14 November,2018

شباط شهر التسوّق والتنزيلات لكن حركة الأسواق خجولة

 

بقلم طوني بشارة

الحمرا----1  

بات شائعاً لدى الجميع بأن شهر شباط/ فبراير هو <شهر التسوق> في لبنان حيث تنتشر العروضات الجذابة والأسعار شبه الخيالية المزينة لواجهات المحلات التجارية، والتي تلعب دوراً بارزاً في لفت انتباه المارة واستقطابهم إلى داخلها، ففي السنوات الماضية كان الزبائن ينتظرون شهر شباط/ فبراير من اجل التبضع لموسم العام المقبل.

ففي السابق ومثل هذا الوقت من السنة، كانت شوارع لبنان تزدحم بزبائنها، أملاً بالحصول على احتياجاتهم المناسبة لذوقهم من جهة ولقدرتهم الشرائية من جهة أخرى، إلا أنّ هذه السنة مختلفة تماماً عن السنوات الماضية، حيث بدأت الحسومات منذ شهر كانون الأول (ديسمبر) اي شهر الاعياد، وارتفعت تدريجياً لتترواح بين 50 و70 بالمئة، وهذا ما يراه المارة على واجهات المحلات أثناء تجولهم، في حين أن آخرين وفّروا هذا العناء وزينوا واجهتهم بالعروضات مثل <3 قطع بـ15000 أو القطعة بـ10000> أوبجدول يبين الأسعار قبل وبعد عملية الحسم.

هذه المشاهدات تشير بوضوح إلى أن حركة البيع في الأسواق التجارية باتت منخفضة، ويعود ذلك لانتشار ظاهرتي الفقر والبطالة، ناهيك عن عاملي اللجوء وهجرة الشباب، وما نتج عنهما من تأثيرات مهمة، تأثيرات تزامنت مع الانعكاسات السلبية للأزمة السورية ولملف اللاجئين الذين تجاوز عددهم المليون والسبعمئة ألف بين مسجل وغير مسجل على الواقع الإقتصادي، مما ساهم في إرتفاع نسبة البطالة إلى حوالى 20 بالمئة، وبالتالي نجمت عنها هجرة الشباب اللبناني>.

 

أزمة القطاع التجاري

 

وكبقية القطاعات الاقتصادية التي تأثرت بالاوضاع الامنية والسياسية المجاورة، القطاع التجاري اللبناني يعيش الازمة نفسها، هذا القطاع الذي تكبد خسائر كبيرة بالاضافة الى الاقفالات العديدة التي طالت العديد من المحال التجارية(لاسيما المحلات المخصصة لبيع الالبسة والاحذية) يحاول الصمود وسط تردي الاوضاع الاقتصادية من جهة، ووسط العاصفة الامنية المحيطة بنا من جهة اخرى، فبالرغم من انتخاب رئيس للجمهورية لا يزال الامن والاستقرار السياسي الاقليمي وعودة السياح هي المفتاح الرئيسي لنمو القطاعات الاقتصادية ومنها القطاع التجاري الذي يعتبر العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، وبالرغم من اهمية هذا القطاع ودوره اقتصادياً  إلا انه لا يزال يعاني من جراء أحداث السنوات الخمس الماضية ولا يزال التجار يرفعون الصوت عالياً.

تانيا-يونان-----3

حركة خجولة

لا تزال الحركة التجارية في لبنان خجولة، كما ان حركة السياح شبه معدومة مما انعكس سلباً على القطاع التجاري حيث كان التجار قد أملوا بموسم واعد بعد فترة الاعياد وما ترافق معها من انتخاب للرئيس، كما أملوا بموسم قادر على تحريك العجلة وتعويض جزء من الخسائر، لكن آمالهم باتت مجرد أحلام وتمنيات.

وفي جولة لـ«الافكار» على الاسواق التجارية بدءاً من الحمرا الى الدورة وفرن الشباك وصولاً الى شارع مار الياس ومروراً بالاحياء والاسواق الشعبية كبرج حمود والزلقا وصولاً الى أسواق الجديدة وجونيه وجبيل… تبين ان التجار اعدوا العدة واستعدوا لاستقبال شهر التسوق حيث عمد البعض منهم الى وضع التنزيلات على واجهات محالهم التجارية وقد ناهزت الـ50 و60 بالمئة، وذلك في خطوة لتشجيع اللبنانيين على الشراء والتبضع وكسر حلقات الجمود التي يعيشها القطاع التجاري اللبناني.

ففي شارع الحمرا تلألأت المحال التجارية بالعروضات المقدمة من قبل التجار حيث عمد هؤلاء إلى الإعلان عن التنزيلات والعروضات لجذب اللبنانيين بالدرجة الاولى، ومن ثم جذب السياح للعودة الى لبنان بالدرجة الثانية.

