18 September,2018

ســـــوق نـوويــــــــــــة سـلمـيــــــــــة للـجـمـيــــــــع بـــــإذن مــــــن «كيــــــري» و «لافــــــــــــــــروف»  

بقلم وليد عوض

kerry الى العاصمة القطرية الدوحة كانت الأنظار مشدودة. فالركنان الكبيران في العالم وهما الولايات المتحدة وروسيا كانا الى مائدة واحدة هناك مع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتهم وزير الخارجية السعودي الدكتور عادل الجبير الذي يمثل شكوكاً سعودية في الاتفاق النووي الذي تم توقيعه في فيينا، والملاحق السرية التابعة له، وهو ما حاول وزير الخارجية الأميركي <جون كيري> أن يطمئن بخصوصها وزراء الخارجية الخليجيين بعدما نجح في القاهرة، حسب ظنه، في تقديم الصورة المشرقة للاتفاق الذي تم توقيعه مع إيران. وإذا قالت مصر <نعم> فمن غير المعقول أن يقول الآخرون <لا>.

    لم يأت وزير الخارجية الأميركي <جون كيري> الى الدوحة لترويج محاسن الاتفاق النووي وكفى، بل جاء لشرح قضية أخرى هي الملف السوري الذي يترك تداعياته على لبنان والأردن وحتى العراق وتركيا. فالأساس في الملف السوري، كما شرح <كيري>، هو في دحر تنظيم <داعش>، وبعد ذلك يأتي دور التعامل مع النظام السوري. وقد بدد <كيري> كل الملابسات حين قال إن النظام السوري الحالي هو بدون مستقبل، وإن الحل السياسي هو الملاذ، برغم تسليح الولايات المتحدة لمن تسميهم واشنطن بالمعارضة المعتدلة وتكفل لهم غطاء جوياً.

   وقد طلب <كيري> انضمام وزير الخارجية الروسي <سيرغي لافروف> الى اجتماع الدوحة، من قبيل الإيحاء بأن روسيا غير متشبثة ببقاء الرئيس السوري بشار الأسد إذا كان المطلوب هو الحل السياسي المعتمد على اتفاق <جنيف الأول> عام 2012، وهو الاتفاق الذي ينص على انتقال سلمي للسلطة في سوريا، وحمل توقيع وزير الخارجية السوري وليد المعلم الذي طار الى طهران بالأمس للقاء نائب وزير الخارجية <ميخائيل بوغدانوف> ووزير الخارجية الإيراني <محمد جواد ظريف> للاتفاق على آلية انتقال السلطة في سوريا.

   وقد أراد <كيري> من أجل اعتماد حل <جنيف واحد> أن يجمع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، وبالخصوص وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، مع وزير الخارجية الروسي <سيرغي لافروف> الذي يعمل هو الآخر على تسويق مشروع التكتل بين دول المنطقة، بما فيها سوريا، الذي عرضه في موسكو على وزير الخارجية السوري وليد المعلم ونائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد، واستغرب وليد المعلم هذا الطرح من حيث المبدأ، متسائلاً: كيف ستتحالف سوريا مع دول تمد الارهابيين على الأرض السورية بالمال والسلاح؟

   ومع ذلك فالمستحيل أصبح ممكناً، والولايات المتحدة وروسيا في حلف صريح ضد تنظيم <داعش>، والخلاص من هذا التنظيم يتقدم على الخلاص من نظام الرئيس الأسد. ولكن ألا يعني ذلك جرعة أوكسيجين روسية جديدة لنظام الأسد، لأن الخلاص من <داعش> لا يتم بين ليلة وضحاها، بل سيستغرق ردحاً من الزمن رأى الرئيس الأميركي <باراك أوباما> انه لن يقل عن ثلاث سنوات؟

نوويات سلمية.. للجميع!

   و<كيري> فتح في الدوحة باب تسليح دول مجلس التعاون الخليجي بما تطلبه من عتاد، ولكنه لم يحدد نوع هذه الأسلحة، وفي الكواليس الخاصة باجتماع قطر أن بعض الدول الخليجية غير مرتاحة الى الاتفاق النووي بين إيران ودول الغرب، لأنه يرتكز على افتراض أن طهران تستطيع انتاج قنبلة نووية، والافتراض ليس مرجعاً للاتفاقات الدولية. وإذا كانت إيران تتذرع بأن مراكز المفاعل النووي بدءاً من مفاعل <آراك> هي للأغراض السلمية، كانتاج الكهرباء، وتحلية مياه البحر، ودعم المختبرات الطبية، فمن حق دول الخليج هي أيضاً أن تتزود بالسلاح النووي للأغراض السلمية، وهذا الحق وافق عليه <كيري> كما وافق عليه <لافروف> ــ حسب المصادر المطلعة ــ دون اعلان رسمي.

   وسمع <كيري> من وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، ان استمرار التدخل الإيراني في كل من اليمن والبحرين لا يبعث على الثقة في الاتفاق النووي، والمطلوب وضع السلوك السياسي الإيراني في المنطقة تحت الرقابة، حتى لا يبدو الاتفاق النووي وكأنه ضوء أخضر لإيران لتفعل في المنطقة ما تشاء.

