21 September,2018

سلام نجح في تجاوز دفعه الى «فـــــخ» الاستقالة... لكن الاعتكاف يبقى وارداً إذا استمرّ التعطيل!

tamam-salam أسبوع آخر ولا اتفاق داخل <حكومة المصلحة الوطنية> على آلية عملها والتصويت على القرارات التي يفترض أن تصدر عنها، والنقاش الجاري داخل قاعة مجلس الوزراء وخارجها لا يوحي بإمكانية التوصل الى اتفاق حول هذه الآلية التي ينظر إليها كل فريق على انها يجب ان تكون لمصلحته وتخدم أهدافه. وتؤكد مصادر متابعة أنه عبثاً يجري البحث عن اتفاق على هذه الآلية (أو المقاربة كما يسميها الرئيس سلام) فهي ستظل مفقودة لأن الخلاف ليس على مضمون هذه الآلية، بل على رؤيتين متناقضتين في تفسير المادة الدستورية التي أوكلت الى مجلس الوزراء مجتمعاً مهمة صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة في ظل غيابه. صحيح ان كل طرف يفسر الدستور على هواه في ظل غياب مرجعية تتولى تفسيره، إلا ان الصحيح ايضاً ان الخلاف على اعتماد آلية للعمل الحكومي هو جزء من خلاف أوسع وأشمل وأخطر يتصل بنظرة كل طرف الى دوره في تسيير شؤون البلاد في ظل غياب رئيس للجمهورية يفترض ان يكون حكماً، وتعطيل مجلس النواب الذي يُفترض ان يراقب عمل السلطة التنفيذية… ويحاسبها. وتضيف المصادر نفسها ان البلاد تسير في موضوع البحث عن الآلية الحكومية في طريق مسدود لن يكون من السهل ان يحمل اي نتيجة إيجابية ما يعني عملياً ان لا جلسة ولا جلستين ولا ثلاث جلسات لمجلس الوزراء ستحمل حلاً لخلاف يزداد اتساعاً يوماً بعد يوم، وهو انسحب على مواضيع حكومية أخرى عكست عجزاً في الأداء والقدرة على التأثير… ولم تكن طريقة جمع النفايات ونقلها وطمرها إلا أحد مظاهر تراجع حضور الدولة وهيبتها باستثناء بعض المبادرات الفردية التي تستثمر لمكاسب شخصية، وسط تصاعد <رائحة> صفقات خلف أزمة النفايات.

وسط هذه الأجواء، بدت التسريبات التي أغرقت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة عن استقالة قريبة لرئيس الحكومة لأنه <منرفز> ولأن <للصبر حدود> وكأنها مسمار آخر يدق في نعش هيبة الدولة وحضورها وكيانها وفعاليتها، لاسيما وأن كل ما قيل لـ<تبرير> اقدام الرئيس سلام على الاستقالة ليس بجديد، ولا هو طارئ على الحياة السياسية اللبنانية. ذلك ان الحديث عن <ضغوطات> يتعرض لها الرئيس سلام سبق لغيره من رؤساء الحكومات أن تعرضوا له، والترويج لـ<عراقيل> توضع في درب المسار الحكومي ليس هو الآخر مادة تحريضية جديدة، فلطالما كان العمل السياسي في النيابة او في الوزارة محفوفاً بـ<العراقيل> والصعوبات، والتركيز على <صعوبة> إدارة شؤون الدولة في ظل التجاذبات السياسية الحادة ليس هو أيضاً من العوامل المستجدة في الحياة السياسية اللبنانية، لأن لبنان يُدار منذ أواخر السبعينات وسط ظروف استثنائية وبإجراءات استثنائية أيضاً وقد بات الاستثناء قاعدة على مرّ العهود الماضية…

واقع تصريف الأعمال قائم باستقالة ومن دونها

من هنا، تقول المصادر المتابعة ان الحديث عن وصول الرئيس سلام الى الخط الأحمر> وان قرار الاستقالة <مكتوب> في انتظار التوقيع والصدور يتجاوز الأزمة الحكومية الراهنة لأنه لا يبدّل في واقع العمل الحكومي شيئاً، الى ما هو أبعد لاسيما وان الحكومة باقية بحكم الأمر الواقع، فلا رئيس للجمهورية حتى يقبل استقالتها ويجري استشارات نيابية ملزمة تفضي الى تشكيل حكومة جديدة، ولا مجلس نيابي يجتمع لمثول الحكومة أمامه ونيلها الثقة… ولا سلطة بديلة يمكن أن تتسلم مسؤوليات السلطة التنفيذية في حال الاستقالة فضلاً عن ان الحكومة باتت منذ أكثر من شهرين في وضع تصريف الأعمال المقنع، وإذا استقال رئيسها تنتقل الى تصريف الأعمال بشكل شرعي ودستوري، وستبقى كذلك الى ان يقضي الله أمراً كان مفعولاً وينتخب الرئيس العتيد للجمهورية لإعادة إحياء المؤسسات الدستورية بدءاً من تشكيل حكومة جديدة وصولاً الى إزالة العوائق أمام التئام مجلس النواب. وثمة مراجع قانونية تتحدث عن ان استقالة رئيس الحكومة غير ممكنة وهي مجرد موقف سياسي.

