22 September,2018

سـنـــــــــة مــزهـــــــــرة لــبــدايــــــــــة الــولايـــــــــة الــرئــاسـيــــــــــة لــمــيــشــــــــــال عـــــــــون!

 

بقلم وليد عوض

الحريري-ميركيل--2

في مدى سنتين، لا أكثر، تحل ذكرى مئوية مولد لبنان الكبير. ومن يستطيع أن ينسى يوم 1 أيلول (سبتمبر) 1920 حين وقف الجنرا ل <هنري غورو> أول مندوب سام في لبنان وسوريا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى معلناً ولادة دولة لبنان الكبير. ومن الآن يختلف السياسيون في التعامل مع هذا العيد. فريق يرى انه موعد ولادة لبنان الكبير، جامعاً بين الجبل والساحل. وفريق يرى انه بدعة أجنبية لم يحققها النضال اللبناني بل جاءت تحت وسادة ديبلوماسية!

كان لبنان وسوريا مرمى واحداً للديبلوماسية الأوروبية، وكان للجنرال <غورو> موقفان: واحد داخل قصر الصنوبر في بيروت، وآخر داخل قصر الحكم الفرنسي في دمشق. وما فتحت زهور هذه المناسبة إلا بفضل مبادرات الزعماء السوريين مثل شكري القوتلي ولطفي الحفار وناظم القدسي وفارس الخوري وصبري العسلي. كلهم كانوا مع هذه الولادة القيصرية للبنان، الجامع بين الجبل بدءاً من زحلة، والساحل بدءاً من بيروت وجبيل وطرابلس وباقي بلدات الشمال ورجوعاً الى بلدات الجنوب. ووحده عبد الحميد كرامي، المفتي الأصيل في الشمال كان معترضاً على الاحتفال بهذه المناسبة، لأنه كان يرى ان طرابلس جزء من سوريا وتسمى طرابلس الشام. وهناك في أرشيف وزارة البريد صكوك تحمل اسم: طرابلس الشام. إلا ان زعماء سوريا، وأولهم لطفي الحفار، مارسوا على عبد الحميد الضغط الكبير حتى يلتحق بدولة لبنان الكبير، ونجحوا، ولكن أبا رشيد لم يأت الى احتفال قصر الصنوبر لإضاءة شموع الدولة الجديدة.

ورباط عبد الحميد كرامي القومي، وهو الهوى السوري، تلازم مع مصاهرته للطفي الحفار بأن جمع بين شقيقه محمد كرامي وسلمى كريمة لطفي الحفار.

تلك معلومات لا بد من ذكرها في خضم هذه المتغيرات التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط، وتنشئ دويلات مثل شرقي الأردن برئاسة الأمير عبد الله شقيق الشريف حسين بطل الثورة العربية.

ولكن على أية فرنسا يستطيع لبنان أن يعتمد؟

من الآن وحتى العام 2020، أي بعد سنتين أو بعد 100 عام على ذكرى ولادة لبنان الكبير، يستطيع اللبنانيون أن يراهنوا على الرئيس الفرنسي الشاب الجديد <ايمانويل ماكرون>، وهو بحسب التقديرات للوسائل الإعلامية الفرنسية مهيأ لولاية رئاسية ثانية عام 2027، أي ان فرنسا تستعيد حضورها التاريخي كقوة مؤثرة في تاريخ البشر، مثلما فعل الجنرال <شارل ديغول>، والرئيس <فرانسوا ميتيران>، والرئيس <جاك شيراك>، وربما تتهيأ فرنسا لقيادة العالم.

ومقابل فرنسا، وصعودها في السنوات المقبلة، هناك ألمانيا مع فارق استراتيجي مهم. ففرنسا بلد يمتلك القنبلة النووية، وهذا ما لا تصل إليه ألمانيا رغم انها عضو دائم في مجلس الأمن، وتخص جيشها بموازنة ذات اعتبار.

