23 June,2017

العلاقات اللبنانية ــ السورية في فيلم ”محبس “..

بقلم عبير انطون

MAHBAS-2---13--3

<محبس> فيلم يتناول العلاقات اللبنانية ــ السورية مع تراكماتها المختلفة عبر قصة شاب سوري وصبية لبنانية جاء وعائلته يطلب يدها. ما سيدور امام الكاميرا مرآة لما يمكن ان يدور فعلا خلفها، وفي كواليسها، وخلف ابواب الكثير من البيوت. فالموضوع حساس، و<الجيران> كانوا عندنا لسنوات لم تكن اقامتهم فيها مرحبا بها من قبل الجميع ولا هم جعلوها دائما كذلك، اقله من الناحية السياسية والعسكرية. الموضوع الحساس شكل <تركة صعبة> على اكثر من صعيد، وكان لا بد له من معالجة سينمائية ذكية تعرضه بواقعية اجتماعية وخفة ظل من دون خفة ولا استخفاف ولا جرح او اهانة. كيف استطاعت المخرجة والمشاركة في كتابة <محبس> صوفي بطرس الى ذلك سبيلا في موضوع هو الاول من نوعه وفي فيلم هو الاول لها روائيا؟ وما أهمية طرحه في هذا التوقيت بالذات؟

 <الافكار> حاورتها لكشف التفاصيل مع انطلاق الفيلم الجميل في الصالات اللبنانية منذ 16 الجاري..

ونسأل صوفي:

– هو فيلمك الروائي الطويل الاول، وكان مقررا ان يكون قصيرا، اين كانت الصعوبات الابرز في انجازه؟ ( الفكرة..الممثلون.. الوقت.. التمويل…).

 – لم يكن هناك من صعوبة بارزة في العمل على <محبس> وتصويره وانجازه، انما التحدي الأكبر بالنسبة لي شخصيا تمثل في كتابته حيث لم يسبق ان كتبت نصوصا لأفلام قصيرة حتى، وترونني انتقلت من عالم <الكليب> الى الفيلم الروائي الطويل. كان التحدي كتابة نص سينمائي متكامل عملنا عليه صديقتي ناديا عليوات وانا على مدى أكثر من سنتين، فكتبنا منه اربع نسخ وصورنا الخامسة باشراف مستشار النصوص والسيناريو الايطالي <نيكولا لوزواردي> والذي ساعدنا في ان نأخذ النص الى ابعد حد. تحدي التجربة الاولى بات يقلقني اقل بعد فيلم <محبس> وانا فرحة فعلا ان لي يدا بكتابة هذا النص الجميل.

ــ انطلقتم من موضوع شائك عن العلاقات اللبنانية ــ السورية، هل تم اختيار النفس الكوميدي ــ الاجتماعي نوعا ما للفيلم للتخفيف من وطأة الموضوع وحساسيته؟

– في الواقع الموضوع هو الذي اخذنا بهذا الاتجاه، وهو <طلبة اليد> من قبل الشاب السوري للصبية اللبنانية واكتشاف والدتها انهم سوريون. كان لا بد وان تأخذ الامور منحى ساخرا عن الواقع اللبناني ــ السوري وكيف ينظر الشعبان لبعضهما البعض، فجاءت الكوميديا كنتيجة طبيعية، ومن المؤكد اننا فضلناها كأسلوب حتى يمكننا الذهاب من خلالها الى أبعد من حدود <الستيريوتايب> او النماذج العامة الى اخرى خاصة يمكن للمشاهد من خلالها ان يستشف العلاقة بين الشعبين بشكل مخفف بعيداً عن الوعظ.

