20 November,2018

شـبــــــح الـسـرطـــــــــان مـخـتــــــــبئ فـــــي ثـنـايـــــــا الـمــــــــواد الـصـنـاعـيــــــــة!  

بقلم وردية بطرس

الدكتور-ايلي-فرح----2

المواد الكيميائية أصبحت جزءاً من حياتنا بحيث يصعب على الانسان العيش بدونها، لكن هذه المواد ذات أثر كبير على صحته وعلى البيئة أيضاً. ويمكن القول أيضاً انه لا توجد مادة كيميائية آمنة، فجميع المواد الكيميائية قد تكون سامة وقادرة على احداث أذى او تأثير خطير على صحة الانسان. ويتم امتصاص الملوثات الكيميائية في جميع اقسام الطرق التنفسية بما فيها الأغشية المخاطية للأنف، ويتوقف ذلك على الخواص الفيزيائية والكيميائية للملوث الكيميائي وعلى البنية الفيزيولوجية للجهاز التنفسي.

لقد أصبح استعمال المواد الكيميائية مترافقاً مع النشاط البشري في كل مجالات الحياة، وهذه المواد لها تأثيرات سلبية على جسم الانسان سواء بشكل مباشر او غير مباشر، خصوصاً ان عدد هذه المواد في ازدياد مستمر، ووفقاً لتقديرات منظمة الصحة العالمية فانه يستعمل في التطبيقات الصناعية حوالى نصف مليون مادة كيميائية من بينها 40000 مادة تتمتع بخواص ضارة للانسان، ومن ضمنها 12000 مادة سامة. ومن المتفق عليه انه ليس هناك مادة كيميائية آمنة كلياً، وبالمقابل ليس هناك مادة كيميائية يمكن اعتبارها ضارة تماماً.

تجدر الاشارة الى ان المواد الكيميائية مصطلح بات شائع الانتشار في يومنا هذا. وبشكل عام يشمل هذا المصطلح كل المكونات المصنعة السامة التي تُضاف الى المواد التي نستعملها يومياً، سواء من خلال تناولها كأصناف طعام، او من خلال استخدامها كمنظفات او مستحضرات تجميل وغير ذلك. ومع ذلك قليلاً ما نجد منتجات تحمل تحذيرات واضحة من خطورة استعمال هذه المواد على صحتنا، رغم ان الكثير من الدراسات العلمية تربط هذه المواد مباشرة بمرض السرطان.

بدأ الاهتمام بعلاقة بعض المواد الصناعية بمرض السرطان منذ بداية القرن العشرين، فقد تم تصنيف مواد كيميائية عدة على انها من مسببات السرطان وكان أهمها البنزين الحلقي وكذلك <الاسبستوس> ثم تم ادراج التدخين ضمن مسببات السرطان وذلك في ثلاثينات القرن العشرين، وبعد ذلك تطورت عمليات البحث للكشف عن مسببات السرطان حتى أصبح علم المواد المسرطنة واسعاً، وعملت على سبر أغواره مؤسسات وهيئات دولية عدة حيث ظهرت تصنيفات عدة لهذه المواد.

وقد تناولت أحدث دراسة نشرت في دورية <لانست نيرولوجي> الطبية الآثار العصبية المترتبة عن التعرض لتلك المواد الكيميائية، وأشارت الدراسة الى أهمية تضافر الجهود العالمية من أجل وضع شروط معينة لبناء المصانع والكشف على معاملات السلامة وأيضاً المواد الكيميائية المنبعثة من المجمعات الصناعية، حيث انها يمكن ان تتسبب في ما يشبه العدوى الوبائية التي تؤثر على نمو الدماغ والجهاز العصبي لدى الأطفال دون حدوث عوارض معروفة. وأوضح الباحثون من جامعة <هارفارد> الأميركية ان عدد المواد الكيميائية الرئيسية ذات التأثير الضار على الجهاز العصبي، قد ارتفع من 6 مواد الى 12 مادة. وعلى سبيل المثال كان من أشهر المواد الضارة بالجهاز العصبي في العام 2006: <الرصاص> و<الزرنيخ> و<ميثيل الزئبق>، فضلاً عن ثلاث مواد كيميائية أخرى، وانضم الى هذه القائمة بنهاية العام 2015 <المنغنيز> و<الفلور> وأربع مواد كيميائية أخرى تدخل في صناعات مبيدات الحشرات والمصنوعات الورقية وغيرها. وفي المجمل ارتفع عدد المواد الكيميائية الخطرة من 200 مادة في العام 2006 الى 214 مادة بنهاية العام 2015. والمؤسف ان هذه المواد تدخل ضمن الاستخدام اليومي لأي أسرة وتشمل ألعاب الأطفال او قطع الأثاث او الملابس.

