15 November,2018

لوحات جبران خليل جبران في ”Petit Palais“ في باريس

 

بقلم وردية بطرس

--لوحة-جبران-خليل-جبران-في-متحف-بوتي-باليه-في-باريس

بعد 97 عاماً على وفاة الاديب اللبناني جبران خليل جبران تحقق حلمه… اذ لطالما حلم جبران بالآتي: <يوماً ما ستُنقل لوحاتي الى مدينة كبيرة، حيث ستتأملها الشعوب وقد تحبها>، بهذه الكلمات عبّر جبران خليل جبران يوماً عن أمنياته الدفينة. ولأنها مؤمنة بفن جبران نقلت سينتيا سركيس برّوس لوحات جبران من متحف جبران في بشري الى متحف <Petit Palais> في باريس، لاعطاء الجمهور العالمي لمحة عن فنه من خلال معرض <حياة جبران>.

ويطغى التصوف على أعمال جبران الذي أبدى اهتمامه في الأسرار الدينية وعلاقة الانسان بالله. في فنه يركز الفنان على فكّ رموز لا تزال غامضة في انسانيتنا. فيقول: <الفن خطوة من المعروف الظاهر نحو المجهول الخفي>. لقد نظمت سينتيا سركيس برّوس في 1 آذار /مارس الماضي عشاء جمع الأشخاص الأكثر تأثيراً في المجتمع لتكريم جبران خليل جبران وللاحتفال بهذه الموهبة اللبنانية والفن الانساني. لم تكن هذه المبادرة لتتحقق لولا الدعم الكبير الذي قدّمه <أندريه جورج اليوفتس> بهدف اعلاء اسم بلده لبنان عالياً عالمياً، مشاركاً المجتمع الفرنسي الفن اللبناني. لم تكن هذه المبادرة لتتحقق أيضاً لولا دعم لجنة جبران الوطنية التي ساهمت بتقديم جبران الى المجتمع الدولي كرسام وفنان وليس ككاتب وشاعر فقط يعرفه الجميع من خلال كتابه الشهير <النبي> المترجم الى مئات اللغات. فمن خلال <حياة جبران> سيتذكر الجميع جبران لمهاراته الفريدة في الرسم، هو الذي وصفه النحات الشهير <رودان> بـ<فنان القرن العشرين>. وقد شكل العشاء التكريمي فرصة لتقديم فنانين محليين آخرين مثل النحات الموهوب، الرسام والشاعر رودي رحمة المولود في بشري وأحد أعضاء لجنة جبران خليل جبران ولجنة أصدقاء غابة الأرز. وتسنّى للحضور الاستمتاع بموسيقى المؤلف وعازف البيانو جورج طنب الذي اعترف بموهبته عدد كبير من الأوركسترا العالمية مثل الأوركسترا السمفونية في <سان ريمو> و<أوركسترا أتوت> في <فيينا> التي عزفت موسيقاه.

لقد رحّبت سينيتا سركيس برّوس بجميع المدعوين مثل <ايمانويل بيرت>، <باتريك فيوري> وايلي صعب، وشكرت كل الداعمين قائلة:

– لو كان جبران موجوداً معنا الليلة، لكان تأثر برؤية حلمه يتحقق. فقد أصبح العالم كله يعرف الآن موهبته في الرسم وحصل على الاعتراف العالمي الذي يستحقه. اليوم فرنسا ولبنان فخوران بمساهمتهما في التقدم الفكري والروحي لهذا الرجل العظيم الذي بشّر بالسلام والحب. ولقد قال جبران يوماً: <آمنوا بأحلامكم ففيها تجدون باب الخلود>. بعد سنين من العمل الشاق والجهود الجبارة، أنجز مشروع سينتيا سركيس برّوس في <Petit Palais> حيث عرّفت عن جبران خليل جبران كرسام اضافة الى كونه شاعراً وكاتباً أيضاً.

