15 November,2018

سمــــاح الحكيــــم: معــــرض ”سكيــــزو بويــيــــزي“  تحيــــة للــغــة الفرنسيـــة بأحــــرف عربـيــــة مبتـكـــــرة!

 

بقلم عبير انطون

3

بأسلوب خاص وفريد من حيث الفكرة والتنفيذ يعرض سماح الحكيم في المركز الثقافي الفرنسي في بيروت لوحاته التيبوغرافية تحت عنوان <سكيزو بوييزي>. الكلمة مبتدعة ايضا، وهي ان كانت مستقاة من علم النفس واحواله بحيث انها تعني انفصاما في الشخصية صعب العواقب، فإن نتائجها في المعرض الفني ايجابية، تدعو مشاهدها الى فك الغازها والتساؤل عن الهدف منها.

فما هو الهدف من هذا المعرض؟ ماذا اراد سماح ان يستعيد به وما علاقته بطفولته ومراهقته وجو بيته؟ ما الذي قد يحمس المشاهد على فك الغاز جملة من نوع <فواسي لُ ليو دُو مُوند أُو تُو دُفيان آنفان> للشاعر الكبير جورج شحادة او ذاك البيت الرائع لناديا تويني <ديو، كُ ل نوي اي فمال>؟

  مع سؤالنا عن ولادة الفكرة يبادر سماح الفنان التصميمي الى القول لـ<الأفكار>:

 – ولدت الفكرة بالصدفة. أردت ترجمة الاشعار المكتوبة باللغة الفرنسية لشعراء لبنانيين فرنكوفونيين الى اللغة العربية من خلال خطوط ابتدعتها بحكم عملي واختصاصي… يجمع العنوان <Schysopoesie> ما بين كلمتي <سكيزوفريني> و<بوييزي> باللغة الفرنسية. الاولى تعني مرضا نفسيا تصاحبه حالة من فقدان الصلة بالواقع حيث يصاحبها ايضا جنوح وتخيلات وتغيير في التفكير واللغة والكلام والتصرفات، فيما تعني الثانية أي <بوييزي> فن اللغة وهي أشبه بالنحت في الجمل وصقل الكلمات لتحمل معاني اكثر مما يحمله معناها الحرفي، ومع غنى الصور الشعرية يعطينا الشاعر رؤيته الخاصة للعالم… من هنا جمعت الكلمتين لأن المشاهد سيقرأ الشعر الفرنسي بأحرف عربية من دون ترجمة فعلية للنص وهو ما يعرف علميا باللغة الفرنسية بالـ<ترانسليتيراسيون> <Transliteration>.

ويضيف سماح:

– سيتعرف المشاهد في كل لوحة تقع على خلفية من قماشة <الكانفا> على بيت من الشعر مستقى من قصيدة لشاعر اخترته، انما وفق رؤيتي الخاصة بتقديم هذا البيت، فلا تحمل اللوحة بالضرورة المعنى الاصلي للشعر المأخوذ منه. وبما انني كنت اعرف بانني سأعرض في المركز الثقافي الفرنسي في بيروت فقد اردت ان ابتكر لهم فكرة جديدة لم يكن تحقيقها سهلا، وقد شكلت لي تحديا برزت نتيجته بعد <برين ستورمينغ> خاص بي. لقد أردت نظام ترجمة مفهوم بصريا لتلك اللوحات المختلفة تماما عما سبق وعملت عليه قبلا، علما انني في مضمار الخطوط سبق ان قدمت معرضا باللغة العربية <ساركاستيا> نوعا ما كتبت فيه عبارات ساخرة بخطوط عربية مميزة.

ولما نسأل سماح عن اسباب اختيار الشعر باللغة الفرنسية، يحيطنا سريعا بالاجابة:

 – اخترت اللغة الفرنسية لانني شبيت عليها في المدرسة وهي رافقت جونا الفني – الفكري في البيت، فوالدتي هي الشاعرة سمر ناهض التي تكتب باللغتين العربية والفرنسية ووالدي الرسام والنحات مارون الحكيم. جميع موادنا التعليمية كانت باللغة الفرنسية باستثناء دروس اللغة العربية والتربية البدنية، يقول سماح مبتسما. وكانت امي تحثنا على التحدث باللغة الفرنسية والقراءة والكتابة فيها، ولحسن حظي انني كنت نجيبا فيها واحظى بافضل العلامات. لكن للاسف، ومع بدء حياتي الجامعية ومن ثم انخراطي في سوق العمل حيث اسست شركتي الخاصة، راحت اللغة الانكليزية تتسلل عليها بشكل أكبر حتى طغت على ما عداها.

