19 October,2018

  شعب يعيش في الماضي يحتضر!

بقلم سعيد غريب

SAM_5208في اغتيال مستقبل الشباب، يلجأ الناس الى ذكريات تعيش فيهم ولهم، ويتنفسون منها ويحرصون على التعلق بها لأنها خشبة الخلاص في نظرهم..

   إنه زمن زوال القيم وتفكك العائلة، زمن التجارة الرخيصة والإثارة المقرفة، إنه زمن الضياع والبحث عن أي شيء جميل لم يعد متوافراً سوى باستعادة الزمن الجميل، زمن عبد الوهاب والرحابنة وأم كلثوم  وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وكارم محمود ومحمد فوزي وصباح وفاتن حمامة وعمر الشريف، زمن <البيتلز> و<الفيس برسلي>، زمن <اديث بياف> و<شارل أزنافور> أطال الله عمره، زمن <غوستاف ايغيل> و<جان جاك روسو>، وجبران خليل جبران، زمن <شارل ديغول> و<فرانكلين روزفلت> و<جون كينيدي> و<شيكسبير>، زمن <ايزنهاور> و<نيكيتا خروتشوف> وجمال عبد الناصر.

   عندما يريد الناس سماع أغنية جميلة تعود الى الماضي، وحضور مباراة كرة قدم رائعة ترجع الى الذكريات، ومشاهدة امرأة ساحرة يفتحون الألبومات العتيقة..

   إنه فعلاً زمن انحطاط كبير،  التكنولوجيا تلغي الايديولوجيا والفكر والأدب وتأخذ في طريقها القيم وتدمّر العائلة بعدما استُبدلت العلوم الانسانية بالعلوم العبثية والاعلام الاستعراضي، وسيطر <الانترنت> على العقل و<الواتس أب> على النطق.

   في لبنان قصة لا تنتهي، الناس فيه، توّاقون الى غد أفضل، يحاولون لملمة الخراب في كل مرة، ولكن الاحباط يبقى سيد الموقف ويعيدهم الى الحياة المملّة كلما سنحت له الفرصة، والفرص في لبنان لاجتراح هذا الألم المُسمى <احباط> تكاد لا تنقطع.

   ومن مظاهر التخلّف المضحكة والمبكية في آن، ان بلاداً سبق ووقع فيها طوفان نوح لا تزال تفاجأ بشتاء 2015 كما لو كان أول شتاء في تاريخها، وسبق أن وُضع شعبها في أجواء ما سيخلّفه أول شتاء من جرف لنفايات تملأ الأرض منذ مئة يوم، ولا تزال تتفرج وتراقب المسؤولين وهم لا يدرون ماذا يفعلون ولا يريدون أن يعرفوا ماذا سيفعلون!!

   ويمكن القول ان الطبيعة كانت هذه المرة أكثر رحمة من المسؤولين والناس بإمهالهم مئة يوم قبل أن تعلن غضبها.

   الواقع ان الأزمات الكبيرة التي يتخبط فيها لبنان بانفجارها ثم بمضاعفاتها ثم بما أظهرته من واقع الادارة، وهو واقع متخلّف وبدائي وطفولي، هي التي أدت إلى طرح عشرات الأسئلة، ومعظمها طرحها اللبنانيون أنفسهم وفي طليعتهم الحاكمون أنفسهم والاداريون انفسهم والاقتصاديون انفسهم.

   ويبقى في طليعة الأسئلة: هل الدولة اللبنانية هي دولة؟ وهل القوانين اللبنانية قوانين؟ وتدريجياً وجد المواطنون أنفسهم أمام احراج حقيقي، فعلى الأجوبة يتوقف مصير وطنهم لا بالنسبة لتعلقهم به واستعداداً للدفاع عنه ــ هذا إذا بقي لديهم شيء من النخوة والحماس ــ بل بالنسبة لمصير الوطن كدولة عليها ان تثبت أهليتها للبقاء وقدرتها على البقاء ليستمر العالم في التعامل معها وفي معاملتها على هذا الأساس، وليست فضيحة النفايات سوى البداية!

   ان العالم لا يمزح ولا يرحم ولا ينظر الى اللبناني كمسيحي أو مسلم، كسني أو شيعي أو درزي، وعلى اللبنانيين أن يثبتوا بعد اليوم أهليتهم كدولة لا كأفراد فحسب، وان الاعتماد على الوقت لم يعد ينفع بعد الآن.

   صحيح ان اللبنانيين أدمنوا منذ عقود على المساعدات واعتادوا على الاصطفافات الداخلية والخارجية ووقفوا الى جانب <الأقوياء> وألّهوا <الزعيم>، ودائماً بفعل الخوف والتخويف، ولم تتعرف الأجيال الصاعدة على الدولة ومفهوم الدولة، إلا ان الصحيح أيضاً ان شغف الناس الجديد بالدولة يحتّم وجود الشرعية والتجانس، أي وحدة الصف، عندها يصبح الحكم أكثر قوة من جميع القوى المتصارعة، وتالياً ينشأ شعور عام لدى المواطن العادي بأن الوحدة الوطنية لا يمكن أن تتعرض للخطر من جانب أية قوة أخرى.

   وليس أفضل من العودة الى الدستور ولاسيما في هذه الأيام العصيبة، ففيه الدليل والمرشد والمعلّم، وهو القوة الحقيقية الباقية والفعّالة للتنفيذ.

   ليس أفضل من نزول <نواب الأمة> الى ساحة النجمة والاعتصام داخل المجلس النيابي حتى انتخاب رئيس جديد للجمهورية تنتظم بوجوده ومعه وفي معيّته الحياة السياسية والدستورية في البلاد.

   ليس أفضل من وضع قانون عصري للانتخابات فور انتخاب الرئيس العتيد وتأليف حكومة جديدة، أو اقرار القانون الذي أُشبع درساً ولاقى استحساناً من معظم المتعاطين بالشأن العام أو ما تبقى من غيارى على البلد، أعني القانون المعروف بـ<قانون فؤاد بطرس>.

   ليس أفضل من ترتيب البيت الداخلي على يد أهل البيت الداخلي، ولنردد مع الشاعر <بيكيت>:

   <والآن سأحاول تعويد نفسي على العيش وحدي>.