<تنين.. تنين>

صورة-صوفي-بطرس-وجوليا-قصار----1

ــ الى اي مدى تشكل الكتابة المشتركة غنى في السيناريو؟ وأين تتميز كل منكما ناديا عليوات وانت في نسج الحبكة؟

– أنا لا افكر الا بالكتابة بمشاركة شخص آخر، اقتناعا مني بان تفكيرين افضل من تفكير واحد ونظرتين افضل من نظرة واحدة، والكتابة مع شخص او اكثر افضل من ان يفكر شخص لوحده.. شخصيا <افكر عالعالي> واحب ان اتشارك آرائي واناقشها وهذا ما فعلته مع صديقتي ناديا، ولم يكن ما كتبناه نهائيا في النسخات الاولى والثانية والثالثة. مع الشريك في الكتابة لا تأتي الامور مسطحة بل نتيجة نقاش وحوار واسئلة وتعبير متبادل ما يثير الاسئلة والشكوك والتفكير بحلول أخرى في حال عدم التوافق، كما انه من الجميل حقا ان يشهد اثنان هذه الولادة، هذا الخلق سويا للعمل السينمائي.

ــ ما هي ردود الفعل التي تلقيتموها من المشاهدين من الجانبين السوري واللبناني حتى اليوم؟

– اكبر عرض شاهده الجمهور لـ<محبس> كان في <مهرجان دبي الدولي> العام 2016 مع الفي شخص، وتعرفون ان دبي تضم مقيمين من الجنسيات اللبنانية والسورية وغيرها. قد يكون الاختبار الاول لفيلمنا ساعة تقديمنا الادوار للممثلين من الجانبين، اما الاختبار الثاني فكان امام جمهور هذا المهرجان. ردود الفعل من الجانبين والمؤتمر الصحفي والحضور المتنوع جميعها عناصر أثنت على الفكرة واكدت ان النص متوازن ولم يكن طرفا وما من شخص او فريق مهان بطريقة مباشرة او غير مباشرة، وكأن المشاهدين ينظرون الى داخلهم عبر الفيلم.

 

بين السطور..

 

ــ كيف تلقى كل من الممثلين القديرين بسام كوسا ونادين خوري عن الجانب السوري وجوليا قصار وعلي الخليل عن الجانب اللبناني فكرة الفيلم، الى جانب اولادهما في الفيلم؟ وكيف كانت علاقتهم ببعضهم البعض كنماذج عن الجانبين اثناء التصوير؟

– اول من قرأ النص وكان لا يزال بنسخته الاولى هي الممثلة اللبنانية جوليا قصار التي احبت الفكرة جدا والتقطت جوهر الفيلم الموجود منذ النسخة الاولى. تمثل التحدي الاكبر مع الممثلين السوريين في موضوع يطرح وللمرة الاولى كيفية نظرة المجتمع اللبناني الى المجتمع السوري. كان الممثل بسام كوسا عن الجانب السوري اول من وصله النص ومن بعده الممثلة نادين خوري، فقرأا بين السطور ووجدا الكتابة ذكية واحبا ان يكونا جزءا من المشروع. في مواقع التصوير كان الجو مفعما بالحب والتجانس، وحاولت كمخرجة أن أجعل الاجواء الايجابية تسيطر مع تحضيرنا المسبق لكل التفاصيل بحيث لم يبق سوى الضغط الطبيعي الذي يعيشه اي مخرج وفريق عمله لانجاز اللقطات في الوقت المناسب. العلاقة بين الممثلين اللبنانيين والسوريين ما كان بالامكان ان تكون افضل، ولكل منهم معزة فردية خاصة في قلبي وقد اصبحوا من عائلتي.

صورة-جوليا-صوفي-وزياد-بطرس-في-كواليس-الفيلم-------2ــ اختيار العنوان <محبس> له أكثر من دلالة وفيها السلبي والايجابي، الى اي مدى يمكن للفيلم أن يساهم في الخروج من <المحبس>، الى مراجعة ولو بسيطة للمشاهد؟