وأضاف:

– <بالحياة العملية، صرت إكتب وفكّر بالإنكليزي>.. ربما يكون هذا المعرض تحية الى تلك اللغة الفرنسية الجميلة التي رافقت يومياتي وهي نتاج الجو الذي عشته في البيت. انه مزيج لغات رغبتُ في التعبير من خلاله عن العلاقة الوطيدة التي تربط اللبناني باللغة الفرنسية محاولاً ابتكار لغة فنية رائدة.

1 واستطرد قائلاً:

 – استغرق التحضير لـ<سكيزو بوييزي> اكثر من سنة. حزت موافقة وثقة المركز الفرنسي عقب اجتماع لي بهم، وكان الثابت في الفكرة الاولية ان يدور المعرض حول قاسم يجمع ما بين اللغتين العربية والفرنسية، وقد وعدتهم بعمل مميز من دون ان يكون المفهوم واضح المعالم تماما، وما استقريت على فكرتي هذه الا من بعد ان الغيت الكثير من الافكار الاخرى لصالح <سكيزو بوييزي>، اما العنوان فلم يولد الا بعد ان انجزت ثماني لوحات… لم احلل كثيرا… انسابت الأمور بطريقة عفوية ربما لكثرة ما تخمرت في رأسي.

ويزيد سماح:

 – كنت استرق الوقت سرقة ما بين التدريس في جامعتين وعملي الخاص، الا انه كان متنفسا جميلا لي وممرا لاستعادة الأشعار التي طالما احببتها لشعراء فرنكوفونيين كناديا تويني، جورج شحادة، فينوس خوري غاتا، فؤاد غبريال نفاع، جيرار بجاني، جاد حاتم، ووالدتي سمر ناهض الحكيم… فمن ناحية تجدني اسلط الضوء على اعمالهم، ومن جانب آخر ابرز مدى تأثرنا باللغة الفرنسية الجميلة…

حرية… وامرأة… وفكر

امام النص المأخوذ من قصيدة والدته سمر الحكيم بعنوان <La Colline Sacree> نقف عند رابية ينبلج النور من خلفها وترتسم كلمات سماح ابنها كما ارادها بأحرف سامية الى فوق: <سُر أُن كولين كي ميديت لي كايو رسيت د كانتيك> (Sur Une Colline Qui Medite, Les Caillox Recitent Des Cantiques).

 اما للشاعر اللبناني جورج شحادة فنقرأ: <لا رُوب كُ تُ بورتُ تُن كور لانفانت> (La Robe Que Tu Portes Ton Corps L’invente) وتتحول الكلمات لوحة تتداخل حروفها العربية بانسيابية بحيث ترسم بمنحنياتها ثوبا يعيدنا الى معنى الكلمات المكتوبة. ولا تبتعد فينوس خوري غاتا عن سرب هؤلاء المبدعين بالكلمة والاحساس، فنقرأ من قصيدتها <الحرية> الحرف العربي <سُل لي شمان سون ليبر دالِه لا او ال فول> (Seuls Les Chemins Sont Libres D’aller là ou ils veulent)، فيما تتباهى اللوحات الاخرى المنتشرة ايضا في ارجاء المعرض مزهوة بفرادة التجربة، وبينها ما نقرأه للشاعر فؤاد غبريال نفاع بعنوان <البوهيم>، يدمج فيها سماح حكيم اللغة والحروف مع فانتازيا صورية تستحضر الطبيعة والمرأة والحب والافق.