 

هكذا يقع الضرر

فكيف تؤثر المواد الكيميائية على الانسان؟ وماذا عن المواد الكيميائية المنزلية وضررها على الانسان؟ وغيرها من الأسئلة طرحتها <الأفكار> على الدكتور ايلي نقولا فرح الاختصاصي في الطب الداخلي والتشخيص، وهو رئيس ومؤسس <جمعية دعم الطب الوقائي> في باريس، ونسأله:

ــ كيف تسبب المواد الكيميائية الضرر للانسان؟

– تسبب المواد الكيميائية الضرر للانسان بطرق مختلفة، ومنها طريقة التعرض والتي تدخل المواد بواسطتها الى الجسم ضمن جرعات متنوعة تؤثر بحسب كمية وسمية المواد الكيميائية، وهناك ثلاث طرق رئيسية للتعرض: الدخول من خلال الجلد اي الامتصاص، الاستنشاق عبر الرئتين والابتلاع بواسطة الفم والجهاز الهضمي. فتؤثر هذه المواد في الأعضاء التي دخلت من خلالها الى الجسم او في الجسم من خلال انتقالها الى اعضائه او في الاعضاء التي خرجت بواسطتها من الجسم. كثيرة هي المواد الكيميائية المسرطنة. ان مادة <كلوريد الفنيل> مثلاً المسرطنة حتماً والمستخدمة في صناعة <PVC> حيث يتم استعمالها في صناعة أنابيب البلاستيك وخصوصاً سباكة المواسير، هذه المادة مرتبطة بحدوث أورام عديدة، ومنها الكبد والدماغ والرئة والجهاز اللمفاوي، ففي العام 1974 وبعد مرور أكثر من 40 سنة على ادخال تلك المادة في الصناعة تم تسجيل الارتباط الدامغ بينها وبين حدوث المرض السرطاني، اما انتاج الألمنيوم فهو حالة أخرى من الحالات التي أقرتها الوكالة الدولية لبحوث السرطان على انها مسرطنة للانسان ومنها سرطان الرئة والمثانة.

ويتابع قائلاً:

– ان الخطر يكمن في درجة العلاقة بين التعرض للجرعة وتأثيرها، كما في العلاقة بين الجرعة والاستجابة لها من قبل الأنسجة وهو ما يُسمى بـ<سمية الجينات>، وتعطي الحسابات التي يعبر عنها بوحدة تقديرات الخطر فرصة لمقارنة المسرطنات بمواد مختلفة، وتساعد الأولويات للسيطرة على التلوث بناء على وضع التعرض الموجود عن طريق استخدام وحدة تقدير الخطر. ومن الأمثلة على قيم الارشادات لنوعية الهواء والوقت الجائز للتعرض لها، فالأوزون الذي يقع بين 150 و200 مايكروغرام / م3 تكون فترة التعرض الجائزة ساعة واحدة فقط، واذا كانت بين 100 و120 <مايكروغرام/ م3> تصبح المدة الجائزة 8 ساعات، أما كمية ثاني أكسيد الكبريت الناتج عن احتراق الفحم والبترول والزيوت، التي تعادل 500 <مايكروغرام/ م3> فإن مدة التعرض الجائزة تكون 10 دقائق فقط وتصبح ساعة واحدة في حال كانت الكمية 350 <مايكروغرام/ م3> وبالنسبة الى الرصاص فإذا كانت الكمية ضمن 0.5  – 1 <مايكروغرام/ م3> يكون زمن التعرض الجائز عبارة عن سنة كاملة. وعلى خط مواز فإن خطر التعرض لـ<لأكريلونتريت> و<الزرنيخ> و<الكروميوم> و<النيكل> مرتبط بحدوث سرطان الرئة، والبنزين بحدوث سرطان الدم <اللوكيميا>. فالتعرض المزمن ضمن نوع المهنة للمسرطنات هو أمر بالغ الأهمية.