   وقد تلقى الرئيس الإيراني <حسن روحاني> هذه المخاوف فكان له يوم الاثنين الماضي خطاب يطمئن فيه دول الجوار بأن إيران راغبة في التواصل والتعاون مع دول المنطقة. كذلك قام السفير الإيراني في لبنان <محمد فتحعلي> بنقل هذا الاطمئنان الى رئيس مجلس الوزراء تمام سلام، وإسقاط كل شك في سلامة الاتفاق النووي.

   ولكن أين إيران من الاستحقاق الرئاسي في لبنان؟

   لقد حاول وزير خارجية فرنسا <لوران فابيوس> الحصول على موقف إيراني من موضوع رئاسة الجمهورية في لبنان خلال محادثاته في طهران، سواء في لقائه مع وزير الخارجية الإيراني <محمد جواد ظريف>، أو الرئيس <حسن روحاني> فلم يأخذ جواباً، وترك العاصمة الإيرانية وهو على قناعة بأن إيران تريد أن تترك موضوع الرئاسة في لبنان لحلفائها، أي لحزب الله والتيار الوطني الحر. ومرشح الحلفاء للرئاسة هو العماد ميشال عون. والعماد عون بدأ يفقد حظوظه في الرئاسة خصوصاً بعدما حمل عليه الرئيس نبيه بري إثر تصريح له بأن مجلس النواب غير شرعي. فكيف يترشح العماد عون للرئاسة ويطلب أصوات برلمان غير شرعي؟

يدكم عن اليمن والبحرين

   وإيران مدعوة لدعم الاتفاق النووي الى رفع الغطاء عن الحوثيين في اليمن وتركهم لمواجهة المقاومة الشعبية المتحالفة مع الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي، وكذلك رفع يدها عن المعارضة الشيعية في مملكة البحرين، وبدون هذا الاختبار يظل الاتفاق النووي محفوفاً بالشكوك، وضوءاً أخضر لإيران في المنطقة!

   وكما لإيران حلفاء في لبنان، كذلك للسعودية ومصر حلفاء أيضاً، ولا سبيل الى رئيس جديد في قصر بعبدا، إلا بهذا المكوّن السياسي الثلاثي الأضلاع أي السعودية ومصر وإيران. إذا اتفق الثلاثة على اسم واحد فسوف يكون هذا الاسم هو الهدية الى البرلمان اللبناني لكي يناديه <يا فخامة الرئيس>. وحتى تنتظم أضلاع هذا المثلث، فلا بد من زيارة يقوم بها وزير الخارجية الإيراني <محمد جواد ظريف> للرياض، بعدما قام بزيارة لكل من سلطنة عمان ودولة قطر. وكذلك لا بد من رحلة يقوم بها <ظريف> الى القاهرة، لاستكمال المشاورات، فمن هو الاسم الرئاسي المشترك بين الرياض والقاهرة؟! الضباب يغشى الأسماء المرشحة علناً، وفي السر، ولا وضوح في الاسم الذي استقرت عليه الآراء. وحجة إيران في هذا التريث ان الاتفاق النووي يحتاج الى كل الوقت، خصوصاً في موضوع رفع العقوبات الدولية عن طهران والبالغة مئات مليارات الدولارات. كذلك فإن السيطرة على الارهاب في منظور المملكة السعودية تتقدم على ما عداها من قضايا ومواضيع، وأولها ارهاب الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن.

بوتين-بشار

مدد من القاهرة!

   وأمس الخميس كان الرئيسان نبيه بري وتمام سلام ضيفين على الاحتفال الكبير بتدشين قناة السويس الجديدة، ولا بد أن يكون وزير الخارجية المصري سامح شكري قد وجد حيزاً من الوقت ليتحادث مع الرئيسين بري وسلام. وقد كان سامح شكري واحداً من الشخصيات التي اتصلت بالرئيس تمام سلام وأبدى رغبة الدولة المصرية في عدم استقالة أو اعتكاف الرئيس سلام، أي ان مصر عادت الى التعاطي مع الملف اللبناني.

   ومصر في الإمساك بهذا الملف تقف على رأي المملكة السعودية ذات الشراكة السياسية اللبنانية عبر اتفاق الطائف الذي رعاه عام 1989 الملك السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز (طيب الله ثراه) وملك المغرب الحسن الثاني ورئيس الجزائر الشاذلي بن جديد. ومصر كذلك شريكة للبنان في دعم بناه التحتية، انطلاقاً من ورشة مهندسي الكهرباء المصريين الذين أعادوا التيار الكهربائي الى المناطق المتضررة من العدوان الاسرائيلي على لبنان عام 2006.

   ونعود الى اجتماع الدوحة. فمن الدوحة صدر الضوء الأخضر عام 2008 لانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية، ولم يكن هذا الاختيار فعلاً برلمانياً. وربما كانت الدوحة أو الرياض أو القاهرة مقراً للاتفاق على رئيس الجمهورية اللبنانية الجديد، ثم يأتي دور البرلمان.. للمصادقة!

   وليس هناك ما يدل حتى الآن على أن الرئيس اللبناني المقبل سيكون من نوع <صنع في لبنان>!