26 September,2018

شخصيات شيعية تجاوزت كل عقدة مذهبية بدءاً من صبري حمادة والشيخ محمد مهدي شمس الدين وحسين الحسيني والآن الرئيس نبيه بري  

بقلم وليد عوض

Mahatta00048 صورة واحدة عثرت عليها في مجموعتي تختصر كل الموضوع، ويتمثل فيها الإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين طيب الله ثراه، مع مفتي مصر السابق الشيخ نصر فريد في جامع الأزهر زمان التسعينات، واليد تشد على اليد، ليقولا للناس: <السنة والشيعة أبناء الاسلام، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا خلاف في الأساس بين السنة والشيعة، وان تنوعت الاجتهادات وهذا حق معلوم بالمعنى الديموقراطي وحرية الرأي واحترام رأي الآخر.

    ولبنان بمسلميه السنة والشيعة، إضافة الى المسيحيين، نموذج خاص في هذه المنطقة. فلا مصر تعرف مذهبية شيعية، ولا الأردن كذلك، ولكن في لبنان هناك خصوصية سنية ــ شيعية، وبقدر ما للسنة من حقوق، كذلك للشيعة أيضاً حقوقهم، ولكن الدفاع عن هذه الحقوق يتم بالأسلوب الديموقراطي، لا بالسلاح.

   وقد عرف لبنان شخصيات شيعية تجاوزت كل عقدة مذهبية. ففي العام 1958، بعد تلك الثورة العابرة، والثورة المضادة بقيادة حزب الكتائب، تألفت حكومة رباعية برئاسة رشيد كرامي، وعضوية الحاج حسين العويني، وبيار الجميّل وريمون اده، وجاء يومئذ من يقول لرئيس مجلس النواب صبري حمادة ان حق الشيعة ضائع في هذه الحكومة، باعتبار انها تضم ركنين سنيين هما رشيد كرامي وحسين العويني، فكان جواب الرئيس حمادة: بل نحن الشيعة ممثلون بالرئيس رشيد كرامي.

   وطغت حكمة الرئيس صبري حمادة يومذاك على كل نزعة مذهبية. فهو لم يخض معركة الاستقلال عام 1943 من بشامون، باسم الشيعة، بل باسم كل اللبنانيين، وأولهم السنة. وشيء من هذا القبيل تكرر مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عندما تنازل الرئيس نبيه بري عن بعض حصته الوزارية لفيصل كرامي وأعطي وزارة الرياضة والشباب، واعتبر الرئيس بري السني فيصل كرامي واحداً من ممثلي الشيعة.

   وعندما أطلق الإمام موسى الصدر، رد الله غيبته، صرخته الوطنية من منبر كنيسة الكبوشيين في باب ادريس مطلع السبعينات، ومعه في تلك الاطلالة باسم حركة المحرومين شخصيات غير شيعية مثل غسان تويني والأمير فاروق أبي اللمع، إنما كان يتحدث باسم المسلمين خاصة واللبنانيين عامة، ولم يكن ينطلق من حسابات مذهبية.

لبنان وولاية الفقيه

   وبهذه التوجهات جاء نائبه الإمام محمد مهدي شمس الدين، وتسلم مقاليد القيادة الروحية للمجلس الاسلامي الشيعي الأعلى. وكان الإمام شمس الدين، طيب الله ثراه، فوق كل نزاع مذهبي، وكان يقول ان قيام المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى هو لترتيب البيت الشيعي، وليس أكثر. وبوفاة الشيخ محمد مهدي شمس الدين، خسر المسلمون السنة حليفاً من أرفع طراز، وعلى هذا النهج يسير الآن نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان.

   فلبنان إذن لم يكن يعرف الريح المذهبية، الى أن قامت ولاية الفقيه في إيران، فصرنا نسمع عن شيعة المملكة السعودية وشيعة مملكة البحرين، وشيعة العراق، بعدما كان شيعة العراق أول نصير للرئيس جمال عبد الناصر، وغداة اعلان الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958، خرجت تظاهرات في بغداد أكثرها من الشيعة وراحت تهتف: <بدنا الوحدة باشر فيصل-كراميباشر (أي باكر باكر) من هالأسمر عبد الناصر>.

   وكان حلف عبد الناصر وعبد السلام عارف، ثم عبد الرحمن عارف، فوق كل اعتبار مذهبي. بل حتى الرئيس السابق صدام حسين لم يكن يفرق بين شيعة وسنة، ولم تنتشر هذه الريح المذهبية إلا في زمن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. وحتى سلفه الدكتور اياد علاوي كان محسوباً على السنة مثلما كان محسوباً على الشيعة. وبسبب النزعة المذهبية التي غذاها الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، أقدم نوري المالكي على حل الجيش العراقي، وكانت تلك غلطة عمره، لأنها فتحت الباب للصراع المذهبي، ولولادة تنظيم <داعش> الذي قام على ردة فعل العسكر السني المحال على التقاعد بالجملة والمفرق.