ــ وماذا عن المواد الكيميائية الناتجة عن مبيدات الحشرات؟

– بالنسبة للتخلص من المواد الكيميائية الناتجة عن مبيدات الحشرات والفطريات في الغذاء، فتوجد مجموعة من الأساليب والطرق التي من شأنها المساعدة على تقليص كمية المواد الكيميائية في طعام الانسان، وذلك بالطبع وفق خصوصية كل مادة مستعملة ومندثرة ووفق كميتها ومدة تعرض الطعام لها، اضافة الى نوع الطعام نفسه. ان القيام بغسل الخضار والفاكهة والحبوب والبقول بماء ساخنة ومضغوطة او شطفها لفترة تزيد عن 10 دقائق هو عمل أساسي مساعد للأساليب الأخرى في إزالة قسم كبير من المواد الكيميائية الموجودة على السطح الخارجي لتلك الأطعمة، ومن ثم وضعها في الثلاجة لتكثيف الوقاية، كما ان نقع الحبوب وبعض البقول في الماء قبل استعمالها في الطبخ يؤدي الى التخلص أيضاً من نسب أخرى من تلك السموم، بالاضافة الى الولوج لسلقها قبل الاستعمال مما يعطي فرصاً أكبر لتقليص السموم. أما طريقة الطهي كاستعمال <المايكروويف> والفرن والتبخير والطهي بالضغط فتعمد الى تخفيض نسب المواد الكيميائية عبر تبخيرها من الطعام او عبر التقليص الحراري لجزئياتها الكيميائية او عبر عملية التقطير من خلال ارتفاع درجة حرارة الماء الموجود في الطعام. وبما ان معظم تلك المواد السامة يقع على سطح الخضار والفاكهة او داخل القشرة، ونسبة قليلة جداً تتغلغل الى الأعماق، فقد يقتضي غسلها بالماء الساخن كما ذكرت ومن ثم فإن تقشيرها او بردها يؤول الى تخفيض الرواسب الكيميائية بنسبة عالية، فقد أثبتت الدراسات ان تقشير <الأفوكا> و<الكيوي> و<المانغا> و<الأناناس> والحمضيات بعد غسلها يؤدي الى ازالة شبه كاملة للسموم الكيميائية، كما ان تقشير او برد الغلاف الخارجي لبعض الخضار والفاكهة ومن ثم سلقها الطفيف يساعدان أيضاً في التخلص شبه الكامل من تلك المواد.

ــ وهل تسبب مبيدات الحشرات والفطرية الموجودة على الخضار والفاكهة السرطان؟

– صحيح ان وجود هذه المواد بكميات عالية نسبياً يكون سماً مريعاً لجسم الانسان، الا ان الدراسات التي أجريت أوضحت انه اذا ما وجدت تلك المواد السامة في الأطعمة تكون نسبها قليلة وخصوصاً اذ تم غسل الخضار والفاكهة والبقول ونقعها او سلقها او تقشيرها او بردها، وبالتالي لا يوجد رابط بينها وبين حدوث السرطان ولاسيما اذا تم استعمال المبيدات المسموح بها وبالأساليب والكميات المطلوبة.