– مشكورة صديقتنا المبدعة دينا فاعور التي اقترحت علينا كلمة <محبس> عنوانا للفيلم بعدما تنقل العنوان خلال الكتابة بين أكثر من اسم. هذا العنوان يمكن قراءته على اكثر من صعيد فهو في آن واحد محبس الخطوبة وهو <المحبس> بمعنى الحبس حيث الفرد عالق داخله غير قادر على التخلص من عقد معينة ومن حقد دفين من دون التفكير بالمصالحة او التسامح. لا يمكنني ان أجزم بما ستكون عليه ردة فعل المشاهد واذا ما كان سيطرح التساؤلات او يعيد الحسابات علما ان النص مكتوب بهذا الاتجاه، لكنني اتمنى ان يخرج من يشاهده وهو يفكر فلا يكون قد تسلى وخرج. اتمنى ان اراقب ذلك بنفسي بعد العرض واعرف ما ستكون عليه ردة فعل المشاهد وكيف رأى نفسه عبر الشاشة.

ــ هل ستسهم مسألة النازحين السوريين اليوم برأيك في تفاقم الوضع في العلاقات بين البلدين، فتضطرين الى سلسلة من الافلام حول العلاقات اللبنانية ــ السورية؟

– لا فكر <استراتيجيا> في ما علي طرحه في فيلمي المقبل. سوف اتناول القصة التي أشعر بها واحب ان اعيش معها لثلاث او اربع سنوات مقبلة. صحيح ان موضوع العلاقات اللبنانية ــ السورية في جوانبه المختلفة يمكن ان يشكل مواضيع لافلام سينمائية عديدة كما هو الامر بين اللبنانيين انفسهم أيضا، الا ان فيلمي المقبل ربما تكون قصته بعيدة كليا عن موضوع <محبس>.. المهم ان اتعلق بالقصة وأعيش معها للنهاية.

ــ لا ينحصر الفيلم بالحقد الدفين بين بعض اللبنانيين وبعض السوريين فقط بل يتعداه الى كل <عنصرية واختلاف> بين بيئتين مختلفتين. الى اي مدى يتوجه الفيلم ايضا الى الجمهور الغربي الذي يستقبل نازحين اليوم وهل سيعرض في احدى الدول المضيفة لهم؟

– الفيلم يحكي عن بيئتين مختلفتين الا ان <التيمة> الاساسية يمكن ان تنطبق في اي مكان وزمان، الدول الاوروبية بين بعضها مثلا او في قلبها ما بين المدن والريف في الدولة الواحدة وكيف ينظر الناس نظرة اختلاف وشبه عنصرية تجاه بعضهم البعض. فموضوعنا انساني عام تناولناه من زاوية خاصة واعطيناه طابعا محليا يشبهنا ويشبه ثقافتنا وتعاطينا مع بعضنا. تمنياتنا ان يصل الفيلم لاكبر عدد من الجمهور المتنوع، وهذا ما قد نصل اليه من خلال المهرجانات العديدة التي سيعرض الفيلم فيها من فلورانس وسويسرا الى امستردام وكوريا وواشنطن ما سيتيح مشاهدته من جمهور متنوع الجنسيات مع رصدنا لكيفية تفاعلهم معه.

 

مشروع جديد..

MAHBAS-5--------3ــ تولى اخوك زياد بطرس الموسيقى في الفيلم، ما كان رأيه بالقصة، اين تدخّل وهل عدل فيها؟

– زياد كان يزور موقع التصوير منذ البداية فرافقني بمعظم مراحل الفيلم حتى يدخل في الجو ويعيش في عالم القصة، وهو لم يغير في النص بل عملنا على ان تكون الموسيقى جزءا من الحكاية تخبر قصة مع الحوار والشخصيات. أحببت التجربة التي عشتها مع زياد، كانت حلوة وانا فخورة انه الّف الموسيقى التي شكلت اضافة كبيرة لفيلمي، واحب اعادة التجربة معه لاننا نتفق كاخوة، وموسيقيا ايضا.

