24 September,2018

شهـــــداء يرفعون اسم  لبنان في السمـاء..  

بقلم علي الحسيني

9

ألف وألف شكر لنضالكم وتضحياتكم. ألف شكر لتحملكم الموت أثناء اسركم، في اليوم مرات ومرات. ألف شكر لأجسادكم التي تحملت لهيب شمس الجبال وصقيعها. شكراً لوفائكم في وطن قلّ فيه الوفاء وشكراُ لرايات نصر رفعتموها فوق جباهنا ولنجوم أضأتموها على اكتافنا وشكراً لصلوات رددتموها قبل لحظات من وجودكم أحياء. لكن مقابل كل هذا الشكر، لا بد أن نتقدم منكم، بالاعتذار عن تقصير دولة كان الساسة فيها متلهين بالسعي وراء المناصب وجمع الثروات والسفر وحضور الحفلات والاعراس. عذراً من أجسادكم التي تفتتت بفعل حرارة شمس الجرود، بينما خرج قاتلكم بحافلات اشترط ان تكون <مُكيّفة>. عذراً أيها العسكريون لأنكم تنتمون إلى وطن لا يليق بأمثالكم.

 

إلى حسين يوسف

وسط هذا الكم من الألم وعلى وقع الأحزان التي تكتنف الأهالي وتلف أيامهم بغيوم سوداء لا بصيص للنور فيها، ثمة رجل كان يُعانق الجبال ويحتضنها ويحلم بتحطيمها ذات يوم، ليُخرج منه قطعة من روحه دُفنت هناك لأكثر من سنتين دون أن يصرخ من ألم الفراق. حسين يوسف والد العسكري الشهيد محمد يوسف، حمل قهر السنوات وعذاباتها في قلب يتسع لكل هذا العالم، قلب ما استكان لحظة ولا تخلّى عن ايمانه برهة أو 2 طرفة عين، فظل يُبشر بغد أفضل وبأيام فرج وبأعياد تتعانق فيها أجراس الكنائس مع أصوات المآذن. لكن اين هو العيد يا حسين؟ أين هي الوعود التي أغدقوها عليك؟ وأين أصبحت كل تلك الاحلام؟ لم يرحموا ضعفك الذي حوّلته إلى قوّة لو فعّلوها، لكانوا استردوا العسكريين أحياء منذ اللحظة الأولى لاختطافهم. لكن ماذا تقول في دولة نائمة وغافلة عن حساب الآخرة؟ ماذا تقول عن تقاعص متعمد وغير متعمد كان يتغاضى عن الصرخات في وقت كان يُدخل قضية ولدك وزملائه ضمن عملية الربح والخسارة وعقد الصفقات.

لا ترحمهم يا حسين، اخبر حفيدك ابن الشهيد الذي لم ير والده ولن يراه بعد اليوم إلا في الصور وفي ضمير كل انسان حي، عن رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فرحلوا ابطالاً أوفياء لمبادئهم ولشرفهم وتضحياتهم ووفائهم. أخبره يا حسين عن مرارة الأيام ومشقاتها، أخبره عن وعود الليل التي كانت تتحول الى كذبة في الصباح، اخبره عن حكومات تعاقبت على اختفاء والده وعن بيت تبدلت أحواله، فصار يشعر أهله بالحر في عزّ كانون وبالبرد في شهر آب. أخبره عن أمراء الجرود وكيف تلاعبوا بكم وعن الجبال التي تسلقتموها من اجل أن تلمحوا فلذات أكبادكم، وكم من مرة عدتم خاليي الوفاض. اخبره عن <أبو مالك التلي> و<أبو السوس> و<أبو طاقية> و<أبو عجينة>. أخبره عن الجيش وعن حزب الله و<جبهة النصرة> وتنظيم <داعش> و<سرايا اهل الشام>. اخبره عن الحافلات وعن عرسال ووجعها وعن أيام الخوف التي سكنتها وعنالبساتين والنازحين وعن أطفال حالمين بأيام تنفض عنهم غبار الجبال ولحظات الخوف وقهر السنين.

