21 September,2018

سـرطــــــان الـرئـــــــة عـلــــى قـائـمــــــة الـسرطـانــــــات الأكثـــر فـتـكـــــاً بـالـبـشـــــر حــــول الـعـالــــم!

 

بقلم وردية بطرس

البروفيسور فادي فرحات    2 

سرطان الرئة هو نوع من السرطان يبدأ في الرئتين، والرئتان هما عضوان اسفنجيان في منطقة الصدر يستخلصان الأوكسجين عند الاستنشاق ويطلقان <ثاني أكسيد الكربون> عند الزفير. ويعتبر سرطان الرئة السبب الرئيسي لحالات الوفاة بالسرطان في دول الغرب بين الرجال والنساء على حد سواء، ويحصد حياة عدد من الأشخاص يفوق عدد الأشخاص الذين يموتون بسبب سرطانات القولون والبروستات والثدي معاً. والأشخاص الذين يدخنون هم أكثر عرضة للاصابة بسرطان الرئة، وتزيد مخاطر الاصابة بسرطان الرئة مع طول مدة التدخين ومع زيادة عدد السجائر، واذا أقلع الشخص عن التدخين ــ حتى بعد التدخين لسنوات عديدة ــ فيمكنه تقليل احتمالات الاصابة بسرطان الرئة بشكل كبير. أما كيف يسبب التدخين سرطان الرئة، فيعتقد الأطباء ان التدخين يسبب سرطان الرئة عن طريق اتلاف الخلايا التي تبطن الرئتين، فعندما يُستنشق دخان السجائر، الذي يكون مليئاً بالمواد المسببة للسرطان (المسرطنات)، تبدأ تغيرات في أنسجة الرئة على الفور تقريباً. وفي البداية يكون الجسم قادراً على معالجة هذا الضرر، ولكن مع تكرار التعرض، تتعرض الخلايا الطبيعية التي تبطن الرئتين للتلف على نحو متزايد، ومع مرور الوقت يتسبب الضرر الذي تعرضت له الخلايا في ان تعمل بشكل غير طبيعي، وفي نهاية المطاف قد يحدث السرطان. وغالباً ما ينتشر سرطان الرئة (ينتقل) الى أجزاء أخرى من الجسم مثل الدماغ والعظام. والسرطان الذي ينتشر يمكن ان يسبب ألماً او غثياناً او صداعاً او علامات وعوارض أخرى، وذلك استناداً الى العضو المصاب، واذا انتشر سرطان الرئة الى أعضاء أخرى فعندئذ لا يكون قابلاً للعلاج بشكل عام، لكن تتوافر طرق علاج لتقليل العلامات والعوارض ومساعدة المريض على العيش بطريقة أفضل.

ولقد حذرت دراسة طبية حديثة من زيادة المصابين بسرطان الرئة بين أشخاص لم يسبق لهم التدخين على الاطلاق، وعزت الأمر الى تفاقم التلوث البيئي. وبحسب ما نقلته صحيفة <ذا تايمز> البريطانية، يرجح ان تتضاعف الوفيات الناجمة عن الاصابة بسرطان الرئة بين غير المدخنين. وأضافت الدراسة التي أجراها مستشفى <رويال برومبتون> وهيئة <Harefield NHS> ان ثمة ارتفاعاً كبيراً للعمليات التي يتم اجراؤها بين غير المدخنين، وأوضحت ان التدخين كان ابرز سبب يرتبط بسرطان الرئة، اذ يعتقد ان 9 من كل عشرة مصابين بالمرض الخبيث، من المدخنين. ويؤدي سرطان الرئة الى وفاة 36 ألف شخص سنوياً في بريطانيا، ويستطيع شخص واحد من كل عشرة العيش أكثر من عقد بعد الاصابة.

وتصنف منظمة الصحة العالمية سرطان الرئة على قائمة السرطانات الأكثر فتكاً بالبشر في العالم، فقد قتل أكثر من مليون ونصف المليون شخص عام 2012. وفي العالم العربي يعتبر سرطان الرئة الأول بين الرجال، ويرجع الأطباء سبب شيوعه وسط الرجال للتدخين، وان معدلات التدخين في تزايد مستمر في الشرق الأوسط، وقد باتت التوعية ضرورية لحض المدخنين على التوقف، إذ كشف تقرير لمنظمة الصحة العالمية ان الشرق الأوسط هو من بينمنطقتين فقط زاد فيهما استهلاك السجائر في العقود القليلة الماضية.