 

حذار المواد المرقمة

ــ وهل جميع المواد الحافظة للطعام ضارة؟

– ان وجود بعض المواد الحافظة بالنسب المسموح بها في الطعام ضروري في بعض الأحيان للحفاظ على مكوناته الغذائية ولعدم فساده، انما الحرص واجب أي التدقيق بمحتويات المستحضرات الغذائية المصنعة والتأكد من خلوها من بعض المواد المرقمة والمرمزة والتي كنت قد أشرت اليها، لأن التعرض لها واستهلاكها في شكل مستمر ومتراكم قد يؤديان الى زيادة خطر الاصابة بمرض السرطان وغيره من الأمراض.

ــ وماذا عن المواد الكيميائية المنزلية؟

– الانسان اليوم معرض لآفات لم يتعرض لها أجداده من قبل، اذ ان زمانه يختلف عن زمانهم، فاليوم أكثر من 300 مادة كيميائية من صنع الانسان قد توجد في منزله وتتغلغل الى داخل جسمه من دون علمه، وهي توجد في الأثاث مثل الفراش والسجاد والستائر والألبسة الخاضعة للتنظيف الجاف والأجهزة الالكترونية والكهربائية ومنها أجهزة التلفزة والكمبيوتر وغيرها، وان معظمها يحتوي على العديد من المواد الكيميائية الضارة ، فالكيميائيات العضوية المتطايرة قد تشكل عوامل مسرطنة خطيرة بالأخص للرئة، فما على الانسان الا تفاديها، كما عليه والحال هذه اعتماد وسائل التهوئة الطبيعية للمنزل عبر فتح النوافذ والطوق، اما في ما يتعلق بالأطفال والفئة الأكثر تأثراً بالمواد الكيميائية كالنساء الحوامل، فلا يصح استخدام زجاجات الرضاعة البلاستيكية الصنع والمحتوية على مادة <بيسفنول> والتي يمكن التعرف عليها من خلال التدقيق على الغلاف عما اذا كانت تحمل رمز <PC7> او مثلثاً بداخله رقم 7، كما يجب تجنيب الأطفال الألبسة والألعاب المحتوية على <بوليفنيل كلورايد> فقد تحتوي على مواد مثل <الفتالات> إضافة إلى ضرورة عدم السهو عما قد تحتويه الأوعية البلاستيكية وغلافات الأطعمة من مواد ضارة والتي يجدر التحقق من وجودها عبر الرمز <PVC3> او مثلث بداخله رقم 3 ويجب عدم إدخال تلك الأوعية الى <المايكروويف> أبداً.

ويختم الدكتور فرح قائلاً:

– من جهة أخرى فإن بعض انواع الشامبو والمستحضرات التجميلية قد تحتوي على مادة سائلة شفافة وهي <الديوكسان 4-1> وتعتبر هذه المادة مسرطنة للانسان ويؤدي مفعولها التراكمي الى سرطانات عدة ومنها الأنف والجهاز التنفسي والكبد، كما قد تحتوي على مواد كيميائية أخرى ومنها ما يدخل في تصنيع مزيلات الروائح ومضادات التعرق مثل <اثبلين اكسايد> و<برزبيلين أكسايد> بالاضافة الى مادة البنزين الموجودة في طلاء الأظافر ومزيلاتها، وأذكر أيضاً مادة <تريكلوزان> والتي تدخل في صلب صناعة الصابون والسوائل المعقمة، فإن التعرض اليومي لتلك المواد من شأنه من خلال مفاعيله التراكمية زيادة خطر الاصابة بالسرطان. كذلك هناك مادة تعرف بـ<بارابين> وكانت قد أحدثت بلبلة اعلامية وجماهيرية حول ارتباطها السرطاني كونها قد تؤثر في الهرمون النسائي وتتسبب بالسرطان الا ان الدراسات المتوافرة حتى الآن نفت علاقة الصلة.

وفي النهاية، ان المطلوب من الجهات المختصة القيام بإخضاع المصانع الى نظام وضع علامة مشفرة على مستحضراتها التي تحتوي على المواد الكيميائية المعروفة بعلاقتها المباشرة بخطر الاصابة بالسرطان او نزع تلك المواد كلياً.