لا يا حسين، لا تخبره بشيء، اتركه يختار الطريق التي يراها مناسبة له ولاحلامه القادمة، فقد يُهاجر أو يبقى أو يُقرر أن ينسى، فلا تُحمله ما لا طاقة له به، فمن يدري، قد يأتيك يوماً ما، ليسألك عن سلاح والده وبزته العسكرية.

 

نهايـــة حزينــــــة

كانوا على امل اللقاء بهم، ووسط وعود أُغدقت عليهم تُبشرهم بيوم قريب. كانوا ينتظرون على جمر أحر من شمس الجرود أي خبر يأتيهم من خلف تلك الجبال ليُلج قلوبهم ويمدهم بجرعات إضافية من الصمود بعدما شارفت قواهم على الانهيار بفعل الأيام التي تحملوا مشقاتها، 3وكانوا يأملون بعيد قادم يعوضهم عن السنوات التي مضت من دونهم، لكن أبى هذا الملف الا ان يُطوى على قهر ووجع ولعنة شهدت عليها الأرض والسماء. العسكريون اللبنانيون المخطوفون لدى <داعش>، شهداء في ذمة الوطن، لكن مع تأجيل عمليات التشييع ريثما تظهر نتائج فحوصات الـ<دي أن اي>. ملف أُقفل بخاتمة حزينة سوداوية على اللبنانيين أجمعين، ولا سيما الأهالي الذين عاشوا فيها أقسى أنواع العذابات طوال سنوات الأسر الثلاث والتي شهدت عليها ساحة رياض الصلح ليلاً ونهاراً، بعدما اصبح ترابها مجبولاً بدموع المرارة التي ذرفوها على أبنائهم بعد كل خيبة أمل وتلاعب بالأعصاب من قبل عناصر التنظيم الإرهابي لمرات عديدة وتهديدهم بتصفية أبنائهم في حال لم تنفذ الدولة مطالبهم.

فجر يوم الاحد الماضي، خيّم الحزن والأسى على ساحة رياض الصلح، مع إعلان المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم من هناك أن <الأمن العام والجيش اللبناني يعملان على انتشال رفات نعتقد شبه جازمين انها للعسكريين، وقد انتشلت رفات 6 اشخاص يعتقد أنهم الجنود لأنهم يلبسون رينجراً عسكرياً، لكن لا يمكن ان نثبت حتى تظهر نتيجة الفحوص العلمية، والعمل مستمر، ونتوقع ان يتصاعد العدد الى ثمانية كما افادت عصابات <داعش> المجرمة>، مضيفاً <كنت أتمنى أن ينتهي هذا الملف كما انتهت الملفات التي سبقته، لكن هناك مشيئة الله وقدره وتحرير الأرض والوقوف على الجبهات وكرامة الأرض والوطن، تستدعي في بعض الأوقات أن نقدّم دماءنا وأرواحنا فداءً للوطن>. وقد ألحق هذا الكلام، ببيان قيادة الجيش ـ مديرية التوجيه جاء فيه: <في إطار متابعة العسكريين المخطوفين لدى تنظيم <داعش> الإرهابي تم العثور في 1asمحلة وادي الدّب/ جرود عرسال على ثماني رفات لأشخاص وقد تم نقلها الى المستشفى العسكري المركزي لإجراء فحوصا ت الـ<دي ان اي>.

وكان الأهالي عاشوا منذ ليل الاحد لحظات انتظار عصيبة، مع بدء توافد أخبار عن أن تحديد مصير أبنائهم أصبح قاب قوسين أو أدنى. ومع ساعات الصباح الأولى، ومع إعلان اللواء ابراهيم أننا سننتهي اليوم من ملف العسكريين المخطوفين لدى تنظيم <داعش>، ضجت خيمة الاعتصام في رياض الصلح بالأهالي الذين توافدوا من مختلف المناطق وبأهالي العسكريين المحررين من جبهة <النصرة> الذين أتوا للتضامن والوقوف إلى جانب «رفاق الدرب والاعتصام>. وحده حسين يوسف، والد العسكري محمد يوسف، لم يترك الساحة منذ بداية ملف خطف أبنائهم، كان موجوداً على الدوام هناك، وحاول مع وصول الأهالي إلى الساحة تهدئتهم والقول لهم أن لا شيء رسمياً حتى صدور أي بيان من قبل اللواء ابراهيم أو قيادة الجيش المعنيَّين الأساسيين في هذا الملف.

