23 September,2018

شهر نيسان الماضي كان حافلاً بالتحركات المطلبية وقطع الطرقات والإضرابات والاعتصامات المتنقلة وأصحاب الشاحنات اتخذوا المواطنين كرهائن في الطرقات!

بقلم طوني بشارة

الوزير-بو-عاصي---1

شهد الشارع اللبناني في شهر نيسان/ أبريل المنصرم موجة عارمة من التظاهرات، فمن تظاهرة متعاقدي الشؤون الاجتماعية أمام الوزارة الرافضين لقرار الوزير بإلغاء التعاقد، الى تظاهرة سائقي الشاحنات في الطرقات والرافضين لقرار وزير الداخلية نهاد المشنوق بإلغاء العمل بالمرامل والكسارات غير الشرعية، الى اضراب مزارعي التفاح الرافضين تجزئة التعويضات.

إضرابات عديدة ومتنقلة، تباينت الآراء وتضاربت المواقف حول السبب الرئيسي لظهورها، فهل هي إضرابات مسيسة كما اتهمها البعض وتصب لخدمة بعض الجهات السياسية؟ وما صحة اتهام وزير الشؤون الاجتماعية بيار بو عاصي بالطائفية، وهل قام فعلا بإلغاء تعاقد طائفة معينة أم ان قراره شمل كافة المتعاقدين؟ وبالتالي هل ان المواطن لم يعد يثق بالجهات المعنية أم انه سئم الوعود بالحل ووجد ان الشارع هو المكان الأفضل للتعبير عن رأيه وللضغط على القادة لتحقيق مطالب اجتماعية صرفة؟

 

بو عاصي وقرار الغاء التعاقد

 

متعاقدو وزارة الشؤون اقاموا اعتصاماً أمام الوزارة، البعض منهم اتهم الوزير بو عاصي بالطائفية مؤكدين ان قراره مسيس ويهدف الى خدمة فئات معينة وبالتالي الحزب الذي ينتمي اليه، لكنه أكد بأنه اتخذ القرار بايقاف البرنامج الوطني لرصد التحركات السكانية الطارئة، بعد اعادة تقييم تبين في نتيجته ان هذا البرنامج لن يستطيع القيام بالمهمة التي انشىء من اجلها، فحتى تاريخه وبعد سنتين من العمل تم رصد 80 ألف عائلة علماً ان لبنان يحتوي على ما لا يقل عن 400 الف عائلة سورية، مما يعني ان الرصد بحاجة اقله الى عشر سنوات، واكد بو عاصي بان قراره بالالغاء ليس طائفياً قائلاً: الاموال التي تدفع لهذا البرنامج هي اموال الناس وانا مؤتمن على الانتاجية ومؤتمن على اموال الناس، ولهذا اتخذت القرار بوقف هذا البرنامج، وهنا اتوجه إلى اصحاب الشركات للتأكيد بأن هناك اشخاصاً كفوئين جدا لديهم حس المسؤولية والمغامرة، واذا أردنا خدمة الشباب والشابات فعلينا ان نساعدهم ليجدوا وظائف ضمن اختصاصاتهم، فالنمو بحاجة الى استقرار امني وسياسي وبنى تحتية وهو لا يتحقق بتأمين فرص عمل مموهة.

 

اضراب أصحاب الشاحنات

اما أصحاب الشاحنات فرفضوا قرار الوزير المشنوق اقفال الكسارات غير الشرعية لمدة شهر واعتبروه قراراً يهدف الى ضرب مصدر رزقهم، فعمدوا الى إيقاف شاحناتهم على قارعة الطرقات، والبعض منهم و للأسف عمد الى اقفال الطرقات فحاصر الناس على الطرقات لساعات طويلة، امتدت في اماكن مختلفة لأكثر من ست ساعات، إذ عمدت مجموعة من أصحاب الشاحنات إلى قطع الطرقات الرئيسيّة في البقاع والجنوب وجبل لبنان وعلى مداخل بيروت، احتجاجاً على قرار الوزير المشنوق القاضي بوقف العمل في كلّ المرامل والكسّارات لمدّة شهر، فهل ما جرى يؤكد قدرة منظومة المصالح على فرض شروطها كي تستمر بمراكمة الأرباح على حساب المجتمع والبيئة؟ وما موقف نقيب الشاحنات من هكذا تصرف؟

نقيب أصحاب الشاحنات شفيق القسيس، قال: <إن التحرّك كان اعتباطياً دون إملاء من أحد، وهو تصرف صدر عن بعض السائقين الذين نُكبت بيوتهم، لكننا بتنا كنقابة راعين لهذا الاعتصام الذي سيتوقف لفترة من اجل النظر بمطالبنا، ولكن في حال لم يصدر اي قرار بمطالبنا فسنعمد من جديد الى إيقاف الشاحنات على جوانب الطرقات مع التعهّد بعدم إقفالها، إلى أن يعطونا ضوءاً أخضر لاستكمال أعمال نقل الرمل والبحص من المرامل والكسّارات المرخّصة في شكل دائم، وإعادة العمل بنقل الناتج وفي الحُفر ليومين مارون-الخولي----3في الأسبوع، لحاملي الرخص حصراً>.

