18 November,2018

صـرخـــــــة مـيـشـــــــال عــــــون عــلـــــى سـاحـــــــــل  الـبـحـــــــر الـمـيـــــــت: هـــــذا هــــــو لـبـــــــــنـان!

Mujtamaa-100001----a00002
رجال القرار لا يتكررون دائماً، ولا يرمون من سبقهم في لجة النسيان. والرئيس الأميركي الجديد <دونالد ترامب> له من المؤهلات والمواقف ما يسمح له بأن يقطف المكتب البيضاوي في البيت الأبيض عام 2021، أو لا يكمل ولايته الدستورية قبل ذلك مثلما حصل للرئيس الأميركي السابع والثلاثين <ريتشارد نيكسون> بعد انتشار فضيحة <ووترغيت>.

و<دونالد ترامب> ليس وحده المقياس. فهناك على سبيل المثال الزعيم الماليزي <مهاتير محمد>. ولمن لم يلتقوا به حتى الآن نعيد الى ذاكرتهم انه كان في أواخر القرن الماضي رئيساً لوزراء ماليزيا التي أمسك فيها بناصية السلطة على مدى اثنين وعشرين عاماً. وقد جعل من هذا البلد المتخلف في ذلك الوقت في مدى عقدين من الزمن البلد الأكثر تطوراً في دنيا الصناعة بين زعماء البلدان الاسلامية. وللمرة الأولى بعد <المهاتما غاندي> يتطلع المراقبون الى الشرق الأقصى، بعدما كانت الولايات المتحدة هي المثل والمثال. وعندما يزور العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز ماليزيا في بداية رحلته الآسيوية فإنما يدل بذلك على بلد تساوى في الأهمية مع الغرب ولم يعد أهالي ماليزيا يخجلون أمام تمدد هذا العملاق الأميركي. وماليزيا الآن لا تحس بعقدة نقص حيال الولايات المتحدة. كذلك فماليزيا تواجه الآن بركان الاسلاميين، وهم جميعاً دولة ضمن دولة، وهذا ما يجعل الموقف دقيقاً، والمهمة صعبة والنجم السياسي الصاعد مضطراً الى أخذ الموجة الاسلامية بعين الاعتبار، ويحاول الفصل بين أدعياء الاسلام، الدين الحنيف، وبين العمل العربي السليم وجماعات المساجد والمعاقل الاسلامية.

هكذا هي الأجواء الآن: رئيس أميركي قوي الجوانب هو <دونالد ترامب> وعلمته حياته المكافحة ان الاقتصاد يتقدم على السياسة وان حركة العالم الآن هي الاقتصاد. فبالاقتصاد فتحت الصين طريق الحضور العالمي. والاقتصاد منح الاتحاد السوفييتي فرص الانتشار في المحيط العالمي وأصبح اسم <نيكيتا خروتشيف> وهو يرفع حذاءه داخل مبنى هيئة الأمم عام 1961، طرف المعادلة مع الولايات المتحدة.

وتبشير الملك سلمان بانفتاح المملكة السعودية على جنوب آسيا، وتسويق مشروع الانفتاح الاقتصادي السعودي عبر رؤية المملكة 2030، يجعلا المملكة السعودية هرم الشرق الأوسط، وأساسه في بناء الاقتصاد العالمي. ومن أراد من البلدان التأثير في الحركة الاقتصادية العالمية عليه أن يعاين الحالة الاقتصادية في المملكة العربية السعودية الآن ويبني عليها رحلة الحكم حتى نهاية عام 2021.

وأنا شخصياً لا أعرف نائب رئيس الوزراء وزير الصحة غسان حاصباني، لكنني حتى الآن أتابع قراراته باهتمام كبير، وأنضم الى المعجبين بسلوكه الوزاري. وكان الرجل ظهر الجمعة الماضي واضحاً كورقة التوت وهو يشرح قدرة وزارة الصحة على تغطية مواقع التقصير في عمل المستشفيات. كما كان نقيب أصحاب المستشفيات سليمان هارون واضحاً في شرح أسباب تقصير المستشفيات عن الوفاء بالتزاماتها حيال المرضى ومن ذلك أن وزارة الصحة موصولة بعدة مؤسسات ولا تملك القدرة وحدها على تلبية حاجات المرضى.