ومع بدء توارد الأخبار على هواتف الأهالي، كان الخوف والقلق يزدادان شيئاً فشيئاً وكان الأهالي يؤكدون أن الأمل لا يزال موجوداً، متمنّين أن لا تكون الجثث التي تتحدث عنها الأخبار المتداولة على تطبيقات الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي تعني أبناءنا. غير أنه مع بدء انتشار خبر أن اللواء ابراهيم سيزور الأهالي في خيمة الاعتصام مع نضوج الأمور المتعلقة بمصير العسكريين، حتى اشتعلت الخيمة بالبكاء على فلذات الأكباد الذين اشتاقت لهم القلوب والعيون وحنايا البيوت وكل زاوية فيها طوال السنوات الثلاث السابقة. ومع وصول اللواء ابراهيم إلى ساحة رياض الصلح، تجمهر الأهالي حوله، وحاول تهدئة روعهم وإعلامهم بنتائج ما أفضت اليه الأمور. وأوضح أن فريق الأمن العام انتقل إلى منطقة وادي الدب مع تحرير الجرود لأنه كان لدينا معطيات وخرائط تشير الى أن الجثث موجودة هناك، واليوم تبين لنا أن الجثث كانت على بعد أمتار من المكان الذي بحثنا فيه في البداية.

 

7لحظات فحوصات الـ <دي أن أي>

 

ما أصعب هذه اللحظات وأقصاها، يا لك من أيام قاهرة يعجز فيك الانسان عن استيعاب لحظات كهذه. وصول الجثامين إلى المستشفى العسكري في عملية واكبها الأهالي منذ ساعات الصباح الأولى لكي يكونوا إلى جانب أجساد ابنائهم. والاصعب من الانتظار، هو ان يأتي دور كل فرد من عائلة شهيد، لكي يخضع لفحصوات الحمض النووي وكم في تلك اللحظات تمنوا بأن لا تتطابق الفحوصات مع أجساد الشهداء. حتى ان بعضهم كان يتحدث عن بصيص أمل خصوصاً بعد شيوع اخبار تتعلق بالعثور على جثة طفل بين جثث الشهداء، وذلك قبل أن يتم نفي هذه الشائعة.

نظام مغيط شقيق المعاون أول الشهيد إبراهيم مغيط قال: هذه المرة ثمة شعور بأن الاخبار صحيحة وأصبحنا شبه متأكدين من استشهادهم. للأسف لم يعد ينفع الكلام ولم يعد لدينا كلام في الأصل بعد صفقة العار هذه وتهريب القاتلين إلى الداخل السوري بباصات مكيفة.

وأعرب عن أسفه على دولة ترى أبناءها عائدين جثامين ومن قتلوهم يخرجون في باصات مكيفة، فيا عيب الشوم وأكثر من هذا العار لا يوجد، مضيفاً: رحم الله الشهداء وإن شاء الله تبقى أرواحهم في السماء، ولنا كل الفخر ونرفع رأسنا بأن لدينا شهيداً وشهداء إهمال وتقاعس من قبل دولتهم، ولا مبالاة وتقصير الدولة قبل أن يكونوا شهداء الوطن. ولفت إلى أن هؤلاء الشهداء كانوا يحمون أعراض جميع اللبنانيين من دون استثناء، وهؤلاء الذين حموا شرفنا وحافظوا على البلد وحموه من الإرهاب، أهكذا يكافأون؟ آسفاً لهكذا دولة والمسؤولين فيها الذين لم يسألوا أنفسهم هل هؤلاء العسكريون يستحقون الشهادة بدلاً من العيش مع أهلهم وذويهم وأطفالهم بحب وسلام ووئام؟

