14 November,2018

سقـطت شـــركات مـحـــاصـصـة الـنـفـــــايـات تـحـت مطرقـــة الـــــرئـيـس نـبـيـــــه بــــــــــــري!  

بقلم وليد عوض

3 لعبة مخابراتية لا بد أن تنكشف مع الوقت في الهجمة المباغتة على ثورة الربيع اللبناني، أو ثورة <طلعت ريحتكم>، واستخدامها قنابل <المولوتوف> في رشق القوى الأمنية. وحسناً فعل شباب حملة <طلعت ريحتكم> عندما أرجأوا تحركهم يوم الاثنين الماضي، ريثما يعيدون تنظيم الصفوف، ويوحدون شعاراتهم ولا يدخل عليها مدسوس!

  وكاد رئيس الوزراء تمام سلام، وهو يصغي الى هتافات شباب وشابات ساحة رياض الصلح، أن يقول <الى مطالبكم خذوني معكم>. فهو، كأي مواطن آخر غير ملوث بالصفقات، وغير معني بما يدور من ألعاب مالية وراء الكواليس، ولا يحضر حفلات زفاف أولاد بعض المتهمين بصفقات النفايات، ولا يمتلك الأرصدة المالية في المصارف، كما حال سواد أهل السياسة والزعامة. وقد أخطأ أحد شباب ساحة رياض الصلح حين تساءل بصوت عال: من أين أتى تمام سلام بملايين الدولارات لإنشاء بيت المصيطبة؟

   أولاً اكتسب تمام سلام بيت المصيطبة بالوراثة عن والده الراحل الرئيس صائب سلام ــ طيب الله ثراه ــ ولم يحدث فيه أي تغيير، وهو البيت الذي كان مقدمة لثورة أبطال راشيا وبشامون، بعدما وضع جنود فرنسا حرابهم على أبواب مجلس النواب، إثر قيام النواب، وعلى رأسهم سعدي المنلا ورشيد بيضون، بتغيير العلم اللبناني واخراجه من معطف العلم الفرنسي!

   ولكن خطأ شاب واحد لا يلغي جوهر ثورة <طلعت ريحتكم>، ولا يعطل ذلك الحماس الكبير الذي أبدته المرأة اللبنانية، أماً وأختاً وبنتاً، في التعبير عن مشاكل العائلة، وهموم المعترين، فكان صوت كل أنثى في تظاهرات ساحتي رياض الصلح والشهداء صدى لقلوب الناس، ودموعهم وهم في غمرة المعاناة من النفايات على أبواب منازلهم، والكهرباء، وتذكر الناس شعر المتنبي عن الحمى حين قال: <وزائرتي كأن بها حياء/ فليس تزور إلا في الظلام>، والكهرباء كحمى المتنبي لا تزور الناس حتى في… الظلام الدامس الذي ينشره التقنين الكهربائي!

   ومن صيحات نساء ساحة رياض الصلح علمنا أن أمهات بالجملة اشتقن الى أولادهن الذين ابتلعتهم الغربة بعد جفاف فرص العمل في وطنهم لبنان. ومن صيحاتهن كذلك كان واضحاً أنهن يشكون من قلة الحيلة في شراء الدواء ودفع إيجار المسكن.

6-(14)  

النفايات… السياسية!

   كانت النفايات، ولاسيما النفايات السياسية، هي المدخل الى غضبة ساحة رياض الصلح، ولكن المأساة كانت أعمق من ذلك كله. كانت هناك صرخة ضد مجلس النواب الذي جدد مرتين لنفسه، وقالت الصرخة فيه ما لم يقله مالك في الخمر، والصرخة هي اتجاه معاكس لمنطق الدستور. فالمطلوب الآن هو انتخاب رئيس جمهورية، وهذه الصرخة تبناها رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، وقال ان شباب ساحة رياض الصلح يجب أن يبقوا في الساحة لإجبار النواب على انتخاب رئيس للبلاد. وهذا يحتاج الى نواب ينتخبون الرئيس، وبدونهم لا يكون رئيس.

   لكن صرخة <طلعت ريحتكم> لم تحفل بكلام الدكتور جعجع، وأطلق شبابها صيحتهم ضد الطبقة الفاسدة، والحكومة التي هي غير شرعية، والمجلس النيابي الذي هو غير شرعي، فكبر الحجر، واستعصت الحلول. ولم يسلم وزير الداخلية نهاد المشنوق من رذاذ هذه الصرخة، لأنه لم يتخذ القرار السريع بإحالة الذين أطلقوا الرصاص المطاطي على المتظاهرين والمتظاهرات، وفيهم شيوخ وأطفال.

   وكان سؤال في زحام تظاهرة <طلعت ريحتكم> والمندسين بقنابل <المولوتوف> والعصي هو: من يملك الشارع؟ الشباب البريء من كل تلوث سياسي، أم الأحزاب التي تضع يدها على الشارع في الكثير من المناسبات؟ وهنا تشير الأصابع الى محسوبين على حركة <أمل> وحزب الله، وبهذه المجاهرة أطل القيمون على تظاهرة <طلعت ريحتكم>، واستدعى ذلك بياناً من حركة <أمل> تنفي ضلوعها في أحداث الشغب، وكذلك كان توضيح من حزب الله. إذن… من يمتلك زمام الشارع؟! وقد نزل الجيش في ساعة متأخرة من ليل الأحد الماضي، بعدما أمعن المشاغبون تكسيراً وتحطيماً في المحلات التجارية وأبواب الشركات، وإذا نزل الجيش الى الشارع، فلن يعود لأحد كلمة، ولا حضور، خصوصاً وأن الجيش متماسك وغير قابل لأي انفراط كما حصل عام 1986.