وقال سليمان هارون إن المطلوب من وزارة الصحة مرتبط أيضاً بالواجبات المالية لصندوق الضمان الاجتماعي والأمن الداخلي ووزارة الدفاع وتعاونية الموظفين، وأداء الوزارة موصول بتقديمات هذه المؤسسات ولا يمكن فصله عنها.

ماذا يريد الناس؟

ريح طيبة جاءت مع الرئيس ميشال عون الى قصر بعبدا، ولكن هذه الروح مهددة بالتلاشي إذا لم يحزم المسؤولون أمرهم ويكونوا في مستوى أشواق الناس.

فماذا يريد الناس؟!

المواطن المريض لا يسأل عن التشابك في الصلاحيات بين المؤسسات، بل يهمه أن يكون له سرير في مستشفى رفيق الحريري التخصصي، أو مستشفى الجامعة الأميركية، أو مستشفى <أوتيل ديو>، وهو أمر لا يتحقق في هذه الأيام، بعدما كان لبنان عيادة الشرق الأوسط، والنسخة العربية من مستشفى <جون هوبكنز> في الولايات المتحدة، وما دام هذا السرير غير متوافر بغض النظر عن الأعذار، فلبنان نفسه صار مريض الشرق الأوسط ولا بد من تصحيح الصورة. وهذه هي مهمة الوزير غسان حاصباني.

ويريد الناس ان يكون التعليم في لبنان متوفراً للجميع، خصوصاً وهناك مليون ونصف مليون نازح سوري يشاركون اللبنانيين في رزقهم التعليمي، وكما تسعى الصناديق التابعة للأمم المتحدة لأن تتكفل بحقوق النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين، كذلك ينبغي على الحكومة اللبنانية أن تجد المتسع التعليمي المطلوب لهؤلاء القوم، حتى يظل لبنان بلد العلم والمعرفة، لا بلد الجهل والأمية، بل يمتثل به كل دنيا العرب، بدءاً من إمارة دبي في دولة الإمارات، حيث يرئس الوزير السابق الياس بوصعب إحدى الجامعات التعليمية.

ويريد الناس في لبنان ألا يكونوا سكان بلد الجياع. فمشهد المرأة التي تقف عند إشارات المرور طلباً للتسول من أصحاب السيارات مشهد ينبغي أن ينقرض. وهنا تجب التحية الى الطائفة الأرمنية التي لا تسمح لمتسول أرمني أن يكون في الشارع، ولا ترضى بأن يكون لبنان بلد الشحاذين، بل يجب أن يكون فيه لكل مجتهد نصيب.

والناس في لبنان تريد ألا تواجه جفافاً في فرص العمل بدفعهم الى طلب تأشيرات الهجرة والعمل في بلدان الخليج، أو في استراليا رغم بعدها الجغرافي.

كل هذه الآلام الاجتماعية ينبغي أن تصل الى حد، ويعود لبنان بلد الرقي والباب المفتوح للأخوة العرب، وهذا ما ينتظره اللبنانيون من وصول العماد ميشال عون الى قصر بعبدا، ووصول الشيخ سعد الحريري الى السراي الحكومي..

تغيير ليس على حساب الفقير

حاصباني 

وما دامت هذه الآفات الاجتماعية ماثلة للأعين والتقصير المالي دواراً، فإن حكومة العهد الجديد تقف أمام بابين: إما باب الفشل الذي حذر منه الرئيس الحريري في مجلس وزراء الخميس الماضي، وإما باب النجاح، وهو المطلوب من عهد الرئيس ميشال عون واعلان الرجل بأنه جاء لاستئصال شأفة الفساد ونشر حالة اقتصاد مستقر في هذه المنطقة.

