21 September,2018

شبــــح ”ديــــن بــــراون“ يـعــــود الــى الـمـنـطـقـــة!

 

بقلم وليد عوض

raii-aoun----1

تبقى مجزرتا طنطا والاسكندرية شاغلاً لنا في حياتنا اليومية. ذلك أن المسيحي في الشرق الأوسط، سواء أكان قبطياً في مصر، أو من الأقليات في العراق، يبقى جزءاً لا يتجزأ من الكيان الوطني في هذه المنطقة، من زمن الملك السعودي المؤسس عبد العزيز آل سعود طيب الله ثراه، حين اصطفى من المستشارين المسيحي اللبناني أمين الريحاني، والملك فاروق ومصطفى النحاس باشا في مصر حين اصطفيا السياسي القبطي كريم تابت ذا الأصول المسيحية اللبنانية ليكون واحداً من أركان الدولة، وحين اصطفى الرئيس السوري شكري القوتلي من أبناء سوريا المسيحيين المفكر فارس الخوري ليترأس وفد سوريا الى لوس انجيلوس لبناء هيئة الأمم.

والرئيس جمال عبد الناصر كان شديد الاهتمام بوزير الاقتصاد كمال رمزي استينو، لا لأنه كان صاحب موهبة سياسية وحسب، بل لأنه كان مسيحياً قبطياً، وهذا الاهتمام كان ولا يزال جزءاً من الاعتراف للمسيحي العربي بدور في سياسة المنطقة، كيف لا وعدد المسيحيين الاقباط في مصر يتجاوز الآن الاثني عشر مليوناً؟

أن تكون مؤمناً بالعمل القومي العربي يعني أن تعترف للمسيحي بحضوره ودوره في سياسة المنطقة، لا فقط تمشياً مع قول سقراط <أنا أفكر إذن أنا موجود>، بل كذلك للحفاظ على النسيج الوطني لهذه البلاد. وما أروع أن يكون المسيحي ميشال عفلق مؤسساً لحزب البعث، وأن يكون المسيحي الدكتور جورج حبش مؤسساً لتيار القومية العربية انطلاقاً من الجامعة الأميركية في بيروت، وأن يكون المسيحيون أنطون الجميل وداوود بركات وسليم وبشارة تقلا من أركان جريدة <الأهرام>، وكذلك المسيحيان يعقوب وفؤاد صروف من مؤسسي جريدة <المقطم>. مسيحيين ولكن أصحاب لغة قومية عربية.

وملامح السياسة الدولية الآن توحي بأن هناك خطة مدروسة لتفريغ المنطقة من المسيحيين ونقلهم الى الولايات المتحدة. وهذا يؤكد أن هذا الاقتراح الذي قدمه المبعوث الأميركي <دين براون> الى الرئيس سليمان فرنجية عام 1975 لم ينطفئ على الورق، بل ما زال ساري المفعول، وما مشروع <الشرق الأوسط الجديد> الذي بشرت به المبعوثة الاميركية <كونداليسا رايس> لم يفقد جناحيه، بل ما زال يرفرف بهما عندما تحين المناسبات، وما هذا المخطط إلا لتخريب موجة القومية العربية التي طالت كل عواصم المنطقة وجعلت المواطن العراقي مسلماً ومسيحياً، ينزل الى الشارع في بغداد عام 1960، بعد قيام الجمهوريتين المصرية والسورية، ليهتف <بدنا الوحدة باشر باشر (أي باكر باكر) من هالأسمر عبد الناصر>.

لم يكن للغة الطائفية مكان في ذلك الزمان العربـــــي الزاهــــــر، ولا كان هناك تصنيف بين مسلم سني ومسلم شيعي ومسيحي أرامي عراقي. كانوا جميعهم في فلك العمل القومــــي العــــربي يسبحـــــون. وانتشار الرئيس الأميركي الجديد <دونالد ترامب> في المنطقة العربية رهن بحماية العنصر المسيحــــــي في لبــــــــنان والعـــــراق ومصـــــر والأردن وسوريـــــــا، مــــن أي تمزيــــــــق. والاستمـــــرار في التصنيــــف بــــــين سنـــــي وشيعـــــي ومسيحــــــي يسفـــــــــح الامـــــــــل برجوع القومية العربية الى صباها.

 

الصوت المسيحي تحت الطلب

الرئيس اللبناني ميشال عون بحكم خبرته العسكرية الطويلة، وقراءته المستمرة لأحداث المنطقة، يعلم بالمؤامرة التي تهدد المسيحي العربي ويتعامل معها بذكاء ودراية، فنجده من أشد الناس حرصاً على الواجبات الدينية، وما غاب عن قداس في بكركي أو في مطرانية الموارنة، أو في الكسليك، ومعه دائماً عقيلته السيدة ناديا. فهو قبل كل شيء الرئيس المسيحي الوحيد في المنطقة، والمؤتمن على وجود المسيحيين طولاً عرضاً، وحين يشارك في القمم والمؤتمرات العربية، فلكي يبرهن على الوجود المسيحي في المنطقة وعلى الدور المسيحي في الإمساك بزمام الأحداث. وإذا كان ميشال عفلق، أو جورج حبش، قد أرتكبا خطأ في الممارسة، فليس معنى ذلك أن المسيحية قد أضاعت البوصلة.

والدور هنا، كما يقول البطريرك بشارة الراعي في عظة الفصح، هو دور المسلم في دعم الوجود المسيحي في المنطقة تكريساً للتنوع والتعددية في هذه المنطقة من العالم، واتخاذ الحالة اللبنانية مثالاً يحتذى في العالم. وحين قال البطريرك الراعي في عظة الفصح ان الوقت قد حان لدحرجة الحجر عن الحفرة المحبوس فيها قانون انتخابات جديد، إنما كان يخاطب اللبنانيين جميعاً، وحين دعا الرئيس ميشال عون اللبنانيين من بكركي الى التعامل مع لبنان كرسالة إنما كان يخاطب كل اللبنانيين دون استثناء.

