26 September,2018

ســــلام للــــرئيس «هولانــــــد »: نحن نختار الرئيس ولكن ساعدونا على ذلك!

بقلم وليد عوض

hollande-salamفي التحليل السياسي ان إيران واسرائيل تنافستا على عرض العضلات الأمنية في أسبوع واحد. إيران شنت غارات جوية على قوات <داعش> في العراق، لتقول للعالم <نحن هنا>، واسرائيل شنت غارة جوية على ضواحي دمشق لتقول: <ونحن أيضاً هنا>. وكأن ضرب ضواحي دمشق بحجة قصف قافلة أسلحة كانت منقولة الى حزب الله، جواب على غارة إيران على ضواحي بغداد. والفارق بين الغارتين أن تلك التي جرت فوق الأراضي العراقية كانت بضوء أخضر من السلطات العراقية، وأن الغارة الاسرائيلية لم تكن بضوء أخضر من أي جهة غير رئيس الوزراء <بنيامين نتانياهو> الذي يريد أن يخوض انتخابات 17 آذار (مارس) البرلمانية بلباس إله الحرب!

   صحيح ان الغارة الإيرانية على الأراضي العراقية، والغارة الاسرائيلية على الأراضي السورية، بعيدتان عنا في لبنان، من الناحية الجغرافية، إلا أنهما جزء من معاناتنا السياسية. فاليد الإيرانية متغلغلة في شؤوننا اللبنانية، عبر حزب الله، واليد الاسرائيلية تهددنا جنوباً وليس علينا إلا قوة الاحتمال. وثمة من رأى ان الغارة الاسرائيلية على دمشق تشكل تحدياً لكل من إيران وروسيا صاحبتي الغطاء السياسي والأمني لسوريا. وما دام الأمر كذلك فلماذا لم يرف لهما جفن في الغارة الاسرائيلية على ضواحي العاصمة السورية؟! وإذا لم يتحرك الغطاء الأمني الإيراني والروسي لسوريا في حالة الغارات الاسرائيلية فمتى إذن يتحرك؟!

   إن حزب الله، كما قال نائب كتلة الوفاء للمقاومة علي فياض في حديث صباحي يوم الثلاثاء الماضي لإذاعة <مونت كارلو> لن يترك سوريا إلا بعد زوال خطر القوى الارهابية والتكفيرية واندحارها، وحتى ذلك الحين فإن حزب الله مستمر في العمل على الأراضي السورية صوناً لأمن لبنان وسلامة أراضيه!

   وقال النائب فياض أيضاً إن مسألة وجود الحزب في سوريا غير مطروحة على مائدة الحوار الموعود مع تيار <المستقبل>، والاتفاق سيجري على النقاط غير القابلة للخلاف، ومنها مجاهرة حزب الله بترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، حتى لو عرض تيار <المستقبل> انسحاب مرشحه الرئاسي الدكتور سمير جعجع لمصلحة مرشح توافقي، إلا إذا قال العماد عون انه لم يعد مرشحاً رئاسياً.

   والمرشح الرئاسي التوافقي لم يعد مسألة لبنانية فقط، بل هي الآن قضية أوروبية بعدما أعلنت فرنسا مساندتها لهذا المرشح عندما يتفق عليه اللبنانيون، بلسان المبعوث الفرنسي <جان فرانسوا جيرو> مدير دائرة الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الفرنسية، ونقل هذا الموقف حتى الى الدكتور سمير جعجع الذي زاره في معراب. وهذا الموقف سمعه أمس الأول الأربعاء الرئيس تمام سلام في قصر <الإليزيه> من لسان الرئيس <فرانسوا هولاند>، الى جانب المواضيع الأخرى، كصفقة تسليح الجيش اللبناني بالأعتدة الفرنسية، ومنها طائرات <الهليكوبتر> والصواريخ أرض ــ أرض، وأرض ــ جو.

   وركز الرئيس سلام على أهمية التسريع بتسليم جيش لبنان هذه الأعتدة بالنظر لتزايد خطر الارهاب التكفيري على لبنان، وخصوصاً بعد اعلان الموفد القطري أحمد الخطيب السوري الجنسية الانسحاب من الوساطة بين حكومة لبنان و<جبهة النصرة>.

أوهام.. الوسيط!