وقال: إن هذا الملف أقفل وسيصبح مثله مثل أي ملف آخر في لبنان، طي النسيان والكتمان وموضوع في الأدراج والرفوف بدل محاسبة من تقاعس ومن قصّر ومن ساهم في وصول الملف إلى هنا، لافتاً إلى أن أطفال الشهداء وأهلهم وزوجاتهم وأشقاءهم سوف يتذكرون وسوف نعلمهم ونقول لهم كيف باعوا أباءهم بأبخس الأثمان وفي صفقات عار يندى لها الجبين، ولكن لا نقول سوى يا عيب الشوم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم على هكذا دولة باعت أبناءها بصفقات عار>.

يوسف لـ<الأفكار>: تقصير من الطبقة السياسية كلها

8 

حسين يوسف والد العسكري محمد يوسف أكد أن أبناءنا استشهدوا عندما قتلهم الغادر والظالم والسفاح والمجرم ومصاص الدماء، واليوم قُتلوا بالمفاوضات التي تمت بعد أن أعادوا لنا ابناءنا شهداء، ولكننا ما زلنا ننتظر نتائج فحوص الحمض النووي التي نأمل أن تكون معاكسة للحقيقة وأن يكون العسكريون لا يزالون أحياء يرزقون، فهذا الأمل لن نفقده أبداً ولن نتخلى عنه أبداً وننتظر نتائج فحوص الـ <دي أن اي>. ولفت أنه كان هناك تقصير كبير بحق هؤلاء العسكريين وتقصير من جميع الطبقة السياسية في البلد، فهؤلاء العسكريون كان يجب أن يكرّموا وأن لا يتم التعاطي معهم بهذه الطريقة، فقد كانت هناك تجارة ومساومات ولعب بدماء العسكريين. وتوجه إلى الشعب اللبناني بالقول: نحن في أرض مزروعة بالفتنة والحقد ولا اتمنى أن يكون ملف العسكريين منطلقاً لفتنة، وأريد من الناس أن تستيقظ من صدمة نعيشها نحن، متمنياً أن تكون هذه الصدمة لكل المواطنين لكي نفهم في النهاية بأنه لا يمكننا إلا العيش سوياً وأن نكون جسماً واحداً، ولا يجب أن ندير آذاننا للفتنة وللتحليلات التي يحصل فيها رمي اتهامات لإحداث فتنة.

وشدد على أن هؤلاء الشهداء ليسوا لأهلهم بل لكل الوطن ومن لعبوا وتاجروا في هذا الملف فالتاريخ سيحاسبهم وسيتحدث عنهم والله سيأخذ بحقنا، متمنياً عند صدور النتيجة أن يملأ الله قلوب أهلهم وذويهم وأبنائهم وأشقائهم وأطفالهم الذين لا يعرفونهم، بالصبر. وهذه حسرة كبيرة ولكن ما يعزّيني هو أن لي الفخر أن أرفع رأسي بابني ولست نادماً في أي لحظة من اللحظات أنه كان في صفوف هذه المؤسسة. وتابع: لا يمكن أن نخرج كأهالي عن مناقبية هؤلاء العسكريين الأبطال، وما يعزيني أن ولدي محمد اختار الموت على الانشقاق ولم يلتحق بالظلم والفساد والإجرام والدموية واختار الموت وأن يفدي بدمه كل الوطن من أقصاه إلى أقصاه>. وتوجّه بـ التحية إلى كل عسكري موجود على الجبهة اليوم، فهؤلاء العسكريون هم شرفنا وهم ابناؤنا وهم كرامتنا.