   وواشنطن تحصد الآن عواقب تسريح الجيش العراقي أو جيش صدام حسين.

<داعش> والريح المذهبية

 

   وأتى جيش تنظيم <داعش> ليزيد نار المذهبية في العراق استعاراً، ويعمّق الخلاف بين السنة والشيعة، ودخلت إيران على الخط لتنصب نفسها محامية عن شيعة العراق، وكل ما يتعلق بهم ينبغي أن يمر من تحت قنطرتها، كما ان إيران لم توفر لبنان من نفخ الروح المذهبية بين شيعة وسنة، وما حوادث 7 أيار الشهيرة في بيروت، إلا العينة والمثال، علماً بأن السنة رحبوا بالثورة الإيرانية مع نهاية عام 1979، ووجدوا في الإمام <الخميني> الآتي من منفاه في باريس حين كانت له خيمة يبث منها مبادئ الثورة، رمزاً للحرية والنضال الشعبي، والخلاص من أشباح الفقر التي كانت تعشش في الأحياء الشعبية، ومنها حي <كهريزك> في طهران، والترقي بالانسان الايراني، في المحافل الجامعية، حتى ولد جيل التعاطي مع الملف النووي.

   بل أشهد أنني زرت عام 1979 البرلمان الايراني المسمى <مجلس شورى انقلاب> ووجدت على أعلى مدخل البرلمان صورة لياسر عرفات، حليف الثورة الايرانية، ولم يكن هناك اعتراض على صورة السني ياسر عرفات، فقد كان التعاطي في هذا الموضوع بين ثورة وثورة.

   إلا ان ولاية الفقيه فرشت ظلالها في إيران، وهي ولاية الإمام الثاني عشر الذي أضاعته أمه في مجاهل سمراء، قبل أن يبلغ سن العاشرة، وبقي هذا الإمام الثاني عشر يحكم الحياة المذهبية الشيعية في إيران، ويجلس في منصة قيادتها الآن مرشد الثورة الأعلى الإمام <علي خامنئي>.

   ومن نعم الله على لبنان أن يكون في سدة قياداته ذلك الزمان الغابر زعماء شيعة من طراز الرئيس صبري حمادة والإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والعلامة السيد محمد حسين فضل الله، والرئيس حسين الحسيني الذي حقق مكاسب اتفاق الطائف عام 1989 باسم كل اللبنانيين لا باسم الشيعة وحدهم. وحتى الرئيس كامل الأسعد، رحمه الله، لم يكن يسلك التوجه المذهبي، ومثله الرئيس عادل عسيران أحد أبطال الاستقلال في قلعة راشيا.

nouri-al-maliki 

السنة ومحادثات فيينا

 

   والسنة في لبنان لا ينظرون الى المحادثات الجارية في فيينا بين إيران والدول الست برئاسة الولايات المتحدة، على أنها محادثات بين شيعة وأوروبيين وأميركان، بل ينظرون إليها كحالة تفاوض بين بلد اسلامي ومجموعة أوروبية ــ أميركية، والهاجس النووي يسكنهم، كما يسكن الأوروبيين والأميركان، لأن إيران النووية خطر على المنطقة، مثل اسرائيل، ومن هنا تأتي مطالبة مصر ودول الخليج بأن يكون لها مفاعل نووي للأغراض السلمية، حتى تتساوى في هذا الحق مع إيران التي تحاول في اجتماعات فيينا، أن تقنع المجتمع الدولي بأن التخصيب النووي هو للأغراض السلمية لا لامتلاك القنبلة النووية.

   لكن المفاوض الأميركي، ومعه المفاوض الفرنسي، يصران على أن يكون توقيع إيران على اتفاق فيينا شاملاً للصواريخ البالستية الإيرانية البعيدة المدى، فيما إيران تعتبر ان رفع العقوبات الدولية عن الصواريخ البالستية يجب أن يكون جزءاً من بنود الاتفاق، ويجب عدم ربطها بالمسألة النووية، وان النظام الصاروخي لا علاقة له بالبرنامج النووي.

   وفي هذا المأزق علقت محادثات فيينا، وتراوحت النتائج بين نجاح و.. فشل.

   وبعيداً عن فيينا، يبقى الوفاق السني ــ الشيعي الذي ينشط في قصر عين التينة برعاية الرئيس نبيه بري الذي تخطى هو الآخر كل الاعتبارات المذهبية، بين تيار <المستقبل> بركنيه الوزير نهاد المشنوق وسمير الجسر وحزب الله، وهذه المحادثات هي صمام الأمان ضد أي اشتعال مذهبي في لبنان. واختلاف الرأي ــ كما يقول أمير الشعراء أحمد شوقي ــ لا يفسد للود… قضية!