يوم السابع من شهر أيار (مايو) الماضي خرج <ايمانويل ماكرون> الى النور ويستطيع أن يمكث في قصر <الإليزيه> حتى العام 2027، ولم يقل <ماكرون> ماذا يخبئ لفرنسا لكن المرمى الذي يسعى إليه أن تكون فرنسا قوة كبيرة ولا بد من ذلك كضرورة.

منافسة من نهر <الراين>

وأمام <ماكرون> منافسة بالعيارات نفسها. أي شعبية صاعدة بلا حدود، وهي المستشارة الألمانية <أنجيلا ميركل> بنت الثلاثة وستين عاماً ذات الولاية المجددة يوم 24 أيلول (سبتمبر) الماضي، وهي ولاية أربع سنوات لن تتكرر دستورياً، ويعني ذلك ان تلقي أوراقها السياسية أمام <ماكرون>.

ومن أبرز أدوات المنافسة في السوق الدولية بين فرنسا وألمانيا صناعة السيارات والكومبيوتر والأجهزة الاليكترونية. فسيارة <الرينو> أو <سيتروين> الفرنسية رائجة في السوق العالمية مثل <الفولسفكن> و<مرسيدس> الألمانية، وهما أغلى ثمناً في السوق من السيارات الفرنسية. وفي منظور <أنجيلا ميركل> ان السيارة هي حصان السباق بين ألمانيا وفرنسا من حيث الحضور في أسواق العالم. والحلبة الجديدة التي سيتنافس فيها الطرفان خلال عام 2018 و2019 هي ورشة إعادة الإعمار في سوريا، وقد يعقد الفريقان الخناصر ليكونا القابضين على معالم هذه الورشة التي ستكون تكاليفها بمئات مليارات <اليورو>.

تلك هي الوسائل البديلة للسلاح، بعدما انتهى سوق السلاح في سوريا والعراق. وقل لي ما هي سيارتك أقل لك من أنت. وسيكون لشركات الهندسة والمقاولات الفرانكو ــ ألمانية مكان الصدارة في البناء الصناعي والاقتصادي الجديد للشرق الأوسط.

والحضور الاقتصادي لكل من فرنسا وألمانيا في سوق الشرق الأوسط سوف يواكبه تكريم شخصيات من البلدين، فيكون هناك شارع <جاك شيراك> وشارع <فرانسوا ميتيران> مثل شوارع <هلموت كول> و<أنجيلا ميركل> و<جيرهارد شرويدر>. هكذا تبدو الصورة في مقدمة الأشياء. والدولة التي تملك المال تملك أيضاً الزمام وتقبض على مقاليد السياسة، وسوف تنشأ تبعاً لذلك تيارات قومية مناهضة لهذا الافتراس الأجنبي للسوق الاقتصادي.

 

بدل جواز السفر!

وما هو واقع اللبنانيين أمام كل هذه المتغيرات بعد سنة من ولاية الرئيس ميشال عون؟

الكل يراهن منذ الآن على انتخابات أيار (مايو) المقبل ولكن المشوار ليس ذهبياً بل هو محفوف بالمخاطر والمفاجآت، وتحديداً ضمن أهل الفريق الحاكم. فريق يتمسك بالبطاقة البيومترية ويرى فيها قفزة نوعية في انتخابات البلد، وفريق يرى تسهيل عملية الانتخاب، وفي حال تعذرت الاستعانة بالبطاقة البيومترية فيمكن اللجوء الى جواز السفر أو الهوية والانتخاب في مكان وجود الناخب، وقد طلب وزير الداخلية نهاد المشنوق فسحة من الوقت لحسم المسألة والوصول الى الغاية التي ترضي الفرقاء.