تراجع سنوي في حركة البيع

 

لكن هذه السنة بقيت حركة البيع منخفضة بالرغم من التنزيلات العالية، وفي العادة تكون الحركة مرتفعة نسبياً، <لكن الناس أصبحت تفاضل شيئاً عن شيء آخر>، هكذا يصف طوني حرب صاحب <محلات نازا للألبسة>، الحركة التجارية في السوق، فيشير حرب إلى تراجع حركة البيع هذه السنة مقارنة بالسنة الماضية، حيث لم يُرصد إقبال على الشراء بالرغم من الحسومات المرتفعة (تجاوزت الـ60 بالمئة على بعض الالبسة) عدا عن كون العروضات قد بدأت قبل شهر شباط/ فبراير، ملاحظاً <أنّ الحركة تتراجع كل سنة عن سابقتها>.

ويتابع حرب قائلاً:

– اضافة الى تراجع الحركة هناك مشاكل أخرى منها: إنخفاض نسبة السياح خاصة لجهة السياح الخليجيين، وسوء الطقس الذي لا يساعد في زيادة الحركة، ناهيك عن تراجع إقبال المواطنين على الشراء بالرغم من كل الحسومات، فالحركة <شبه معدومة> والمواطن بات يعيش حالة من اليأس وهو في حيرة من امره، فكل ما يحيط به من بطالة وتراجع او حتى فقدان فرص العمل يشكل لديه حالة خوف وتوتر.

 

الـقـصـيفــــي وسبب تراجــع

جورج-فرحات-1----55 حركــــة الشــــــراء

موقف رفيق القصيفي مطابق كليا لموقف حرب، اذ يقول القصيفي:

– في السنوات الماضية كانت الناس تتبضع خلال الحسومات في شهر شباط/ فبراير، وتشتري البسة واحذية بمقاسات اكبر لابنائها من اجل الاستفادة منها في السنة المقبلة، لكن في الوقت الحالي وبسبب محدودية المعاشات وتراجع القدرة الشرائية وعدم وجود ضمانة او تقديمات اجتماعية للمواطن، نراه للأسف بات يتوجه نحو العروضات لتحصيل فائدة أكبر، فيتجنب السلع الباهظة الثمن، ويستبدل الأغراض الأصلية بالتقليدية لأنها <أوفر على الجيبة>. ويتابع القصيفي حديثه معرباً عن أن هذا الأمر لا ينطبق فقط على الألبسة بل أيضاً في <السوبر ماركت>، ولا يخفى على أحد انه وبالرغم من التخفيضات فإن معظم الزائرين ينتظرون دورهم أمام المحاسبة، ويخرجون حاملين بضع أكياس. في الوقت عينه، هناك من ألقى نظرةً عن كثب على البضائع وخرج فارغ اليدين منتقلاً إلى المحلات المجاورة، عسى أن يحصل على مبتغاه بأقل تكلفة.

فرحات واستراتيجية شد الاحزمة

بدوره جورج فرحات المدير التنفيذي لمحلات <فرحات للألبسة> أعلمنا بأن محلاتهم اتبعت خلال فترة الاعياد استراتيجية تسويقية تعتمد على مبدأ جذب الزبون للشراء عن طريق تخفيض الاسعار بنسب لامست الـ30 بالمئة، وهكذا إجراء لا يتم اعتماده اساسا في فترة الاعياد ولكن للضرورة أحكام، وقد نجحت استراتجيتهم في رفع نسبة المبيعات حوالى 50 بالمئة خلال فترة كانون الاول/ ديسمبر وكانون الثاني/ يناير، وقد يكون سبب ذلك عائداً للطلب الموسمي او للطلب بسبب الاعياد.

وتابع فرحات قائلاً:

– ما ان انتهت فترة الاعياد حتى عاد الجمود والركود الى السوق، لذا مع بداية شهر شباط/ فبراير اي شهر التسوق ضاعفنا التخفيضات حتى وصلت على بعض السلع الى حدود الـ70 بالمئة، وقررنا اعتماد استراتيجية شد الاحزمة وعصر النفقات وذلك من أجل الصمود والبقاء لا بل من اجل محاربة الازمة التي نمر بها وهي ازمة لا نظير لها اطلاقا، ونأمل ان تتحسن الاوضاع في اسرع وقت ممكن فبالفعل بتنا كتجار غير قادرين نفسياً على تحمل تبعات الازمة، ولا نية اطلاقا لدى <محلات فرحات للألبسة> بتخفيض عدد الموظفين ولا حتى باستبدالهم بموظفين اجانب، على اعتبار <ان قطع الارزاق من قطع الاعناق>.