رغم ذلك، يبقى مطلب أصحاب الشاحنات بعدم إقفال المرامل والكسّارات معادياً للبيئة وللمجتمع ككلّ، ولا يُبرّر بامتناع الدولة عن القيام بواجباتها كدولة رعاية وتأمين فرص عمل لمواطنيها لفرض تقبّله. في المقابل، يشير القسيس إلى أن هناك نحو 14 ألف شاحنة عموميّة عاملة في لبنان، تعيش 4 عائلات من كلّ منها، وهم يعيشون يوماً بيوم من ناتج عملهم، <المطلوب أن يرحمونا من خلافاتهم السياسيّة، وخصوصاً أن الوزير نفسه سبق أن أصدر رخصاً ومهلاً إداريّة استثنائيّة عدّة، تنمّ عن إجحاف بحقّ الكثيرين من السائقين>.

 

المزارعون ورفض تجزئة التعويضات

الى جانب سائقي الشاحنات شهدت بعض المناطق اللبنانية تجمعات لمزارعي التفاح الذين عمدوا الى توزيع التفاح على المارة مؤكدين بأنهم سئموا انتظار التعويضات التي أقرتها الحكومة في الخريف بعد كساد موسمهم، وها هم اليوم يتواعدون مرّة جديدة في الشارع ويعتصمون مطالبين بدفع مستحقاتهم التي اجتزىء منها 25 بالمئة.

ستة اشهر مدة كفيلة لاعطائهم حقوقهم، فالتفاح وفقاً للمزارعين قد زهرّ من جديد ولم تزهر جيبتهم بالمبالغ التي وعدوا فيها عن كل صندوق. مبالغ لا تكفينا ثمن مبيدات وأدوية كيميائيّة وتبريد…  وقد ازداد همّنا هماً بعد تكدّس التفاح البلدي في البرادات فأرغمنا على بيعه زهيداً لشدة المضاربة من البضائع المستوردة. ونحن نستوعب التأخر بالدفع لكنّنا حتماً لم نفهم قرار التجزئة على دفعتين!

ولقد أرجع رئيس <الهيئة العليا للإغاثة> اللواء الركن محمد خير سبب التأخير بدفع التعويضات لمزارعي التفاح إلى تراكم الثلوج وتعذر دخول الهيئة بعض المناطق لدوافع أمنيّة، فانتظرت ذوبان الثلج وتابعت كشفها ومن ثمّ تمّ تحويل التقارير إلى وزارة المال، ومنذ بضعة أيام تم تحويل مبلغ 20 مليار ليرة لبنانية كي تدفع كتعويضات الى المزارعين.

وأكّد اللواء خير أنّ ما من أحد قصّر بواجباته، فالجيش أنهى المسح منذ ما يقارب الأسبوعين وليس هناك من مبرر لتأجيج الموضوع في الشارع وإثارة البلبلة، وعلى المزارعين مراجعة وزارة الزراعة لتسويق انتاجهم كما فعل رئيس الحكومة سعد الحريري عندما سوّق البطاطا في مصر خلال زيارته الأخيرة.

ورداً عن سؤال حول الضمانة المقدمة للمزارع بأن يحصل على الدفعة الثانية من التعويضات خلال مدّة زمنيّة محددة، قال خير: <مجلس الوزراء هو من يقرر، لكن الموضـــــوع مضمـــــون لأنّ الحكومة أصدرت مرسوماً في هذا الشأن>، لافتاً إلى أنّ التأخير مرتبط بالإجراءات الإداريّة وأنّ مبلغ الـ20 ملياراً حوّل إلى مصرف لبنان شفيق-القسيس----4لإصدار الشيكات.

وأضاف خير:

– هدفنا مساعدة كل المزارعين من ضمن إمكانية وزراة المال وستصل التعويضات للجميع من دون أي استثناء، فهناك بين 28 ألف و33 ألف شيك يتوّجب دفعهم، ونأمل ألاّ يربط كل شخص الموضوع بمصلحته الشخصيّة، ونحن على تواصل مع المزارعين، والحكومة تعمل على تسويق إنتاجهم.