أكثر من ألف ومئة وعشرين يوماً

أكثر من ألف ومئة وعشرين يوماً والأهالي ينتظرون فك أسر أبنائهم على أحرّ من الجمر، أو أي خبر عن مصيرهم يبرد قلوبهم المحترقة على فلذات الأكباد الذين اختطفوا يوم 2 آب 2014، حين هاجمت مجموعات من «جبهة النصرة> وتنظيم «داعش» الإرهابيَّين مراكز الجيش اللبناني في عرسال على خلفية توقيف أحمد جمعة الذي ينتمي إلى الجبهة، وقتلت عدداً من عناصره، ثم خطفت عدداً من العسكريين. فيما عملت مجموعة تابعة لـ<النصرة> على التوجه إلى فصيلة قوى الأمن الداخلي في عرسال واقتادت عناصرها بعد تجريدهم من أسلحتهم الى مسجد الرحمة الذي يقيم فيه الشيخ مصطفى الحجيري المعروف بـ <ابو طاقية>، ومن ثم اعلن الاخير لوسائل الاعلام أن العسكريين ضيوف لديه هم وأسلحتهم وسياراتهم ريثما تهدأ المعركة، غير أن مجموعة من تنظيم <داعش> الإرهابي آنذاك دهمت منزل <أبو طاقية> واقتادت عدداً من العسكريين إلى الجرود، فيما نقلت <النصرة> الباقين إلى مراكزها في الجرود أيضاً.

أما عدد العسكريين المخطوفين فكان 43 موزعين على الجيش وقوى الأمن الداخلي، ومن ثم أطلق سراح 13 منهم وظل 30 عنصراً قيد الاحتجاز. ولاحقاً قتل الخاطفون أربعة منهم: عباس مدلج وعلي السيد ومحمد حمية وعلي البزال، فيما احتفظوا بجثمان شهيد وظل 16 عنصراً لدى <النصرة> وتسعة لدى تنظيم <داعش> هم: محمد يوسف، ابراهيم مغيط، علي الحاج حسن، خالد مقبل حسن، حسين عمار، سيف ذبيان، علي المصري، مصطفى وهبة وعبدالرحيم دياب.

 

5وقف إطلاق النار

صباح الأحد الماضي، أعلنت قيادة الجيش ـ مديرية التوجيه في بيان، عن وقف لإطلاق النار اعتباراً من تاريخه الساعة 7:00 ، وذلك إفساحاً للمجال أمام المرحلة الأخيرة للمفاوضات المتعلقة بمصير العسكريين المختطفين. هذا الاعلان جاء بعد التوصل إلى اتفاق غير مباشر مع عناصر <داعش>، قضى بمطالبتهم بالانسحاب باتجاه الاراضي السورية وذلك بفعل الضربات والهزائم التي يتلقونها على يد الجيش منذ الاعلان عن معركة <فجر الجرود>. لكن الجيش طالب بأن يكون هذا الطلب، مشروطاً بحصوله على معلومات يُمكن الكشف من خلالها عن مصير العسكريين المخطوفين، وإلا فإنه سيواصل ضرباته للجماعات الإرهابية.وقد لمس عناصر <داعش> ضمن المساحة المتبقية لهم، بأن الجيش يُعد العدة للبدء بإطلاق المرحلة الأخيرة أي الرابعة من المعركة وضمن مساحة لا تتعدى العشرين كلم.

مصادر عسكرية أكدت لـ<الافكار> أنه تحت ضغظ النار وتضييق الخناق على <داعش>، ومع مواصلة اصابة اهداف ونقاط مهمة له، اضافة الى تحقيق إصابات فاقت عشرات القتلى في صفوفه، واستهداف قدراتهم القتالية، رضخ أبو السوس لشروط الجيش وطلب التفاوض. وأبو السوس، هو لقب أمير <داعش> في الجرود اللبنانية والقلمون، واسمه الحقيقي موفّق الجربان.

وتتابع المصادر: لذا كُلف اللواء ابراهيم بالتفاوض مع <داعش> لإعطاء معلومات تتعلق بالعسكريين المخطوفين، وحين تمّت الإجابة بالموافقة، أعلن الجيش وقف النار. وفي المعلومات أن عناصر <داعش> في الجرود اللبنانية، قاموا بتسليم أنفسهم إلى حزب الله على الأراضي السورية وتحديداً في بلدة قارة داخل القلمون الغربي، ومن ثم تم نقلهم إلى دير الزور بعد كشفهم عن معلومات تتعلق بالعسكريين اللبنانيين الأسرى.

