20 September,2018

سوريا بحاجة إلى ١٥ سنة للعودة اقتصادياً إلى ما كانت عليه منذ ست سنوات!

 

بقلم خالد عوض

الاسد 

خطاب الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> في الأمم المتحدة منذ أيام حمل كلاماً عمومياً في جوانب عديدة، وتباهياً بالحالة الاقتصادية الأميركية الإيجابية جداً منذ انتخابه، وتهديداً بتدمير شامل لكوريا الشمالية، ودعوة إلى حل سياسي في سوريا. ولكن في معرض كل ذلك التهويل ذكر بعض الأرقام المتعلقة بالميزانية العسكرية الأميركية التي ستناهز ٧٠٠ مليار دولار عام ٢٠١٨ بعد موافقة مجلس الشيوخ عليها، كما أكد الرئيس الأميركي أن القوة العسكرية الأميركية ستصل إلى أعلى مستوى لها في التاريخ. على عكس ما عودنا عليه <ترامب>، هذا الكلام دقيق جداً. ورغم عدم الإعلان عن تفاصيل الموازنة الدفاعية إلا أنها تضمنت جزئين. الأول هو ٦٤٠ مليار دولار مصاريف عسكرية للـ<بنتاغون> والثاني هو ٦٠ مليار دولار للوجود العسكري الأميركي في سوريا والعراق وأفغانستان. وبالتدقيق أكثر هناك ١٠ مليارات دولار مرصودة لسوريا عام ٢٠١٧ مقابل ٢,٢ مليار دولار للعراق وحوالى ٤٧ مليار دولار لأفغانستان. الميزانية التي كانت مرصودة للعمليات العسكرية الأميركية في سوريا خلال السنوات الثلاث الماضية لم تتجاوز ٥ مليارات دولار سنوياً أي أنها تضاعفت للسنة المقبلة، رغم أن الحرب ضد الدولة الإرهابية في بلاد الشام كانت في أوجها في الأعوام ٢٠١٤-٢٠١٦.

إذا كان كل ذلك يدل على شيء فهو أن الولايات المتحدة لن تنكفئ في سوريا في القريب العاجل كما سيحصل في العراق من خلال التراجع الكبير في الإنفاق هناك،  وأن الحديث عن الحل السياسي في سوريا لا زال للاستهلاك الإعلامي. هناك شقان للإنفاق العسكري الأميركي في سوريا. الأول هو دعم قوات سوريا الديمقراطية ومدها بالسلاح والمعلومات المخابراتية إلى جانب التدريب، والثاني هو عمليات عسكرية مباشرة للجيش الأميركي من خلال قواعد عسكرية صغيرة داخل الأراضي السورية. ويبدو العام ٢٠١٨ حاسماً بالنسبة للوجود العسكري الأميركي في سوريا، فإما أن تستطيع الولايات المتحدة فرض كلمتها في مناطق النفط hariri وعلى الحدود العراقية – السورية أو أنها ستضطر إلى زيادة تورطها العسكري المعقد في بلاد الشام لكسب المزيد من الوقت وتطويل أمد المخاض السوري حتى ينبع حل سياسي تكون فيه الحصة الأميركية وازنة.

ولا بد من الإشارة أن الموازنة السورية السنوية كلها لا تتعدى ٥ مليارات دولار أي نصف ما ستنفقه الولايات المتحدة فيها. وبغض النظر عن الحالة التقسيمية التي يمكن أن تنتهي إليها الدولة السورية مع بوادر تطور إقليم كردي في الشمال الشرقي وعدم وضوح مصير منطقة ادلب التي تتركز فيها الفلول الإسلامية، فإن عودة سوريا إلى حالة الدولة الحديثة والاقتصاد المتعافي تستلزم مئات مليارات الدولارات وأكثر من ١٥ سنة حسب تقديرات البنك الدولي، هذا في حال توقفت الحرب اليوم ولم تتحول سوريا إلى دويلات، وهذا أيضا في حال توقف الإنفاق العسكري لجميع الدول فيها.

من الأرقام الواردة في موازنة <البنتاغون> يمكن الاستنتاج أن سوريا ستبقى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية حتى نهاية العام ٢٠١٨ في أقل تقدير، وكل الكلام عن إعادة الإعمار وعودة النازحين لا يتعدى التمنيات أو ربما بعض المبادرات المحدودة جدا في هذين الموضوعين الحساسين جدا بالنسبة إلى لبنان.

الحماوة المستمرة في سوريا هي الخطر الأول الذي يهدد الانتخابات النيابية اللبنانية وليس تخاذل بعض التيارات السياسية بسبب تقلص قاعدتها الشعبية. وحتى تنقشع الرؤية هناك لا يمكن تصور حلول اقتصادية حقيقية في لبنان حتى لو تمكن الفرنسيون من عقد مؤتمرات باريسية رابعة. كل هذا يعني أن الضغط على المالية العامة وعلى العملة الوطنية سيستمر في الإرتفاع عام ٢٠١٨، وأن الحاجة لهندسات مالية جديدة… ستزيد.  يبدو أن ثقل الأزمة السورية على البلد وإنعكاساتها المالية السلبية ستأخذ منحى أكثر خطورة في الأشهر المقبلة.