وشدد اللواء خير على أنّه ليس مصادفة أن يصدر قرار الدفعة الأولى من التعويضات بالتزامن مع قرار النزول إلى الشارع، فـ<الهيئة العليا للإغاثة> أصدرت بالأمس بياناً يحيط المزارع بكل المعلومات وبأسباب التأخير، متسائلاً عن سبب تعمد البعض عدم ذكر وجود 3 ملايين صندوق بأسعار جيّدة.

الحويك والمبالغ

المتوجبة للمزارعين

بدوره أعلن رئيس <جمعية المزارعين> انطوان الحويك رفض المزارعين المطلق تجزئة قبض التعويضات على دفعتين، مستغرباً كيف أصبح موضوع صرف التعويضات لا يحتاج إلى قرار لمجلس الوزراء اذا كان المبلغ الذي سيدفع هو نصف المبلغ المقرر للتعويض وقدره 40 مليار ليرة.

واكد الحويك ان اي وعد بدفع قسم من التعويضات لا قيمة له بعدما نكثت الجهات المعنية بالاتفاق الذي حصل بين المزارعين و<الهيئة العليا للإغاثة> سابقاً، وشدد بأن مسؤولية من في مواقع القرار هي مباشرة في تقهقر القطاع الزراعي، وبخاصة قطاع التفاح اذ انهم منعوا تنفيذ كل المشاريع التي تقدمنا بها من اجل حل كل مشاكل القطاع وبالتالي اصبح من واجب الحكومة تعويض المزارعين وتنفيذ قراراتها.

ونوه الحويك بان مشاركتهم في الاعتصام كانت سلمية وقد وزعوا التفاح على المارة ولم يعمدوا اطلاقاً الى قطع الطرقات، وتمنى على الجهات المعنية إيجاد حل نهائي لقضية مزارعي التفاح.

انطوان-الحويك---2مارون الخولي وقطع الطرقات

وللاطلاع اكثر على أحقية هذه التظاهرات التقت <الأفكار> رئيس <الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان> مارون الخولي الذي استهجن اسلوب التحركات المطلبية التي تلجأ الى قطع الطرق على الناس وتعطيل اعمالهم وحبسهم في سياراتهم والاساءة اليهم واذلالهم وتعريض المرضى المتوجهين في سيارات الاسعاف الى المستشفيات الى خطر الموت.

واكد الخولي بأن هذا الاسلوب غير نقابي او انساني وهو اقرب الى اسلوب العصابات، قائلاً: إن قطع الطرق على الناس مرفوض شكلاً مهما كانت مضامينه المطلبية.

وأضاف:

– إن المناقبية في التحركات العمالية والمطلبية في الشارع أمر أساسي وحضاري، ويجب ادانة اي عمل يسيىء الى حرية التعبير، خصوصا اسلوب العصابات في قطع الطرقات لممارسة الضغط على السلطة، وان التعدي على الناس وكراماتها على الطرقات لا يشكل ضغطاً على السلطة بل يزيد من اشمئزاز اهلنا من هذه التحركات المطلبية المحقة والتي تستعمل اسلوب <الزعرنة> لتحقيق اهدافها.

ورأى الخولي بأن قطع الطرق يسيئ الى التحركات المطلبية، ويبعد الناس عن تأييدها، ويفقدها اي امل في تغيير هذه السلطة، وذلك حين يكون اسلوبها اسر الناس كرهينة لتحقيق المطالب.

واكد الخولي: أن ما حدث خلال التظاهرات على طرقات لبنان من اقفال بعض الشاحنات لها أمر مدان ومرفوض وغير مقبول نقابياً، وان الحركة النقابية ترفع الغطاء عن اي تحرك مطلبي يقفل الطرق على الناس، وهي في حال تكرر هذا المشهد تدعو القوى الامنية الى فتح الطرقات فوراً مع الحفاظ على حرية التحركات الاحتجاجية ودون المس بحرية التعبير الديموقراطي بكل اشكاله، داعياً الى تعزيز حركة الاحتجاج في الشارع لكل التنظيمات النقابية والاهلية والاستمرار في اسلوب الضغط الديموقراطي على السلطة لتحقيق المطالب، ولكن دون استعمال اسلوب قطع الطرق المفاجىء الذي يؤدي الى اذلال السائقين في سياراتهم، مؤكدا ان قطع الطرق لا يصح الا في حال الاضراب العام او في حال ابلاغ المواطنين سلفاً.