 

سينتيا سركيس وتحقيق الحلم

فكيف انطلقت فكرة نقل لوحات جبران خليل جبران من متحف جبران في بشري الى متحف <بيتي باليه> لتُعرض للمرة الأولى في أوروبا، وكيف تمت التحضيرات؟

 <الأفكار> التقت سينتيا سركيس برّوس وكان لها حديث مطول عن تحقيق حلم جبران والمشاريع الثقافية التي تظهر وجه لبنان المشرق.

سينتيا-سركيس-مع-ايلي-صعب-وشخصيات-فرنسية-في-متحف-بوتي-باليه-في-باريس ونسألها عن سبب اهتمامها بنقل لوحات جبران الى متحف <بيتي باليه> في باريس فتقول:

– عندما كنت صغيرة أهدتني جدتي كتاب <النبي> لجبران خليل جبران باللغة الانكليزية، واحتفظت بالكتاب لغاية اليوم. وعندما زارت سلمى حايك لبنان طلبت مني ان اهتم بزيارتها. وبالفعل اهتممت بالأمر وزرنا سوياً متحف خليل جبران. واعجبتني لوحات جبران كثيراً اذ لم يسبق انني زرت متحف جبران في بشري من قبل، واكتشفت كم ان لوحات جبران رائعة ومدهشة وقلت لنفسي إنني سأنقل لوحاته الى <بيتي باليه> في باريس لتُعرض هناك ويُحكى عن لوحاته. والسبب انني فكرت بنقل لوحاته الى <بيتي باليه> هو لأنني اقيم في هذا المتحف دائماً الأحداث الثقافية والفنية، فمثلاً سبق ان نظمت عرض أزياء لمصممي أزياء قاموا بتصميم ثياب لألعاب ليذهب ريعها الى اليونيسف، ولهذا قررت ان هذا المتحف هو المكان المناسب والذي يجب ان تُعرض فيه لوحات جبران خليل جبران، اذ كلما كنت أذهب الى متحف <بيتي باليه> كنت استمتع بمشاهدة لوحات لـ<بيكاسو> و<فان غوغ> وغيرهما من الرسامين والفنانين العالمين المشهورين، وقلت لنفسي لماذا لا نأتي بلوحات جبران خليل جبران الى هذا المتحف. وبدأت أتصل بالوزراء والنواب لنقوم بهذه الخطوة، لكنهم لم يتجابوا معنا وقالوا انه ليس من الضروري ان تُنقل لوحاته الى الخارج لأنه بالأساس معروف عالمياً. ولكنني أصررت ان أنفذ هذه الفكرة لأنني أعرف أهمية اللوحات عندما تدخل الى هذا المتحف في باريس، لأنني أدركت ان الفرنسيين سينظرون الى هذه اللوحات نظرة مختلفة.

وأضافت:

– لقد أقمت عشاءً خاصاً لأنه كان مكلفاً نقل تلك اللوحات الى هناك من حيث الشحن والتأمين وغيرها من الأمور، اذ نقلنا 25 لوحة وأردت ان أجذب كبار الشخصيات في فرنسا ليأتوا الى الحفل ويشاهدوا تلك اللوحات وليتحدثوا عنها. اذ ركّزت على الأشخاص الذين يفهمون بالفنون لكي يتحدثوا عن جبران خليل جبران لتأخذ هذه الأهمية. كما ان الصحافة اللبنانية قامت بتغطية كبيرة لهذا الحدث، اذ الكل يتحدث عن كتاب <النبي> ولكن الآن يتحدثون عن لوحات جبران خليل جبران ولو عُرضت ليوم واحد، ولكن حتى لو كان ليوم واحد لم يكن الأمر متعلقاً بعدد الأيام، ولكن من خلال اقامة ذلك العشاء استطعت ان أجمع لوحات جبران ليتحدثوا عنها فيما بعد. وأكثر من ذلك هذا كان حلم جبران اذ ادركت انه سبق ان قال ان حلمه كان ان تُعرض لوحاته في أوروبا، وبأنه سيأتي أحدهم ويعرض لوحاته في أوروبا، اذ لم يسبق ان نُقلت وعُرضت لوحاته في أوروبا. وطبعاً لم يكن الأمر سهلاً. الا انني التقت بـ<اندريه جورج اليوفتس> وهو لبناني يوناني وأخبرته انني اريد أن أحقق هذا الحلم الذي كان حلم جبران خليل جبران نفسه، وما ان علم بذلك حتى قدّم مبلغاً من المال دون ان يسأل، اذ كان همه ان يتحقق هذا الحلم. وكنت أفكر بأن يتوافر مبلغ أكبر لعرض لوحات جبران لعدة أيام وليس ليوم واحد، وطبعاً أشكر مبادرة واهتمام <اندريه جورج اليوفتس>.