  الخط العربي الذي رسم فيه سماح لوحاته الفنية هو رائدها اذ انها لا تنضوي تحت راية ما يعرف بفن التخطيط ولا برسم الخطوط التي عرفناها سابقا. اما اللوحات والرسومات (ديجيتال) التي طوعها سماح للوحاته الشعرية فقد ساعدت على فهم المعنى المقصود من دون ان تشرحه مباشرة او تدعي تجاوزه، فالهدف للفنان كان ان يضع هذا الخط في تأليف معين يبرز الى حد ما ابعاد الصورة الشعرية التي يود ان يوصلها للناظر اليها الأمر الذي لم يكن سهلا، اذ يقول سماح:

– خاصة انني لا أتناول هنا اموراً تقنية جامدة انما قطعا شعرية مرهفة جدا، كوننا نقرأ الفرنسية بخط عربي أو بالأحرى بلفظ لبناني… التحدي الصعب كمن ايضا في انتاج المعرض في اطار لائق، وكانت صالة العرض الواسعة في المركز الثقافي الفرنسي مكانا مناسبا حيث الاعمال وهي كبيرة معروضة بشكل مريح وواضح ويمكن للزائر السفر في ابعادها.

2ابتكار

 

لا بد من انتقادات سلبية سمعها سماح بينها من <المحافظين الادبيين> حول الشعر الفرنسي واللغة العربية وعدم جواز <اللعب> بهما… وهنا يستعيد سماح ما كتبه بالعامية في تقديم عمله: <لشو اللغة والفكر والخيال اذا ما بدنا نبتكرهن كل يوم من منظار جديد؟ عاشت السكيزوفرينيا البناءة والبوييزي المتجدّدة>.

 <اللعب> العبثي بالاحرف والكلمات والمعاني اذاً ليس هدف سماح على الاطلاق، فكيف بالعمل الفني ان يكون كذلك؟ لا بل هناك رسالة مهمة اراد ايصالها وفي هذا الصدد يقول:

– لم توجه الي انتقادات في المضمون انما جاءت بعضها حول التقنية المستخدمة. من شاهدوا اللوحات ليسوا جميعا من عالم الشعر والادب الا انهم شعروا بأنهم باتوا اقرب اليه للجمالية التي وفرتها اللوحات، ما حثهم للتعرف على الشعراء الذين قرأوا ابياتهم، الأمر الذي يغذي فضولهم لاكتشافهم وقراءتهم، وهذا امر اساسي بالنسبة لي في عصر تلاشى فيه شغف القراءة لصالح التقنيات البصرية الحديثة من خلال الصور والشاشة والهواتف الذكية. كان تحديا ان <اكمش> المشاهد وأجعله يقف لدقائق امام اللوحة حتى يقوم بالـ<ديشيفراج> او فك رموزها المكتوبة بالخط العربي وهي تبدو للوهلة الاولى <حزازير> يتوجب حلها… حتما ستنحفر ذكرى اللحظة في ذاكرة الناظر الى اللوحة لانه اختبر امرا معينا وتفاعل معه، ما سيجعلها مع اسم شاعرها تنطبع في ذهنه فيعود اليه لاحقاً.

ويضيف سماح:

 – هنا تكمن خصوصية المعرض: ان ينقل معرفة جديدة ويثير حشرية العودة الى الشعر والادب والقراءة. كما تلاحظون فالنص الاصلي للقصيدة موجود الى جانب اللوحة وهو امر لا نقاش فيه لانها جمل تصرفت بها. هنا ايضا اضاءة على الادب اللبناني الخصب في هذا الوطن الذي اتمسك به باهداب العيون، والفنانون جزء اساسي من هويته.

 قد يجول <سكيزو بوييزي> خارج الاراضي اللبنانية قريبا… فهناك مشروع لنقله الى <فربورغ> في سويسرا وانا ادرس الخطوة جيداً لأنني من سيقوم بتمويل هذا الانتقال كما انني حاضر لاية اقتراحات.

ــ وماذا عن هذه اللوحات بعد عرضها، هل ستخصص للبيع؟

– الهاجس الاساسي من اي معرض يقدم عليه الفنان يبقى تنفيذ الفكرة اولا يجيب سماح، ولما يبلغ هذه المرحلة يكون كالام التي وضعت جنينها ومن بعد ذلك تفكر في ما سيلي… الهدف التجاري وارد طبعا علما انه ليس اساسيا، وهذه اللوحات كما ترون يمكن ان تقتنى بسهولة في البيوت العصرية كقطع تزيينية كما انها ليست مرتفعة الثمن، فهي فضلا عن انها تحمل افكارا مبدعة لشعراء معروفين، تعتبر قطعا فنية الوانها مريحة وجميلة ويمكن عرضها بعيداً عن <التقليديات>.