 

زعرور وقلة الأموال

نترك فرحات ورغبته بعدم طرد الموظفين لنلتقي بفرسان زعرور تاجر الأحذية منذ عام 1960 حيث أكد لنا بأن لبنان، وحتى خلال فترات الحرب، لم يشهد جموداً وركوداً اقتصادياً مماثلاً للركود الحاصل حاليا، فالحركة شبه معدومة وذلك على الرغم من التخفيضات التي اعتمدها كافة التجار في لبنان، وهي تخفيضات تراوحت بين 20 و30 بالمئة على موديلات العام، و50 بالمئة و70 بالمئة على موديلات الاعوام السابقة، والزبون معذور في حال اراد المساومة على السعر وهو يساوم ايضا على أسعار السلع التي تطالها تخفيضات 70 بالمئة، ويعود سبب مساومته لقلة الاموال بين يديه جراء تدني مستوى الاجور والبطالة والمزاحمة الاجنبية، فالزبون معذور على اعتبار ان امكانياته المادية اصبحت محدودة لا بل معدومة، لذا اعتقد انه لا بد من السعي لإيجاد حل لمسببات الازمة على اعتبار ان المواطن كما التجار سئموا الركود وقلة الاموال بين ايديهم، وبات المواطن يفضل ان يصرف امواله لتأمين اساسيات المتطلبات في الحياة مثل الاكل والتعليم والطبابة فيما بدأ يتأقلم وفكرة ان الالبسة والاحذية هي من كماليات الحياة.

فرسان-زعرور----7 

يونان واجراءات التخفيض

 

اما المحللة المالية تانيا يونان فأعلمتنا بأن كافة المحلات التجارية قد زينت واجهاتها خلال فترة الاعياد الى جانب زينة الميلاد بيافطات وشعارات جذابة تعلن من خلالها عن تخفيضات تراوحت نسبتها ما بين 25 و40 بالمئة، وهنا لا بد من التأكيد بأن إجراء كهذا في ظل فترة الاعياد لا يعتبر دليل عافية اقتصادية ومالية، ففي منطق التسويق يتم اللجوء الى سياسة جذب الزبون للشراء عن طريق اعتماد مبدأ التخفيضات على الاسعار في فترة الركود، علما ان فترة الاعياد وعن لسان كافة التجار تعتبر فترة ذروة المبيعات، لذا إجراء كهذا يؤكد بأن التجار سئموا من الجمود وحاولوا بشتى الطرق خلال فترة الاعياد تحريك مبيعاتهم حتى ولو كان ربحهم محدوداً.

وتستطرد يونان:

– نسبة المبيعات خلال فترة الاعياد ارتفعت نوعاً ما بحدود الـ20 و30 بالمئة، مما دفع التجار وفي كافة المناطق الى اعتماد مبدأ مضاعفة التخفيضات خلال شهر شباط/ فبراير الذي يعتبر بالنسبة للجميع شهر التسوق في لبنان، علما ان نسبة الـ70 بالمئة وبجولة ميدانية على المحلات التجارية تم تخصيصها اما للسلع ذات الموديلات الكلاسيكية واما للسلع التي لم تعد متوافرة الا بمقاسات معينة، اما نسبة التخفيضات المتراوحة ما بين الـ20 والـ50 بالمئة فقد تم وضعها على السلع ذات الموديلات الجديدة من اجل بيعها بالكامل وتأمين الاموال اللازمة للتجار من اجل شراء سلع ربيعية وصيفية، ولكن وبالرغم من هذه التخفيضات لا تزال الحركة معدومة، فالسياح عددهم قليل، والمواطن للأسف امكانياته المادية محدودة وهو يفضل تأمين مستلزماته الاساسية من طبابة وتعليم ومأكل…

وتختم يونان: بالفعل التجار يمرون بأزمة حقيقية والعديد من المؤسسات قد اعلنت افلاسها، وفي حال استمر الوضع على ما هو عليه فبالتأكيد سنشهد اقفالاً بالجملة للعديد من المؤسسات التجارية، وسبب هذا الجمود عائد لقلة فرص العمل من جهة، ولانتشار ظاهرة البطالة بسبب مزاحمة اليد العاملة الاجنبية وضعف الرواتب من جهة ثانية، لذا لا بد من اجراء معالجة فورية للأزمة وذلك عن طريق الاقتناع بمسبباتها الرئيسية ومن ثم اللجوء الى تصحيح الرواتب والاجور، مع تأمين ايرادات للسلسلة بطريقة لا تمس جيوب المواطنين علما انه بإمكان المسؤولين تأمين ايرادات السلسلة بطرق متعددة لا تمس جيوب المواطنين، وهي طرق تحدثنا عنها سابقا ونأمل ان يتم اخذها بعين الاعتبار.