ــ وهل هناك لوحات معينة اردت ان تعرضيها في باريس؟

– لقد فكرت ان اكثر لوحة تمثل جبران خليل جبران هي لوحة <المفكر>، ولكن طبعاً نقلنا لوحات عن مواضيع مختلفة وذلك بالتنسيق مع متحف جبران ولجنة جبران الوطنية اذ ساعدونا كثيراً. وتم اختيار اللوحات واقترحوا ان تُعرض اللوحات التي رُسمت بطرق عديدة وليس بطريقة واحدة. بمجرد ان ترين لوحات جبران تشعرين انها تصل الى الأعماق، وهذا ما يميز لوحات جبران عن غيره من الرسامين. وكلما كان لدي أسئلة كنت ألجأ الى المواقع الالكترونية وأقرأ ماذا كتب جبران لكي يمنحني الأمل لأن الحياة صعبة وجبران عانى كثيراً والآن أفهم معاناته أكثر.

ــ كم تتطلب تحضير اللوحات والاجراءات لإخراجها من لبنان الى فرنسا؟

– لقد تطلب العمل حوالي شهرين او ثلاثة أشهر ما بين التوضيب وتحضير الأوراق اذ لكل لوحة رقم، وبالتالي قمنا بتحضير اللوحات على مدى شهرين وفي الوقت نفسه كنا نقوم بالاجراءات اللازمة من حيث تزويد كل لوحة بقصتها وأبعادها، وعما اذا كان هناك خدش على اللوحة لكي نسجل كيف كانت اللوحة قبل خروجها من متحف جبران في بشري، وطبعاً القيام بالمثل عند الانتهاء من العرض في باريس واعادتها الى متحف جبران في بشري.

لوحة-جبران-خليل-جبران-في-متحف-بوتي-باليه-في-باريس لوحات جبران تأسر القلوب في باريس

ــ وماذا قال الفرنسيون الذين حضروا الى المتحف وشاهدوا لوحات جبران خليل جبران؟

– اولاً استغرب الفرنسيون كيف استطعت ان اقوم بذلك، اذ كان هناك اندهاش بأن يروا لوحاته في أجمل متحف في فرنسا، اذ لكل لوحة قصة. وحضر الحفل شخصيات لبنانية وفرنسية. لم يكن هدفي ما سيقوله الناس بعد زيارة المتحف ومشاهدة لوحاته بل كان هدفي ان تدخل تلك اللوحات الى المتحف كما أراد جبران وان يراها الناس هناك، وهذا الشعور مميز جداً ان ترين كيف كانوا ينظرون الى تلك اللوحات. لقد ساعد الفرنسيون ليتم كل شيء. طبعاً في أوروبا وأميركا هناك اهتمام وتقدير كبير للفن ليس كما عندنا. اذ من المؤلم ان نجد في بلدنا انه لا تُقدم المساعدة للفنانين قبل ان يفارقوا الحياة لكي يحققوا أحلامهم. لقد دعيت رودي رحمة ان يرافقنا في هذه الرحلة الى باريس، وكان الأمر مهم بالنسبة اليها اذ انه زار <بيتي باليه> للمرة الأولى. كانت لحظات مميزة اذ رأينا الدهشة على وجوه الناس.