سالم-الرافعي-1

 

   وقد ثبت ان رهان الحكومة اللبنانية على هذا الوسيط القطري كان مجرد فقاعة صابون، بعدما ثبت ان الرجل أتم مهمته كوسيط عندما أتاح لدولة قطر أن تتسلم سجينة قطرية في السجون السورية، وكفى الله شر الوساطة والوسطاء.

   وقد تولى الرئيس سلام في لقائه مع الرئيس <هولاند> تقديم لبنان كعاصمة لمكافحة الارهاب، وما الجنود اللبنانيون المخطوفون في جرود عرسال عند جبهتي <النصرة> و<داعش> إلا الشاهد والدليل. ولم يكن يكفي في نظر الرئيس سلام، أن تنجز فرنسا صفقة أسلحة الثلاثة مليارات دولار من السعودية، بل كان هناك تعويل على الرئاسة الفرنسية بأن تحصل للبنان ضد الارهاب على دعم الاتحاد الأوروبي، إذ لا يكفي لهذا الاتحاد أن تكون له سفيرة هي <أنجيلا ايخهورست> وكفى، بل ان يدعم لبنان في مسألة استيعاب النازحات والنازحين السوريين الذين قد يصل عددهم عام 2015، الى مليون و750 ألف نسمة، وهذا يتطلب مدهم بالغذاء والدواء والدفء والتعليم لأولادهم وعدم تركهم في الطرقات.

   وقد حاول الرئيس تمام سلام وهو يزور <بروكسيل>، عاصمة الاتحاد الأوروبي في الشهر الماضي أن يشرح مشكلة فيضان النزوح السوري في لبنان، ولكنه لم يحصل على وعود حاسمة في هذا الموضوع. وقد أبلغ الرئيس <هولاند> بهذا الهاجس، وطلب أن تكون له يد مساعدة في تفريج أزمة النزوح السوري، حتى انطبق على رئيس وزراء لبنان قول الشاعر: <إني لأفتح عيني حين أفتحها على الكثير ولكن لا أرى أحداً>..

   وهذا الواقع المرير يتطلب من السلطة اللبنانية أن تتكل على نفسها، وعلى الامكانات المتاحة بين أيديها، وتباشر، ضمن سياسة تحديد الخسائر، الى فك عقدة الملف الخاص بالعسكر اللبنانيين المحتجزين عند <النصرة> و<داعش> باعتباره قضية وطنية وانسانية، مخافة أن يقدم الارهابيون على قتل رهينة رابعة من الجنود في أعالي عرسال. والشيخ سالم الرافعي رئيس هيئة العلماء المسلمين جاهز للحلول مكان الوسيط القطري، لوجه الله، ولكنه يطلب لقبول هذه الوساطة أمرين: الأول الحصول على تفويض من الحكومة اللبنانية بهذه الوساطة، والثاني الافراج عن المرأتين اللتين اعتقلهما جهاز الأمن اللبناني، وهما سجى الدليمي مطلقة أبو بكر البغدادي ورفيقتها علا العقيلي زوجة أبو علي الشيشاني، عملاً بالآية الكريمة: <ولا تزر وازرة وزر أخرى>، وقد تحقق يوم الثلاثاء إخلاء سبيل المرأتين وتسليمهما للأمن العام. ولكن معادلة الشيخ سالم الرافعي تحتاج الى تعهد من <جبهة النصرة> بعدم قتل أي عسكري.

هواجس النزوح السوري

   ولم يتلق الشيخ سالم الرافعي جواباً من الحكومة اللبنانية حتى الآن بانتظار عودة الرئيس تمام سلام من باريس، والتفاهم مع مجلس الوزراء مجتمعاً حول هذا الموضوع. وهي في المحصلة النهائية دلالة على أن أزمة لبنان مفتوحة على جبهتين: جبهة العساكر المخطوفين في أعالي عرسال، وبقاؤهم تحت البرد القارس، وهاجس الغد المجهول، وجبهة النزوح السوري الذي أصبح ضاغطاً على أمن البلاد واقتصادها، والانفصال بين النازحين السوريين ومحيطهم اللبناني، ذهاباً من إحراق خيام لهؤلاء النازحين في عكار.