انطلاقاً مما تقدم، تقول المصادر المتابعة ان الترويج لاستقالة الرئيس سلام – الذي شاركت فيه جهات قريبة من رئيس الحكومة – لم يكن <دعسة ناقصة> فحسب، بل جاء خلافاً لما يمثله الرئيس سلام من دور وطني يعرف هو قبل غيره أنه انتُدب إليه يوم وافق على تشكيل <حكومة المصلحة الوطنية> التي تعثرت منذ اليوم الأول لولادتها، فضلاً عن انه يدرك ان الظروف السياسية، قبل المعايير الدستورية، تحول دون الاتفاق على حلٍ للأزمة التي باتت أكبر بكثير من موضوع آلية لإدارة مجلس الوزراء والعمل الحكومي، وقد لامست مستوى <أزمة وطن> عجزت القيادات السياسية فيه عن الاتفاق طوعاً على إدارة شؤونه الكبيرة مثل انتخاب رئيس للجمهورية والاتفاق على قانون للانتخابات، وصولاً الى شؤونه الصغيرة مثل جمع النفايات المكدسة في شوارعه وساحاته العامة!

وفي رأي المصادر نفسها ان <تجاهل> التسريبات عن احتمال استقالة رئيس الحكومة والاستمرار في <ضخ> معلومات متشابهة وتواقيت للاستقالة أعطى نتائج سلبية كادت ان تهز صورة الرئيس سلام في أذهان اللبنانيين الذين يقدرون دوره و<صموده> وصبره وحكمته وقدرته على امتصاص كل أنواع الصدمات، لولا أن ثمة من تنبّه الى خطورة استمرار هذه التسريبات فسارع الى إصدار <نفي ليلي> بعد الكثير من <التسريب النهاري> الذي شاركت فيه جهات <فتحت على حسابها> و<مانت> على رئيس الحكومة في إعلان مواقف سرعان ما تبين ان لا علاقة للرئيس سلام بها، ولا هو طلب إعلانها، ما أثار سلسلة علامات استفهام حول أهداف مروجي <خيار> الاستقالة غير الواقعي.

 

من يقف وراء الترويج للاستقالة؟

ومع طي صفحة الاستقالة، بعد يومين من الترويج لها <واغراق> وسائل الإعلام بها إضافة الى مواقع التواصل الاجتماعي، ظل السؤال الكبير: من يقف وراء دفع الرئيس سلام الى الاستقالة، أو <تزيين> مثل هذا المسار  أمام رئيس الحكومة؟

مصادر متابعة أكدت وجود فريق سياسي داخل المكونات التي ساهمت في تسهيل تشكيل الحكومة يعمل منذ فترة على <الضغط> في اتجاه الوصول بالحكومة الى طريق مسدود يدفع برئيسها الى الاستقالة بغية إيجاد واقع سياسي جديد في البلاد يزيد الاحتقان والتباعد بين القيادات السياسية ويعطّل كل إمكانية للوصول الى حلول وسط، من خلال تدوير الزوايا. وهذا الفريق الذي جاهر بمواقف سياسية ناقضت أحياناً توجهات الرئيس سلام وخياراته لم يكن يرتاح لوصول <تمام بك> الى السرايا الكبير لكنه قَبِل على مضض بذلك على أساس أن عمر الحكومة سيكون قصيراً مع انتخاب رئيس جديد للجمهورية. إلا أن حساب حقل هذا الفريق لم يطابق حساب بيدر الاستحقاق الرئاسي، فكان الشغور في قصر بعبدا الذي مضى عليه سنة وثلاثة أشهر تقريباً، وباتت حكومة الرئيس سلام تحظى بالدعم الداخلي والتأييد الدولي والإقليمي وتوفّر لها كل وسائل الدعم من الدول على اختلاف توجهاتها، كما نجح الرئيس سلام شخصياً في إدارة الواقع السياسي المأزوم على نحو جعله من الرجالات الوطنيين الذين يدعون الى حمل المسؤولية في الأزمة الصعبة.

وتضيف المصادر نفسها ان الفريق الذي دفع في اتجاه الضغط لاستقالة الرئيس سلام <تشجّع> للمضي في تحركه من قبل جهات خارجية لم تتفاعل إيجاباً مع المستجدات الإقليمية والدولية، لاسيما بعد توقيع الاتفاق النووي الايراني، فأرادت الرد على هذا الاتفاق حيثما تستطيع، ومنها الساحة اللبنانية حيث تحظى هذه الجهات بتأييد مكونات في المجتمع اللبناني، فتم التركيز على خطورة تعطيل الحياة السياسية والعمل الحكومي وصولاً الى <تشجيع> استقالة الحكومة، لتحميل مكونات أخرى مسؤولية ما يحصل لتأمين استمرار الشرخ داخل المجتمع اللبناني لا بل اتساعه، والحؤول دون أي مبادرة لإعادة الاستقرار السياسي الى البلاد، ما لم يكن لهذه الجهات الخارجية الدور المباشر في تسهيل اعتماد الحلول، وبالتالي تتكرّس <شراكة> هذه الجهات في إدارة الشؤون السياسية اللبنانية بعد الخلل الذي أصاب هذه الشراكة في مرحلة الوصاية السورية.

