيعة الحياة على وجه هذا السيّار المتجوّل الذي نقطنه تؤلف وحدة عضوية متكاملة ومتداخلة ومتفاعلة على شاكلة جسد الإنسان، وكل لعب أو تلاعب في هذه الطبيعة، في قصد تحويلها عن بعض ألوان التوازن والتكامل العضوي التي حققتها عبر مئات وآلاف الملايين من السنين، إنما هو مجازفة ذات عواقب مخلّة بنظام الحياة لا يمكن لأحد تحديد خطورتها ومداها>.
أما الوجه الآخر لمعضلة تدخّل الإنسان على غير هدى في أنظمة الطبيعة وإفسادها، <فهو إفراغ النفايات الصناعية والسوائل الكيميائية في الأنهر، في البحيرات، في البحار، بما في ذلك كميّات هائلة من النفط والزفت الناجمين بشكل خاص عن عمليات حفر واستثمار الآبار في مياه الشواطئ وغسل ناقلات النفط لمستودعاتها في وسط البحر، ويقدّرون كميات النفط السنوية التي تلوّث مياه البحر والأسماك والحشائش والكائنات الصغيرة منها الأسماك وحيوانات البحر، في ما عدا تلوّث الشواطئ، بثلاثة ملايين من الأطنان سنوياً (وفق تقديرات سنوات الستين من القرن العشرين)، وسيرتفع هذا الهدر الملوّث الى عشرة ملايين وفق ما يرقبون في السنين القليلة المقبلة علينا…>.
وإذا استمرّ هذا التصاعد في تلويث الاجواء والأنهار والبحيرات والبحار، <فإن الأرض كحاملة للطاقة الحيّة، وكذلك الإنسان لم يعد أمامهما سوى ثلاثين سنة من الوجود… وإن كوكبنا بأسره مهدّد على الأقل الى فترة طويلة بأن يتحول الى كوكب ميّت>…
هذه النظرة التشاؤمية والواقعية في آن، تحتّم على حكّام هذا الكوكب أن يبادروا وعلى الفور الى إيجاد حلول تدريجية <لخيرات الإنسان> قبل فوات الأوان.
أما بيئة لبنان، فلم يكن ينقصها سوى أزمة طيور النورس التي أخرجت الى العلن مسألة سلامة حركة الملاحة في مطار رفيق الحريري الدولي ومحيطه، ويُخشى أن تستجّر فصلاً جديداً من كارثة تراكم النفايات. وتبقى بيروت تحت الصدمة التي أحدثها قرار التصدي للطيور، في الوقت الفاصل عن تطبيق المعالجات الحاسمة، بحملة إبادة منظمة على يد صيادين زُوّدوا بعدّة كاملة <لإعدام> الطيور.
في العام 2002 وقّع لبنان على اتفاقية <الطيور المائية المهاجرة AEWA> بهدف المحافظة عليها باعتبارها تشكل جزءاً مهماً من التنوّع البيولوجي الواجب الحفاظ عليه لمصلحة الاجيال المقبلة، كون هذه الطيور معرّضة للخطر نتيجة تناقصها إذ تهاجر عبر مسافات طويلة وتعتمد على نظم متكاملة من الأراضي الرطبة التي تتناقص في مساحاتها وتتدهور حالتها بسبب النشاطات البشرية.
وتشمل الاتفاقية حماية 254 نوعاً من الطيور المائية من ضمنها: البجع، الغاق، المالك الحزين، اللقالق، القضبان، البط، الاوز، النورس، خطّاف البحر، البطريق الجنوب أفريقي، طيور الفرقاطة، الطيور الاستوائية، النحام، طائر أبو ملعقة، طائر الكركي، الأوك (من فصيلة البطريق)، الطائر أبو منجل، الطائر الغطّاس.
صحيح أن الطبيعة باتت تستنجد بالإنسان، وان العالم انتقل نهائياً من مرحلة الوقوع تحت رحمة الطبيعة الى مرحلة ترويض الطبيعة، إلا أن الصحيح أيضاً أن اعتداء الإنسان على الطبيعة بمعنى تحكّمه فيها وسيطرته عليها واستخدامه لها لن يدوم طويلاً، لأن الطبيعة في نهاية المطاف لا ترحم ولن ترحم وحشاً كبيراً اسمه <الإنسان>، وستستنجد بالعبارة الشهيرة لـ<شمشون>: <عليّ وعلى أعدائي يا رب>.