   وكان وزير الداخلية نهاد المشنوق على حق حينما هاجم تسريب خبر اعتقال المرأتين التابعتين لزوجين في <جبهة النصرة>. فقد أدى هذا التسريب الى مقتل الدركي المخطوف علي البزال كرد على توقيف المرأتين. وكانت الحكمة تقضي بأن يظل اعتقالهما طي الكتمان، بانتظار الوصول الى تفاهم مع الخاطفين. وكل أصحاب الضمير الوطني يوجهون أنظارهم الآن الى أعالي عرسال للاطمئنان على العشرة عساكر المخطوفين، وتهدئة روع أهاليهم الذين بلغت مخاوفهم على أولادهم روح الحلقوم، وكانوا معذورين حين طالبوا باستقالة الحكومة إذا ظل أولادهم في الأسر، ولم يظهر مؤشر لتحريرهم..

   ولكن هل درى أهالي المخطوفين ما معنى استقالة الحكومة في هذا الظرف البالغ التعقيد؟!

الراعي

 

   سوف تتحول الحكومة باستقالتها، إذا حدثت، الى حكومة تصريف أعمال، أي الى حكومة بلا مخالب، وتكون ممنوعة من اتخاذ القرارات المصيرية، وليس هناك قرار مصيري أهم من حرية الجنود المخطوفين.. وليس هناك قرار مصيري أهم من التعاطي مع ملف النزوح السوري الآخذ في الزيادة والانتشار.

   وحسب الأصول الدستورية، ستتطلب استقالة الحكومة أن يقبلها رئيس الجمهورية، وأن يكلف بتشكيلها شخصية أخرى غير تمام سلام أو أن يعيد تكليف تمام سلام إذا قضت بذلك الاستشارات النيابية. فأين هو رئيس الجمهورية حتى يفعل ذلك!؟ أين هو الرجل الذي سيجري الاستشارات النيابية من أجل تسمية رئيس وزراء جديد؟!

لا تنسوا دور بكركي

   مؤكد أن الناطق باسم أهالي المخطوفين، وهو يطالب باستقالة الحكومة، لم يتنبه الى هذا المأزق الدستوري، وإلا ما كان ليفعل.

   وفي هذا المشهد الدستوري تطل صورة بكركي، المظلة الراعية للمسيحيين، ولكل اللبنانيين من حيث المعنى الوطني. فالبطريرك بشارة الراعي لم يكن جاهزاً لاستقبال أقطاب الموارنة الأربعة الرئيس أمين الجميّل، والعماد ميشال عون، والدكتور سمير جعجع، والنائب سليمان فرنجية، بعدما أيقن أنهم خذلوه لعدم اتفاقهم على رئيس جمهورية، من ربعهم أو من خارج ربعهم، بل شاركوا في جلسة تمديد عمر البرلمان اللبناني، ولم يتكفلوا بالنصاب لجلسة تنتخب رئيساً للجمهورية، ولا يجوز الاتفاق على أي رئيس جمهورية إذا لم يراع في الموضوع خاطر البطريرك الراعي. وقد جاء استقبال البطريرك الراعي للرئيس أمين الجميّل ظهر الأربعاء أمس الأول ليحدث خرقاً في جدار المقاطعة البطريركية للأقطاب الموارنة.

   وقد انضم مؤخراً الى الأسماء المتداولة اسم رئيس لجنة الادارة والعدل البرلمانية روبير غانم، ابن قائد الجيش الأسبق اللواء اسكندر غانم، بحيث يكون انتخابه تواصلاً مع الجيش الذي رعاه والده مطلع السبعينات زمن الرئيس سليمان فرنجية، وقيل ان اسم غانم جاء على لسان المبعوث الفرنسي <جان فرانسوا جيرو>، وانه لم يلق ترحيباً من العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع. فيما ظل اسم وزير الخارجية السابق جان عبيد مستقراً، كمرشح توافقي صاحب رأي ورؤية، ونصير شرس لاتفاق الطائف.

   فهل عاد الرئيس تمام سلام من باريس بالترياق؟

   أمس الخميس كان على الترياق أن يظهر في جلسة مجلس الوزراء.

   والتفاؤل الآن هو كل ما يملكه اللبنانيون على أبواب عيد الميلاد. فهل يكون ميلاد حل يخرج البلاد من دائرة الهواجس ويشرق يوم جديد؟!