ــ ما كان الرأي الصريح لأختك الفنانة جوليا بطرس ومعالي الوزير السابق الياس بو صعب؟

– شاهدت جوليا الفيلم لاول مرة من ضمن عرضه الاول في <مهرجان دبي الدولي>، لم اشأ ان تشاهده قبل ذلك عبر شاشة كومبيوتر صغيرة واردت ان تختبره مع الجمهور وان اعرف ردة فعلها، وجاءت هذه كما كنت اتمناها واحلم بها، فكانت جوليا الاخت الكبيرة الفخورة بانجاز اختها الصغيرة وهي تدعو الجميع الى مشاهدته لانها عاشت معي التجربة منذ مراحلها الاولى التي طالت، ما زاد من الفضولية والخوف والقلق التي زالت بعد مشاهدتها للفيلم. اما الوزير السابق الياس بو صعب فلم يشاهده بعد وسيكون حاضراً في افتتاح الفيلم في بيروت ومن المؤكد انه سمع عنه الكثير من جوليا.

ــ هل ترين جوليا في فيلم سينمائي من اخراجك بعيدا عن <الكليبات>؟

– لم اخطط مرة بحياتي او بمهنتي وفقا لوجود جوليا فيها، فأنا انظر اليها بعين الاخت التي أخاف على مصلحتها، أتمنى لها الافضل دائما، واسعى ان أكون بجانبها واقدم لها كل الدعم والمساندة، اكثر من جعلها <اداة> او ان <استغلها> بأي طريقة… لا اقول ان التفكير بالسينما لها غير وارد، لكن من المؤكد انه لا يدخل ضمن ما اخطط له على الاقل.

MAHBAS-3------4ــ لماذا ارتأيتم تقديم الفيلم عبر المهرجانات اولا ومن ثم عبر دور العرض، وماذا تتوقعون له؟

– وجود الفيلم في المهرجانات يوسع له جمهوره خاصة في بلاد لا يصل اليها تجاريا فيدخل اليها عبر المهرجانات، وهذا مهم بالنسبة لنا حتى يصل الى اكبر عدد من الناس، كما انه من دواعي فخرنا ان نكون على برامج المهرجانات المختلفة ونصل بانتاجنا اليها.

ــ ماذا عن الرقابة اللبنانية وهل طلبت حذفا من عباراته او مشاهده؟

– الرقابة لم تحذف اي مشهد ولم يكن هناك اي عائق، الحمد لله.

ــ هل شجعتك هذه الخطوة على اخرى قريبة سينمائيا؟

– طبعا أفكر من بعد <محبس> بفيلم جديد والأمر يخيفني ويقلقني خاصة لناحية الفكرة التي سيطرحها الموضوع المقبل. احمل مسؤولية اذا ما كنت اقوم بالخيار الصحيح، فالفيلم السينمائي لا ينجز بليلة وضحاها خاصة انه سيكون لي علاقة بالكتابة في الفيلم الذي سأخرجه اذ لا أعتقد بأنني سأخرج فيلما لا اكتبه او اقله لا اشارك في كتابته. هناك مشروع بدأت بالتفكير به من المبكر جدا الحديث حوله.

ــ ما هي نظرتك للسينما اللبنانية اليوم خاصة وان الافلام اللبنانية عادت في بعضها، الى بناء جسر من الثقة من جديد بينها وبين الجمهور.. هل تجدينها على الطريق الصحيح؟

– لا احب ان اعطي رأيي بالسينما اللبنانية لانني لست في وارد ان اقيم احدا. الا ان فكرة الانتاج لاكثر من فيلم حتى لو بمستويات متفاوتة في الانتاج والنوعية ستترك اثرا جيدا وسوف تخلق حركة ايجابية معينة، اذ انها تراكم التجارب لدى فرق العمل في الحقل السينمائي وتزيدهم خبرة، ومن الجيد ان الجمهور بدأ يهتم لحضور فيلم لبناني بعيدا عن فكرة <مش واردة> التي كانت عنوانا في مرحلة سابقة. لقد اصبح هناك اليوم نوع من جسر ثقة يبنى بين الفيلـــم والجمهور وهذا مهم، فأنا لا اريد كما غيري من السينمائيين ان انفذ افلاما واضعها على الرف، بل ان تشاهدها الناس وتستمتع بها وتفكر من بعد مشاهدتها.