ولأن كل تدبير أو إجراء يصادف انقساماً في البيئة اللبنانية، وهذا من صميم اللعبة الديموقراطية، فالصراع على المقاعد الانتخابية لازمة من لوازم المعركة، خصوصاً وأن التغيير الذي رشحته الاجراءات الادارية ينبغي أن يعكس على قانون الانتخاب نفسه، بعدما تبدلت مفاهيم قانون الانتخاب في كل دول العالم. والتغيير المنشود هو في استيلاد طبقة نيابية جديدة تحل مكان مجلس النواب الممدد له ثلاث مرات، ويعتزل العمل النيابي فيه كل من أصيب بالتقصير نتيجة إعاقة أو مرض، ليحل مكانه نائب جديد واسع المدى الشعبي، مدمن على الخدمات، ومشاهد النواب الذين يصعدون درج مجلس النواب في الجلسات الانتخابية تنبه الى وجود Aoun-Macron-1نواب متثاقلي المشية، وانجازاتهم الانتخابية شروى نقير.

وما يحفز النواب على التغيير تلك الخطب التي تعاقب على إلقائها الرئيسان ميشال عون وسعد الحريري ووزير العدل سليم جريصاتي، ودعوا فيها الى إنشاء مجتمع خالٍ من التعصب والعنصرية والمذهبية، وهذا غير متوفر بوجود مليون ونصف مليون نازح سوري على أرض لبنان، والخلاف حول تسفير الجماعات منهم الى الأراضي السورية التي هدأ فيها قصف المدافع، ودوي الصواريخ وأزيز الرصاص.

والمرحلة الآتية تقتضي تأليف لجان لتتولى كل لجنة العناية بفريق لتسفيره الى أرضه، سواء أكان ذلك في حلب والقسم الشرقي أو عند درعا وسط الحدود السورية ــ الأردنية في الجنوب، أو حمص ومحافظاتها في الوسط. شيء يشبه وجود القائم مقام.

خريطة الطريق

والشاغل المطلوب في هذه المرحلة هو صيغة لبنان المستقبل، ومدى تجاوب اللبنانيين مع هذه الصيغة بعد سنة من ولاية الرئيس ميشال عون، وفيها تلاحم متميز بين القطاع العام الذي هو أجهزة الدولة والقطاع الخاص الذي هو الهيئات الاقتصادية والاستثمارية، وتوليد مجتمع جديد فيه حظ لكل مكافح، وفرصة عمل لكل عاطل عن العمل، ومنع انهيار أية مجموعة لبنانية عاملة، وإعادة النظر في مسيرة التعليم، وعند وزير التربية مروان حمادة مشروع متكامل لهذا الغرض، وتغيير في أسلوب الأستاذ المحاضر بحيث لا يدخل الى الدرس مباشرة بل يعرض مع الطلاب واقعهم المعيشي ومشاكلهم الحياتية، ومنها يدخل الى كتاب <كليلة ودمنة> أو أشعار أبي الفراس الحمداني وابن عمه أبو الطيب المتنبي.

ومن واجب الأستاذ المحاضر أن يفسح في فترة الاستراحة لتلاميذه مجال محادثته في الموضوع الذي يهم العائلة ومستقبل الطالب أو الطالبة.

ونعود الى أصل الموضوع. وهو رباط المواطن بالوطن، فلا يكون هناك اقبال على تأشيرة السفر بعد التخرج من الجامعة، لا لطلب السفر بل لدراسة وضع الطالب عائلياً، أم مجتمعياً، والتصرف على أساس خارطة الطريق الجديدة.

وعلى خريج الجامعة أن يجتمع بأهل المعرفة لمتطلبات سوق العمل هل هي الهندسة، أو ادارة الأعمال، أم الطب، أم المحاماة. ذلك ان مهناً كثيرة كالمحاماة تغص بطلاب التخصص فيها، وخير للطالب أن يعاين فرص المستقبل قبل أن ينوي على قرار.

هكذا يفعلون في فرنسا وألمانيا وانكلترا أي دراسة خريطة الطريق قبل أن يقول الطالب: إني غداً من الأوائل!