7 December,2019

سلامة يرفض استمرار حملات التشكيك: الليرة مستقرة ولن يحصل انهيار مالي... وسنواجه!

لا يقرّ حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة علناً بوجود <مؤامرة> تستهدف الوضع المالي في لبنان، واستطراداً تستهدفه هو كحاكم للبنك المركزي وإن كانت لديه تساؤلات كثيرة حول توقيت الحديث عن <انهيار الليرة> حيناً، و<توقف مصارف عن الدفع> و<سقوط> النظام المالي اللبناني أحياناً… وتزامن كل ذلك مع مواقف سياسية تصدر من هنا وهناك تشكك بقدرة الدولة اللبنانية على الصمود في ظل وضع اقتصادي صعب تمر به حالياً. فالحاكم سلامة يعتمد سياسة تفاؤلية لا تلتقي مع كل هذه المقولات السلبية، وإن كان يجري يومياً تقييماً للأوضاع المالية والنقدية في البلاد ويتخذ تدابير بعيداً عن الأضواء للمحافظة على استقرار الليرة من جهة، وعلى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية. وتبعاً لذلك يلاحظ من يزور حاكم مصرف لبنان في <صومعته> في أول شارع الحمراء، بأن الهاجس الذي يسكنه حالياً هو تمكين البلاد من تجاوز الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها، بالتزامن مع المحافظة على النظام المصرفي الذي أنشئ مصرف لبنان ليكون <الحارس الأمين> عليه.

وفيما يعيش الحاكم سلامة هذا الهاجس 24 ساعة على 24، يفضل أن يغلب التفاؤل على التشاؤم وهو الذي يملك الأرقام الحقيقية للواقع المالي في البلاد ويقرأ جيداً المؤشرات الاقتصادية والمالية التي تمكنه من الإحاطة بهذا الواقع بعيداً عن الشائعات من جهة، وحسابات بعض المشككين رسميين كانوا أم سياسيين واعلاميين من جهة ثانية. ولعل الارتياح الذي يبديه سلامة الى سلامة الوضع المالي ومنعة الليرة اللبنانية له ما يبرره، خصوصاً انه يمتلك أيضاً القدرة على التعامل مع الاستحقاقات الكثيرة التي تواجهه في هذه المرحلة. لذلك يجزم سلامة بأن لا خوف من حصول انهيار مالي، وحملات التخوين التي يروجها البعض لا مبرر لها، وهي ذات خلفيات معروفة، ومهما قيل من سلبيات، فإنه مطمئن ان لبنان <لن يغرق>، وان الليرة مستقرة ولا داعي لأي عمليات استبدالها بالدولار الأميركي، خصوصاً ان هذا الاستقرار الذي يكرره دائماً مؤمن لسنتين وأكثر خصوصاً مع قدرة المصرف المركزي على تمويل المصارف الأساسية للدولة. لكن حاكم مصرف لبنان لا يشجع الدولة على كثرة الانفاق غير المبرر، مستعيناً بالمثل المعروف <إذا كان حبيبك من عسل… لا تلحسو كله>!

 

محاصرة المصرف المركزي لا تفيد

في المقابل يلاحظ زوار المصرف المركزي هذه الأيام ان حاكمه لم يكن <مرتاحاً> على الاطلاق لخطوة العسكريين المتقاعدين في اقفال مداخل المصرف ونشر الأخبار عن <تطويق> المبنى الأكثر حساسية في البلاد لأنه يتصل بحاجات الناس وبمورد رزقهم، أي العملة الوطنية. لكنه مع ذلك يرى ان المطالب التي ترفع من حين الى آخر تقع على الدولة مسؤولية معالجتها من خلال ضرورة وضع رؤية اقتصادية <شاملة ومتكاملة>، تخفف من الثقل الواقع على كاهل مصرف لبنان وادارته. وهذه الرؤية لا بد أن ترتكز على قاعدتين هما زيادة النمو الاقتصادي، واعتماد خطة عملية لاحتواء الدين العام المتزايد يوماً بعد يوم وقد وصل الى ما يزيد عن 91 مليار دولار! ومع ادراكه بأن الاستدانة لا تصنع نمواً، فهو يدعو بإلحاح الى ايجاد بيئة ملائمة لاستجلاب الاستثمارات للتخفيف من حدة البطالة، ولاطلاق دينامية في الاقتصاد. وفيما يرفض سلامة أن ترمى على كتف المصرف المركزي كل <المصائب> والملفات الاجتماعية الثقيلة مثل ملف الاسكان، لا يخفي استغرابه مما يطلب منه أحياناً لجهة الموافقة على مد مصرف لبنان الدولة بمبلغ 12 مليار دولار بفائدة واحد بالمئة لمدى عشر سنوات لتغطية جزء من العجز، لأن ذلك سوف يعرض لبنان لـ<عقوبات> معنوية من وكالات التصنيف التي تراقب عن كثب تراجع الواقع المالي في البلاد.

ويقول زوار الحاكم انه يلتقي مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في التأكيد على ان الظروف الداخلية المتفاقمة نتيجة الخلافات السياسية ليست وحدها سبب الضغوط الاقتصادية والمالية التي تواجه لبنان، بل هناك عوامل خارجية لا قدرة للبنان على مواجهتها لأنها تفوق القدرة الذاتية، وهي ناجمة عن مفاعيل الانكماش الاقتصادي العالمي، ويعطي مثلاً لما يجري في دول الخليج على رغم امتلاكها ثروات نفطية وغازية، وأدى هذا الانكماش الى استعانة مؤسسات لبنانية تعمل في الخليج بالمؤسسات الأم في لبنان لتأمين مصاريفها، بعدما كان العكس الذي يحصل. ويسجل الحاكم بكثير من الأسف تراجع تحويلات اللبنانيين من الخارج الى الداخل لاسيما بعد الضوابط (أو التعقيدات) التي نتجت عن العقوبات الأميركية، ويضرب مثلاً بأن نسبة التحويلات تراجعت في العام 2018 بما نسبته 20 بالمئة قياساً الى ما سُجل في 2017. وعندما يُسأل الحاكم عن الحملات التي يتعرض لها أحياناً من مسؤولين ووزراء وسياسيين، يقول إنه يفضل ألا يدخل في جدال مع القائمين بهذه الحملات لأن لهم حسابات شخصية لا يرغب في مجاراتهم بها، فالصورة ــ يقول ــ واضحة أمام المسؤولين الذين يعرفون الحقيقة كاملة ولا يخفي عنهم شيئاً لأنه مؤتمن على الواقع المالي والنقدي في البلاد ما يفرض عليه مصارحة المسؤولين تعزيزاً للشراكة القائمة بينه وبينهم وللصراحة التي انتهجها منذ تسلمه حاكمية مصرف لبنان.

ويدعو الحاكم سلامة المهتمين فعلاً بالمحافظة على قوة الليرة ومنعتها الى الكف عن اطلاق الشائعات وتنظيم الحملات ضد الحاكمية لأن الانعكاسات السلبية لما يفعلون إن حصلت ــ لا سمح الله ــ لن تميز بين سياسي وآخر، أو بين مسؤول وآخر، فالكل في مركب واحد وإذا غرق سيغرق الجميع!