 

فكرة نقل لوحات جبران الى أميركا

ــ هل هناك مشاريع أخرى متعلقة بلوحات جبران خليل جبران؟

– أولاً أود ان أقول إن اخراج لوحات جبران خليل جبران من لبنان ونقلها الى فرنسا كانت مكلفة، واي نشاط نقوم به خارج لبنان يتطلب الكثير من الجهد والتكاليف، اذ يظن الناس ان القيام بذلك غير مكلف بينما الحقيقة ان نقل هذه اللوحات خارج لبنان مكلف جداً. وأتمنى ان أقوم بنشاطات أخرى خارج لبنان لاظهار وجه لبنان الجميل الذي لطالما تغنينا بثقافته وحضارته وفنونه، لهذا نأمل ان يكون هناك دعم ومساندة للقيام بمثل هذه النشاطات لاظهار وجه لبنان المشرق. اذا توافرت الامكانيات أود ان أنقل لوحات جبران خليل جبران الى أميركا لتُعرض هناك أيضاً لأنه كما تعلمين ان جبران عاش في أميركا والناس هناك يعرفون الكثير عنه، وبالتالي عرض لوحاته هناك سيكون له تأثير كبير على جميع الصعد.

سينتيا-سركيس-في-متحف-بوتي-باليه-في-باريس 

دعوة لزيارة متحف جبران في بشري

 

ــ وهل تسعين لإقامة نشاط عن جبران خليل جبران في لبنان أيضاً؟

– بالفعل لقد سألني الناس في لبنان لماذا لا أقوم بمثل هذا النشاط في لبنان أيضاً، ولكن هنا أود ان أقول للناس انني أدعوهم اولاً لزيارة متحف جبران في بشري، اذ هناك أناس لم يسبق ان زاروا متحف جبران في بشري وهذا أمر مؤلم، فعليهم ان يزوروا هذا المتحف للتعرف على جبران من خلال لوحاته الرائعة. للأسف ليس هناك اهتمام بالثقافة وهذا أمر غير مقبول، علينا ان نولي اهتماماً كبيراً بالثقافة والفنون. كما ان المطالعة أمر أساسي لأي شعب يود ان يتطور ويتقدم، بالنسبة الي أقرأ باللغة الفرنسية أكثر ولكن الآن أقرأ باللغة العربية واستمتع بذلك، فالمطالعة تغني شخصية الانسان وتمنحه الطاقة والقوة والأفكار. وطبعاً لا نقدر ان نقوم بشيء اذا لم يكن لدينا الايمان بالله، فالايمان يمنح طاقة لانجاز الكثير في حياتنا. فالحياة مليئة بالمشاكل والهموم ولكن بمساعدة الله تصبح حياتنا أفضل.

واستطردت قائلة:

– بالنسبة الي ففي البداية ركزت على الأزياء والشكل الخارجي الى ما هنالك. ثم تغيرت نظرتي للأمور، اذ بسبب ما عانيته بحياتي على الصعيد الشخصي والاجتماعي دفعني للقول ما الذي يجعلني أقوى من غيري، والناس يقولون لي دائماً انني قوية، والجواب هو ايماني جعلني قوية، وأيضاً تربية أهلي أثرت في شخصيتي… فعندما يتلقى الانسان التربية الصالحة ويكون لديه الايمان يقدر ان يحقق اهدافه وأحلامه. واستمتعت كثيراً كوني اهتم بالثقافة والفنون ولكنني سأركز أيضاً على موضوع العنف بكل الطرق، فاليوم نرى العنف في كل مكان.. في البيت والعمل وبين الجيران، وبالتالي آمل ان اقوم بعمل يساعد الناس من خلال فرض الاحترام بالحق واللطافة، وربما تسألينني كيف سأحقق ذلك؟ أقول لك انني سأسعى لتحقيق ذلك وهذا ليس له مردود مالي بل هدفي هو اجتماعي. وأتمنى ان يتوحد اللبنانيون وان يكون وطنهم في المرتبة الأولى، وأيضاً ان تشجع الدولة والوزارات المعنية كل لبناني لديه فكرة او مشروع لاظهار وجه لبنان الجميل والمشرق في اي مجال كان. ويسعدني كثيراً عندما أقوم بأي نشاط ان يبادر الآخرون للقيام بالمثل فهذا يمنحني السعادة والأمل بأن الانسان يقدر ان يحقق أحلامه اذا صمم وعمل بجهد وجدية ومحبة.