كما تضمن الاتفاق بين حزب الله و<داعش>، تسليم أسير و6 جثامين للحزب، ثلاثة منهم كانوا سقطوا عام 2014 في منطقة الكهف في جرود قارة، وهم: حسن حمادي، قاسم سليمان، فادي مسرّة، وآخرين في البادية. وبناء عليه، أعلن الإعلام الحربي التابع لـ حزب الله وقف إطلاق نار ابتداء من الساعة السابعة من صباح الاحد في إطار اتفاق شامل لإنهاء المعركة بالقلمون الغربي.

6سيناريو النصرة يتكرر مع <داعش>

يوم الأحد الماضي، أعلن النظام السوري موافقته على اتفاق وقف إطلاق النار مع تنظيم «داعش» في منطقة القلمون الغربي في ريف دمشق. وقد برّر موافقته هذه، بأنها حقن لدماء القوات السورية والقوات الرديفة التابعة لها والمدنيين، مع العلم أن جيش النظام وحلفاءه وعلى رأسهم حزب الله، كانوا اعلنوا في خلال الأيّام الماضية في بيانات رسمية، إنتصارهم في معركة القلمون الغربي وانه لم يعد أمام عناصر هذا التنظيم، سوى الاستسلام أو الموت. هذا في العلن، أمّا في الخفاء، فيأبى سيناريو معركة جرود عرسال مع <جبهة النصرة>، إلا أن يتكرّر في جرود القلمون.

ها هم عناصر «التنظيم» الأكثر إرهاباً وإجراماً في العالم، قد خرجوا من الجبال التي تحصنوا فيها لفترة تزيد عن ثلاثة أعوام، وذلك ضمن صفقة أتاحت لهم تجميع أنفسهم وإحراق نقاطهم واختيار نوعية الباصات التي يُريدون الانتقال بها، وكأنهم في مهمة نظامية رسمية، تكفل لهم حريّة الاختيار والتنقّل بالطريقة التي يختارونها هم وتكفل سلامتهم وأمنهم. والاعلام الحليف للنظام السوري وحزب الله أصرّ على وصف الصفقة بـ <الإنجاز> و<الانتصار>، وقد سعى جاهداً لأن يُبرّر عبور عناصر <داعش> إلى دير الزور بحماية جنود من النظام وعناصر من الحزب، وذلك من خلال نشر معلومات تقول «إن عملية التفاوض نجحت في نقل المسلحين من ميدان كانوا يستطيعون فيه القتال بضراوة وإلحاق ضرر كبير بمهاجميهم، الى منطقة سيتكفل الطيران السوري والقوى المهاجمة في الصحراء في قتالهم وبأقل كلفة ممكنة إذا عادوا الى الميدان.

ومن المعروف، أنه في منتصف ليل السبت الماضي، لاحتْ مؤشرات صفقة حزب الله – <داعش> مع الإعلان عن أن مسلّحي الأخير في الجرود قرروا تسليم أنفسهم جميعاً إلى أقرب حاجز للحزب وسط تقارير في وسائل ربطتْ الأمر باقتراب مقاتلي الحزب من مسلّحي <داعش> وبأنه على وشك القضاء عليهم وصعود الحزب إلى بداية مرتفع <حليمة قارة> وهو آخر نقاط وجود <داعش> في المقلب السوري. مع العلم أن معلومات من داخل الحزب، كانت كشفت عن قرب حصول معركة كبيرة بين الجهتين، سوف لن يخرج منها الحزب إلا بعد القضاء بشكل كامل على الارهابيين وهذا ما أنبأ به السيد حسن نصر الله اللبنانيين خلال خطابه ما قبل الأخير عندما قال احفظوا هذا الاسم جيداً (حليمة قارة)، فسوف تسمعون به كثيراً خلال الفترة المُقبلة.

