21 November,2018

«سـكـيـزوفـريـنـيـــــــا»

 

بقلم سعيد غريب

 

SAM_5208

أروع ما في السياسة اللبنانية قراءة السياسيين للحالة اللبنانية، وأجمل ما في الإعلانات الترويجية للبرامج السياسية سؤال: كيف يقرأ <القيادي> فلان أو الزعيم الفلاني التطورات في لبنان والمنطقة والعالم؟ باعتبار أن لبنان ضيّق على فكره ورؤيته…

يعلكون و<يَصْفُنون> ويحركون أياديهم ويصفّون الكلمات ولا يتحدّثون مرة لغة الصدق، إنها المكافحة من أجل البقاء..

هم أنفسهم هتّافو هذا الرئيس أو ذاك في الأمس، والمهلّلون لسقوطه اليوم.

لا بدّ أن يكون السياسي عندنا أحداً، فقد علّمهم <ماكيافيللي> درساً: <من ليس له موقع في هذه الحياة لن يجد حتى كلباً ينبح عليه>… ولا لزوم هنا لنفهم لماذا يدفع المرشحون الملايين لصاحب اللائحة.

يندّدون بالرجال العاديين والمحترمين، يدعون الخصوم الى المبارزة، لكنهم لا يشاركون شخصياً في أي اشتباك، ويجبرون المتناحرين على أن يحبوا اليوم من جرّوهم على كرههم أمس.

<سكيزوفرينيا> محلية في جو عجز عام يلفّ لبنان برمته.

هستيريا في كل مكان، فيما القرار ليس عندنا.

جنون بدرجات، وأعصاب تتلف مع الوقت، فيما قواعد اللعبة لم تعد واضحة والمبادرة في مكان آخر.

ماذا سيفعل الشعب اللبناني بعد، بل ماذا يستطيع أن يفعل؟

لن يفعل شيئاً مع سياسييه الجدد، سينتظر قرار الكبار، وكبير الكبار هو الذي <يمون>، ولن يتمكن <قادة> الشعب اللبناني من إقامة لبنانيين إذا صحّ أن أقامت الدول الكبرى لبنان.

ماذا سيفعل اللبنانيون في بلد مرضه من عمره ولا يزال حياً؟ في دولة هي الوحيدة التي لا كهرباء فيها، ولا حلول لنفاياتها المغطّاة بلحاف أبيض؟

يقودنا السياسيون الجدد الى الترهات ونحن في مرحلة صعبة جداً من مراحل المصير، وإذا اختلف اثنان على الطريق يأخذنا <كبارنا> الى المصير.

لا نحلم بالكثير، نريد أنقياء متعلّمين مثقفين أذكياء، يسنّون لنا قوانين نقية علمية متطورة وذكية.

نريد أن نقيم وطناً ودولة، لأن الشعوب التي تحرّكها القوى الخارجية لا تستطيع أن تقيم وطناً ولا دولة.

لا نريد أن ننسى كباراً صنعوا أمجاداً للبنان، ولكننا لا نريد أن نتعلق بهم ونعيش في الماضي ولا نحلم بالمستقبل لأولادنا وأولاد أولادنا.

نريد للبنان أن يشبهنا ورئيساً يشبهنا لنمارس ديموقراطية واعية، وحريات سياسية عالية الجودة وإعلامية راقية.

نريد انتخابات للشباب الأوادم ناخبين ومنتخبين، نريد عاصمتنا ومدننا وقرانا للنور.

ولنتعلم من الشعب الياباني أثناء محنته الأخيرة هذه الفضائل العشر:

– الهدوء، لأن الاضطراب يقصّر عمر الإنسان وعمر الدول، ويدمر ما تبقى.

– الاحترام، حيث لا كلمة جافة ولا تصرف جارح.

– القدرة، فالمباني تتأرجح ولا تسقط.

– الرحمة، فالناس يشترون فقط ما يحتاجونه للحاضر حتى يستطيع الجميع الحصول على كل شيء.

– النظام، فالفوضى تزيد من الإرباك وهي أصلاً ملغاة من قاموسه وكذلك الزمّور.

– التضحية، هناك خمسون عاملاً بقوا في المفاعل النووي يضخون ماء البحر فيه لينقذوا الملايين.

– الرفق، فالمطاعم خفّضت أسعارها والقوي اهتمّ بالضعيف.

– التدريب، الكل يعرف ماذا يفعل بالضبط، كباراً وصغاراً.

– الإعلام، انه رائع لا مكان لمذيعين تافهين، فقط تقارير هادئة.

– الضمير، واقعة واحدة تكفي، عندما انقطعت الكهرباء في المحال أعاد الناس ما بأيديهم الى الرفوف ومشوا بهدوء…

ونردّد مع جبران خليل جبران:

<ويل لأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر.

– ويل لأمة تحسب المستبد بطلاً وترى الفاتح المذل رحيماً.

– ويل لأمة سائسها ثعلب وفيلسوفها مشعوذ وفنّها فن الترقيع والتقليد.

– ويل لأمة مقسّمة الى أجزاء وكل جزء يحسب نفسه فيها أمة>.

ويتضح كل يوم أن أهل الغرب ليسوا عباقرة ونحن أغبياء، هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل.

و<السكيزوفرينيا> تكشف العورات وتغطيها في آن…

ونحن الشعب اللبناني، سنبتسم إذا انهزمنا مرة أو أكثر، لأننا سنفقد المنتصر لذّة الفوز، ولن نتحدى أناساً ليس لديهم ما يخسرونه، وعندما نُطعن في الخلف فلنعلم أننا في المقدمة.