16 November,2018

صــبـــرنـــــــــــــــا وأخـــلاقـــهـــــــــــم

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

أمران يحددان من أنت: <صبرك عندما لا تملك شيئاً وأخلاقك عندما تملك كل شيء>…

الشعب اللبناني في معظمه لا يملك شيئاً وبرهن على مدى الزمن أنه عظيم في صبره، وواسع في الانتظار، وكبير في تسامحه لفاقدي الأخلاق، مالكي كل شيء، وهو يعرفهم حيناً ويتجاهلهم أحياناً.

وفي ظل ضعف الديموقراطية، تستمر الحركة السياسية في لبنان – ولا نقول الحياة السياسية لأنها غير موجودة – فاقدة المناعة والضوابط، حتى بتنا نحسد الغاب على شريعته.

نعم، نحسد الغاب على شريعته حيث لا افتراس إلا في حال الجوع، ثم ان اي مخلوق من مخلوقات الغاب لا يفترس أحداً من أبناء جلدته.

والافتراس هو سنّة الحياة السياسية حيث الغلبة للمصالح الآنية والمال السياسي، وليس في الدنيا لعبة إلا ولها قواعد، اللهم إلا اللعبة السياسية في لبنان فهي لعبة من دون قواعد.

كم مرة نسمع أو نقرأ في اليوم الواحد عبارة: <لبنان مزرعة>، ولمطلقيها نقول: لا تجوز إهانة المزرعة الى هذه الدرجة، فهي أي المزرعة، منظمة ولها قواعد تعرفها لا بل تتقنها الحيوانات الداجنة وحتى المفترسة…

هل فقدنا الأمل بإنقاذ لبنان من تحت الأنقاض والركام؟ وبعودة الصفاء والوئام؟

يقولون إن هناك أملاً واحداً بالإنقاذ يتمثل بقانون انتخابات جديد وعادل، ويكون بداية لكل إصلاح وتغيير في بلد يتوق لأن يتحول الى دولة ووطن.

ولكن، من أين سيأتي هذا القانون؟ ومن هم صانعوه؟ وهل يمكن أن يأتي النواب أنفسهم بقانون لا يأتي بهم من جديد؟

هل يمكن أن تعمم التجربة البلدية وتأتي <بيروت مدينتي> على سبيل المثال لتعم كل لبنان؟ فيأتي من هذه التجربة الخلاص؟ ويعاد تكوين السلطة؟!

هل يمكن أن تأتي القلوب المنفتحة والأذهان والتجرد وطهارة النفوس والتفاهم والتفاني والالفة والمحبة من مكان آخر؟

هل ستزول هذه الكلمات من قاموس المستحيلات، وتعيد الإيمان بالوطن وإليه؟ هذا الإيمان الذي هو سر بقائه هل تراه يعود الى النفوس فتعمر به وينشطها لإنقاذ لبنان والمحافظة عليه والتجند في خدمته؟

ولا ندري، إذا كان النهوض بوطن وشعب ممكناً بهذه <الهمة> لدى حكامنا، وبهذا الشك الذي رسخته أنانيتهم وأعمالهم و<عملياتهم> وأحقادهم المتبادلة…

فمن أفظع ما خلفته حروب لبنان، هو القلق والتساؤل حول المستقبل والمصير، وتسابق الحكام على اتهام بعضهم البعض بالسرقة ونهب المال العام. وان صيغة العيش المشترك بين الاديان والحضارات كانت ستخسر بريقها لولا هؤلاء الناس الطيبون الذين يختصرون نقاء ما يُعرف بالمجتمع المدني أو <الاكثرية الصامتة>…

أجل، إن غدنا مجهول، ولا يعرف أحد عند أية حال سيستقر المصير، ومتى وكيف!

ولهذا السبب تبدو وجوه الناس كئيبة، غاضبة، منهكة، ولعلّ الكآبة هنا ليست من المشاهد المؤذية للعين والقلب والوجدان، بقدر ما هي من غموض المستقبل والمصير. ولو أتيح للناس أن تعرف على ماذا هي مقبلة، لكانت الكآبة أقل، والغضب أقل، والتعب مقبولاً، وكذلك الشعور بالألم والخوف والعذاب.

ونتساءل هنا عما إذا لم يكن الوصول بالناس الى هذا النوع من السأم هو الغرض من خلف هذه السياسة وهذا الأداء وهذه الوقاحة!

والمشكلة اليوم أن الكلمة هي أيضاً في محنة، وماذا ينفع الكلام عندما تكون البطون جائعة مثلاً، أو القلوب مخنوقة؟ وماذا تنفع المواعظ عندما يفكر شعب بمجرد السعي الى الفساد، بعدما أضحى الفساد ثقافة بحد ذاتها؟

حشروا الناس بين الموت والحياة، وتصوروا انها هرباً من الموت، تقبل بأية حياة!

فهل ينتظر من ابن هذا الشعب المطبوع على نوع من الحرية يحمله في ذاته وعروقه، أن يرضى بأي عيش أو بأية حياة؟

وفي المقلب الآخر للصورة المظلمة وجه مشرق يتجلّى بفضلها، وسيكون هذا الاكتشاف للذات أكبر انتصار، ولن يكون بعده خشية على المستقبل والمصير.

وسيكون لبنان الجديد، ولبنان المستقبل كما نريده نحن أن يكون، كما يريده شبابه الواعي، ولن يعود المستحيل مستحيلاً…