سلام عطّل <لغم> الاستقالة

من هنا، تبدي المصادر المتابعة مخاوف من ان تتكرر محاولات الجهات نفسها بعدما عطّل الرئيس سلام <لغم> دفعه الى الاستقالة وإدخال البلاد في مأزق جديد لن يكون من السهل الخروج منه. وقد حرص رئيس الحكومة على ان يؤكد أمام زواره يوم الأحد الماضي ان موضوع الاستقالة <غير وارد في الوقت الحاضر على الأقل>، إلا انه يبقى من الخيارات التي تدرس بهدوء، فيما نقل زواره عنه انه ابن بيت عريق في الوطنية، لا يتخلى عن تحمّل المسؤولية لاسيما خلال الظروف الصعبة والدقيقة والمصيرية التي يمر بها لبنان راهناً. إلا ان ذلك لا يلغي كبر حجم الاستياء الذي يشعر به الرئيس سلام من المستوى الذي وصلت إليه الحياة السياسية اللبنانية والأداء الحكومي، ما جعله يرفع شعار <لا لتحويل التوافق داخل الحكومة سلاحاً للتعطيل من أي طرف وليس من طرف معين>، وهذا ما سيدفعه الى مزيد من التشدد في المحافظة على صلاحيات رئيس الحكومة من جهة، والاستمرار في البحث عن حلول من جهة ثانية وإن كان يدرك ان مهمته قد تكون مستحيلة…

وفي ضوء هذه المعطيات، تتوقع المصادر المتابعة أن يختار الرئيس سلام حلاً وسطاً بين الاستمرار في تحمل المسؤولية والمعاناة من جهة، والاستقالة من جهة ثانية يقوم على <الاعتكاف> من دون الاستقالة موجهاً بذلك رسائل الى المعنيين بأنه لم يتخلَّ عن المسؤولية الوطنية، لكنه في الوقت نفسه يريد ان يتحمّل الجميع معه المسؤولية، لاسيما وانه سبق له أن <اعتكف> خلال مرحلة الشغور الرئاسي واستطاع من خلال <سلاح الموقف> ان يضع حلولاً لمسائل عرقلت العمل الحكومي سابقاً، وهو بذلك يبقي على شرعية كاملة للحكومة يمكن ان تنعش مجلس الوزراء في أي لحظة، لأن الواقع الراهن للحكومة هو واقع تصريف الأعمال في غياب القرارات الحاسمة، وفي مرحلة <الاعتكاف> سيبقى الواقع نفسه وإن كان واقعاً مقنعاً…

السيد-حسن

نصر الله حذّر من المجهول

وتعتقد المصادر نفسها ان استبعاد الرئيس سلام خيار الاستقالة ووضع حد للترويج له يبقي الأبواب مفتوحة مع الفريق السياسي المعترض على أداء الحكومة في ملف التعيينات الأمنية وقواعد آلية العمل في مجلس الوزراء، لاسيما حزب الله الذي اعتبر أمينه العام السيد حسن نصر الله ان التلويح بالاستقالة خيار خاطئ ويترك مضاعفات خطيرة في البلاد، فضلاً عن ان حصول الاستقالة <لا يقدّم ولا يؤخر>، مشدداً على ضرورة تثبيت آلية العمل الحكومي وعدم تأجيل بت هذا الأمر من أسبوع الى آخر، محذراً من الفراغ أو من أخذ البلاد الى فراغ <لأنه يعني أخذ البلاد الى المجهول>. وفي رأي المصادر نفسها ان الرئيس سلام قادر على التواصل مع حزب الله ومع <التيار الوطني الحر> منفردين أو مجتمعين، خصوصاً بعدما أكد السيد نصر الله ان الحزب ليس وسيطاً ولا ينتظر منه أحد ان يكون كذلك. <فنحن طرف وفي حلف مع التيار الوطني الحر، وجزء من هذا الفريق السياسي>، داعياً تيار <المستقبل> الى ان ينزل من <برجه العاجي> ويلتقي <التيار الوطني الحر> في نقاش مباشر.

وثمة من يعتقد في فريق 8 آذار ان <تحذير> السيد نصر الله لفريق 14 آذار عموماً وتيار <المستقبل> خصوصاً من عدم إسقاط الحكومة <بأيديكم>، جعل <المتحمسين> لاستقالة الرئيس سلام يعيدون النظر في موقفهم، ما يعني ان عدم الاتفاق على آلية العمل الحكومي لن يقود رئيس الحكومة الى الاستقالة، بل يكتفي… بالاعتكاف والاستعاضة عن جلسات مجلس الوزراء باجتماعات وزارية تدرس مواضيع محددة لاستمرار إدارة شؤون البلاد.