 

علاقة النظام السوري بـ<داعش>

4

العلاقة بين النظام السوري وتنظيم <داعش>، ليست بالتأكيد وليدة اليوم ولم تتعاظم لا مع الأيّام وقرب المواقع بين بعضهما البعض، ولا بحكم الظروف والمصير الذي يجمعهما في مواجهة <عدو> واحد أي بقيّة الفصائل المُقاتلة. وفي احصائيات أجرتها المؤسسة البحثية <أي إتش إس> (IHS) في العام 2015، يتضح أن النظام السوري الذي لطالما صور الحرب الأهلية على أنها معركة ضد الإسلام الراديكالي، وتنظيم <داعش>، قد تجاهلا بعضهما البعض إلى حد كبير في ساحات المعارك بحسب ما تشير إليه البيانات. وتُستتبع هذه الإحصائيات بتحقيق لصحيفة <التلغراف> البريطانية يكشف بأن النظام لا يشتري النفط من <داعش> وحسب، بل يساعده أيضاً في تشغيل وإدارة بعض مرافق النفط والغاز. وفي بعض الأحيان، يقوم النظام بإمداد المدن الواقعة تحت سيطرة <داعش> بالكهرباء مقابل الحصول على الوقود.

ويتحدث ناشطون سوريون عن أن النظام يُرسل العشرات من الشاحنات المحملة بالقمح من الحسكة إلى طرطوس الساحلية مروراً بمواقع تابعة لـ<داعش> (من الرقة إلى قرابة مدينة السلميّة)، حيث يقوم التنظيم بتأمين مرورها في مناطقه مقابل الحصول على 25 بالمئة من حمولتها، والتي يقوم بتفريغها في صوامع حبوب الرشيد في مدينة الرقة. هذا بالإضافة إلى أن شركتي الاتصالات الرئيسيتين ما زالتا تعملان في مدينة الرقة بشكل طبيعي حيث يتم إيفاد المهندسين والفنيين لإصلاح أي أعطال طارئة في مناطق تابعة للتنظيم.

 

تحية إكبار وإجلال للجيش اللبناني

من المؤكد، أنه خلال المعركة مع <داعش> في الجرود اللبنانية والسورية، وحده الجيش اللبناني نجح في حصر وجود عناصر هذا التنظيم في بقعة جغرافية ضيقة وتعطيل حركتهم بعد السيطرة على معظم المعابر والطرق التي يستخدمونها في مناوراتهم. ووحده الجيش تمكّن من السيطرة على 100 كيلومتر مربع من أصل 120 كان الإرهابيون يُسيطرون عليها. ووحده الجيش، دفع عناصر «داعش> إلى التراجع في اتجاه الحدود السورية، وتحديداً عن معبر مرطبيا، وهو المعبر الوحيد الذي تمكّنوا من استخدامه خلال انسحابهم باتجاه الداخل السوري وتحديداً مناطق النظام، الجهة التي وفّرت لهم كافة الطرق، للوصول إلى الحدود اللبنانية.

نعم البلد حزين وهناك أهالي شهداء يقف خلفهم شعب بكامله، كانت تسبقهم الأمنيات لعودة أبنائهم العسكريين المخطوفين أحياء من خلف الجرود. لكن هذا الواقع المرير والمؤلم والذي لن يُمحى من ذاكرة اللبنانيين، لا يُلغي أن ثمة إنجازات قد تحققت على يد الجيش في المعركة. وليس غريباً أيضاً، أن يلتف الشعب كله حول مؤسسة منحها كامل ثقته في استحقاق هو الأول من نوعه منذ زمن حرب «نهر البارد». جيش أظهر للقريب قبل البعيد، حجم قوته وصلابته ومنعته ووحدته في مواجهة أي عدوان، وبأنه قادر على حماية الوطن عندما تُمتحن الرجال.

جيش يُثبت للمرة المئة بعد الألف، أنه رقم صعب لا يُمكن تخطيه، ولا يجوز وضعه في مقارنة أو <معادلة> لا تُشبهه ولا تفيه حقه أقله أمام التضحيات التي ما زال يُقدمها بصمت ومن دون منّة من أحد.