   وللدلالة على أن الرئيس نبيه بري ليس معادياً لهوى شباب <طلعت ريحتكم> رغم تركيزهم على عدم شرعية مجلس النواب. هو اعلانه ليل الاثنين الماضي عن تحفظه على النتائج التي انتهت إليها جلسة فض العروض داخل مكتب رئيس مجلس الانماء والاعمار نبيل الجسر، لا داخل مكتب الوزير في مبنى العازارية، بعدما اكتشف أن الأسعار التي انتهت إليها عروض الشركات المفضوضة ظروفها المختومة أكثر من الأسعار التي كانت شركة <سوكلين> تتقاضاها، وقد بلغت 205 دولارات عن طن النفايات، مقابل 160 دولاراً كانت <سوكلين> تتقاضاها وتحرر بيروت وبعض المناطق من كل أثر للنفايات.

اعتراض الرئيس بري

Ministerial-Council

   ولم يكتف الرئيس بري بالاعتراض، بل طلب إعادة النظر في مناقصات ملف النفايات لأنها تحمّل خزينة الدولة فوق ما تحتمل. وبهذا الاعتراض استعان مجلس الوزراء يوم الثلاثاء الماضي وألغى المناقصة من الأساس.

   وقد راعى نعمة افرام رئيس شركة <اندفكو> الفائزة في المناقصة العائدة الى جبل لبنان الشمالي، أي المتن وكسروان وجبيل، الأسعار التي لا تكبد خزينة الدولة فوق ما تحتمل، وجعل بدل التخلص من طن النفايات الواحد 123 دولاراً أي أقل حتى من شركة <سوكلين> التي يرئسها ميسرة سكر صاحب الخبرة الطويلة في هذا الباب. والأمر يحتاج الى مساءلة بالقياس الى أسعار باقي الشركات الفائزة بالمناقصة في بيروت والجنوب والشمال والبقاع.

   وهناك توجه لدى شباب <طلعت ريحتكم> أو شباب ربيع لبنان الجديد الطاهر من كل تلوث سياسي بإثارة موضوع أسعار جمع النفايات في صرختهم غداً السبت الذي اختاروه لأكبر تجمع رافض للنظام السياسي الحاكم. وثمة من يتكل على هؤلاء الشباب في فتحهم موضوع رئاسة الجمهورية، وعدم اخراجه من المطالب التي كانوا يصدحون بها في ساحة رياض الصلح، وساحة الشهداء، لأن انتخاب رئيس الجمهورية هو مفتاح الخلاص من الأزمات التي يعانيها الناس، ولاسيما الأزمة المعيشية الخانقة.

   صراع مستمر بين المتظاهرين أصحاب شعار <طلعت ريحتكم> ومعهم فرع جديد لهم بشعار <حلوا عنا>، وفرع ثالث أمام قصر العدل بشعار <بدنا نحاسب>، وبين الجالسين على كراسي السلطة. وقد استطاع الرئيس تمام سلام، بما عنده من صبر وحكمة وطول أناة، أن يصمد في وجه الدعوة الصاخبة الى استقالته، لأنه يدرك ان هذه الاستقالة، في غياب رئيس جمهورية، ومجلس نيابي يتولى التشريع، هي قفزة في حضن المجهول، واستدعاء للفوضى. وقد سانده في هذا الموقف الرئيس نبيه بري ووليد جنبلاط وسفراء الدول العربية والغربية.

   ولكن هل يستمر مشهد الصمود؟! لقد انتظر اللبنانيون الجواب من جلسة مجلس الوزراء يوم أمس الخميس، وكذلك فعل شباب <طلعت ريحتكم>، فإذا تمكن المجلس من إصدار قرارات تكفي لامتصاص غضبة الناس، وأولها فتح دورة استثنائية لمجلس النواب، ورفع سن التقاعد ثلاث سنوات، واستيعاب مطالب العماد ميشال عون وتكتل الاصلاح والتغيير، ومحاكمة العناصر الأمنية التي أطلقت الرصاص على الشباب المتظاهر يوم الأحد الماضي، وتأمين سلفة مالية لدفع رواتب موظفي القطاع العام في أيلول (سبتمبر) المقبل، عندئذ يمكن لحملة <طلعت ريحتكم> أن تهدأ..

   أما إسقاط النظام، كما فعل شباب ميدان التحرير في القاهرة، فهو موضوع بعيد المنال لاختلاف التركيبة السياسية والطائفية اللبنانية عن تركيبة المجتمع المصري..

   ولكن، إذا ساءت الأمور بعد جلسة مجلس الوزراء، وكاد الشارع أن يتفلت من عقاله، فنحن أمام دور جديد للجيش ولقائده العماد جان قهوجي، وهو إحدى الصيحات التي طالبت به في ساحة رياض الصلح.

   وانتظروا مشهد البدلة العسكرية.