وفي باب نماذج السياسيين الذين نبعوا من عمق الأحياء الشعبية لا بد من الإشارة الى الدكتور مصطفى علوش (58 سنة) الذي جاء الى العمل السياسي من ممر صاعد في محلة باب التبانة، وتهيأت له ظروف التخصص داخل فرع الجامعة اللبنانية في طرابلس، والجامعة الأميركية في بيروت، واضطر والده الى بيع سيارته لكي ينفق على تعليم ولده. ولما تعذر على مصطفى علوش الجمع بين مسؤولية عيادته الطبية، وواجبه السياسي كنائب عن طرابلس، لم يملك إلا الامتناع عن ترشيح نفسه في الدورة النيابية عام 2005، وظل مقيماً على تقديم الخدمات الطبية.

وهكذا يبقى الدكتور مصطفى علوش نموذجاً للنائب المطلوب من الناس، بحيث يتعامل مع واجباته الطبية، تماماً كما يتعامل مع واجباته كنائب، وحين يسأل الرئيس سعد الحريري عن الأسماء المرشحة للنيابة عن طرابلس، يبتسم ويقول: قولوا لذاكرتكم ألا تنسى مصطفى علوش.

وهذا نائب بيروت المهندس محمد قباني يعلن منذ الآن عزوفه عن الترشح للنيابة عن بيروت، بعدما أدرك انه أدى قسطه للعلى، وان عليه أن يفتح الطريق لمرشحين آخرين مكانه. والحالتان: حالة مصطفى علوش، ومحمد قباني يجب أن تؤخذا بعين الاعتبار في النظرة الى من يطمع بالمقعد النيابي والى من يساوره هذا الطموح.

وهذا الزهد في المقعد النيابي يقابله تمسك تيمور وليد جنبلاط بالترشح عن المختارة مكان والده الزعيم وليد جنبلاط، على أساس ان البيت العائلي الذي كان ولا يزال جزءاً من كيان لبنان ومسيرته السياسية، محكوم بالاستمرار في تقديم الخدمات وعدم الدخول في الضباب.

 

هذا هو لبنان!

ونحن الآن أمام الواقع اللبناني الجديد على ايقاع الاعتصام من أجل سلسلة الرتب والرواتب، أي ان تشريع قانون الانتخاب الجديد متلازم مع تظاهرات الأساتذة المطالبين بإقرار سلسلة الرتب والرواتب. أي ان الغني يتولى التشريع، والفقير والمحدود الدخل يتقبل التشريع دون قدرة على الاحتجاج.

وكلما اشتدت الأزمات لمعت الحاجة الى ان تكون القوانين الجديدة جزءاً متمماً للثقافة، والثقافة جزءاً من القوانين.

ولا يجوز الفصل الآن بين مؤتمر جنيف 4 الذي سيعود الى الانعقاد يوم الأثنين 20 آذار (مارس) ولبنان. فليس في متناول لبنان أن ينفرد بقوانين لا تراعي واقع التواصل مع سوريا. الرب جعل البلدين والواقع الجغرافي منطقة واحدة، وكما لبنان موجود في خضم أحداث سوريا، عبر مقاتلي حزب الله، كذلك فأي تغيير في سوريا، سيتلازم وروح التغيير في لبنان.

وشهر آذار (مارس) الجاري هو أيضاً يوم التعاطي مع التغيير في لبنان. أولاً، مع زيارة الرئيس ميشال عون للفاتيكان ومعه الرئيسان نبيه بري وسعد الحريري يوم السادس عشر من آذار (مارس)، وثانياً، مع مؤتمر القمة العربية في العاصمة الأردنية عمان يوم التاسع والعشرين من آذار (مارس).

والغرض من هذا الحضور اللبناني الكبير صرخة من الرئيس عون تقول: هذا هو لبنان!