والشهر الكامل الذي دعا البطريرك الراعي الى دحرجة الحجر لصالح قانون انتخاب جديد، إنما هو فرصة تاريخية للبنانيين حتى يصلوا الى الاتفاق على قانون جديد للانتخابات، تماماً كما نجح وزير الداخلية ابن الكورة الشيخ ادمون كسبار زمان لقاء-الاربعاء----21960 في دحرجة الحجر عن قانون الانتخاب الجديد المستمر في التداول منذ سبعة وأربعين عاماً. وكما قال الرئيس سعد الحريري فالوصول الى قانون انتخابي جديد يتطلب التضحيات من كل الفرقاء، والتضحية من أجل الوطن عمل مقدس.

وقانون الانتخابات الذي هو الآن قيد التداول لا يغرق في النظام النسبي بشكل كامل، بل يجمع بين النظام النسبي والنظام الأكثري، وكما يقول الرئيس نبيه بري في مجالسه، ولاسيما مجلس يوم الأربعاء، أن الأحزاب قد تخسر بعض مقاعدها، ولكن تلك الخسارة إذا وقعت هي الشمعة التي يضيئها اللبنانيون من أجل مستقبل وطني أفضل. وهذا يعني أن النواب الحاليين لن يكونوا مئة وثمانية وعشرين نائباً، كما الحال الآن، بل يتراجع منهم عدد من الذين تقدمت بهم السن، مثل النائب عبد اللطيف الزين، الذي ضرب الرقم القياسي في التمثيل النيابي، والنائب مروان فارس الذي قد يكون له بديل في انتخابات البقاع الشمالي، أو يعود نائباً من جديد، إذا رأى حزب الله أنه الرجل المناسب.

ولئن كانت مناطق في الجنوب ستحافظ على أكثر نوابها، فإن ثمة حركة سياسية في الشمال لصالح وجوه سياسية جديدة في البرلمان، مثل الوزير السابق اللواء  أشرف ريفي، وعند الرئيس سعد الحريري قناعة بأن النائب السابق الدكتور مصطفى علوش جدير بتمثيل طرابلس، ولاسيما أسواقها القديمة في برلمان 2017، كما يرى في بعض الوجوه الجديدة جدارة في تمثيل العاصمة الثانية وإخراجها من وهدة العدم المعيشي.

وبيروت هي أيضاً ستعيش حالة تغيير في الصف النيابي، بعدما أعلن رئيس لجنة الأشغال البرلمانية النائب محمد قباني عزوفه عن خوض المعركة المقبلة، وقد يكون ذلك لصالح مرشح آخر من آل قباني هو الوزير السابق الدكتور خالد قباني. ويمكن لهذه التكهنات أن تصطدم بعدم ولادة قانون انتخابي جديد، وتبقى الأمور على حالها، إلا إذا قرر الرئيس نبيه بري وحزب الله دعوة بعض النواب الى الاستقالة، ليحل مكانهم نواب آخرون، وهو الأمر الذي ينطبق على طرابلس التي خسرت نائبين هما بدر ونوس عن الطائفة العلوية، وروبير موريس فاضل عن الروم الأرثوذكس، ونائب جزين الراحل ميشال حلو بحيث لا يكون هناك مناص من انتخابات فرعية يأتي على جناحيها ثلاثة نواب جدد.

والرئيس عون يدرك تماماً ما هي مفاعيل عدم وجود قانون للانتخابات. ولذلك أيقظ المادة 59 من الدستور المؤسس عام 1926، ليرجئ الانتخابات النيابية شهراً، وخلال هذا الشهر لا بد وأن تكون الكتل النيابية قد اتفقت على مخرج من الرواق المظلم لقانون انتخابات سنة ستين الذي توصل اليه وزير داخلية ذلك الزمن المرحوم الشيخ ادمون كسبار ويعلم تماماً أن البلد يصبح على فوهة بركان، إذ لم يكن هناك قانون انتخابات جديد، وجرى التمديد الثالث لمجلس النواب.

أي ان أمام حكومة الرئيس الحريري شهراً واحداً لكي ترتب أوراقها وتنجز للناس ما يشتهونه من أمن واستقرار ومؤسسات ديموقراطية، وأكثر الذين يتعين عليهم تقديم الخدمات العامة الى الناس المنكوبين في معيشتهم هم وزراء الزراعة والصناعة والاقتصاد والتجارة حيث الكلمة للرغيف أولاً وآخراً.

فأي صورة ستكون عليها مرحلة ما بعد شهر المادة 59 من الدستور؟ وأي ملامح دستورية ستطل على اللبنانيين في شهر أيار/ مايو المقبل؟ ولأن لكل سؤال جوابه فالتعجيل في إنجاز قانون جديد للانتخابات هو الذي سيحمي لبنان من حرب أهلية جديدة  توجس من شرها الرئيس سعد الحريري في خطاب عيد الفصح.

لقد كان شهر أيار/ مايو منذ أيام الرئيس رشيد كرامي عام 1969 شهر النكبات الذي أدى الى إنشاء مواقع <فتح لاند> في الجنوب بموجب اتفاق القاهرة. ويعلق اللبنانيون الآمال على شهر أيار/ مايو المقبل ليكون شهر الخلاص، بعدما مهد له الرئيس ميشال عون بفتح أبواب القصر الجمهوري يوم عيد الفصح أمام الأطفال، ليكون مقر الدولة قصر الشعب بلا منازع!