 

نسبة المدخنين الى تزايد في لبنان

 

أما في لبنان فيقدر معدل انتشار التدخين بين الذكور بنسبة 50 الى 60 بالمئة من البالغين. وبالنسبة للنساء فان الاحصاءات مثيرة للقلق إذ ان معدل التدخين هو الأعلى بين الاناث في الشرق الأوسط. ..وبالرغم من نشاطات وحملات التوعية لمضار التدخين على الصحة، فما زالت نسب المدخنين الى ازدياد، وقد أفاد تقرير طبي ان معدل استهلاك الفرد من السجائر في لبنان ارتفع بنسبة 47 بالمئة خلال العقود القليلة الماضية، وهو ثاني أعلى ارتفاع في العالم، مما يضع البلاد في المرتبة الثالثة عالمياً من حيث نسبة استهلاك الفرد للسجائر سواء عند النساء أو الرجال.

وبما ان التدخين يرتبط ارتباطاً وثيقاً بخطر الاصابة بسرطان الرئة، فان هذه التقارير تشير للأسف الى ان ارتفاع وتزايد انتشار التدخين في لبنان سيؤدي الى زيادة الاصابة بسرطان الرئة وغيرها من الأوبئة مثل أمراض القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي. وبالاضافة الى تدخين السجائر، فان تدخين النرجيلة أصبح شائعاً جداً والى ازدياد مستمر. فمن وسيلة تسلية او تمضية وقت اصبح تدخين النرجيلة منتشراً جداً في لبنان وفي البلاد العربية وحتى الأجنبية خصوصاً عند المراهقين. ففي الواقع بلغ معدل تدخين النرجيلة 59.5 بالمئة بين الشباب اللبنانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و 15 عاماً، مما يثير القلق ويحث على زيادة التوعية حول مضار هذه العادة، كذلك فإن نسب تدخين النرجيلة عند النساء في لبنان هي الأعلى في منطقة الشرق الأوسط، ولقد برهنت الدراسات ان مضار النرجيلة عديدة ومسيئة للصحة بالرغم من الاعتقادات المعاكسة الكثيرة، ذلك ان دخان النرجيلة يحتوي على مواد مسرطنة مشابهة لدخان السجائر وهو ذو تأثيرات سلبية على الصحة، مما يزيد الأمراض المتعلقة بالجهاز التنفسي مثل مرض الانسداد الرئوي المزمن، سرطان الفم، سرطان الرئة، الالتهاب الشعبي، انخفاض الوزن عند الولادة، أمراض القلب والشرايين وغيرها…

lung-cancer-section    3البروفيسور فادي فرحات وأسباب حدوث سرطان الرئة

فما هي الأسباب التي تؤدي الى حدوث سرطان الرئة؟ وما هي العوارض؟ وما نسبة الاصابة به في لبنان والعالم؟ وغيرها من الأسئلة أجاب عنها البروفيسور فادي فرحات الاختصاصي في أمراض الدم والأورام السرطانية، ونسأله:

ــ ما هي أسباب سرطان الرئة؟

– اكتشف الباحثون أسباباً عدة لسرطان الرئة وأكثرها متعلق باستعمال التبغ. أولاً السجائر: يسبب تدخين السجائر سرطان الرئة، فالمواد المسرطنة في التبغ تدمر خلايا الرئتين، ومع مرور الوقت قد تصبح الخلايا المتضررة سرطانية، وان احتمال اصابة المدخّن بسرطان الرئة يتأثر بالعمر الذي بدأ فيه التدخين والمدة التي استمر خلالها بالتدخين وعدد السجائر باليوم وعمق استنشاق الدخان، وان ايقاف التدخين يخفض كثيراً من احتمالية الاصابة بسرطان الرئة. ثانياً السيجار والغليون والنرجيلة: مدخنو السيجار والغليون والنرجيلة لديهم احتمالية أعلى للاصابة بسرطان الرئة من غير المدخنين، ويعتمد هذا على المدة التي استمر خلالها التدخين وعدد المرات التي يتم تدخينها في اليوم وعمق استنشاق الدخان، إذ ان كل هذا يؤثر على احتمالية الاصابة بسرطان الرئة، حتى مدخنو السيجار والغليون والنرجيلة الذين لا يستنشقون الدخان لديهم احتمالية أكبر للاصابة بسرطانات مختلفة مثل سرطان الرئة والفم وأنواع أخرى من السرطان. ثالثاً: دخان التبغ الموجود في الهواء: ان احتمالية الاصابة بسرطان الرئة تتزايد بالتعرض الى دخان التبغ الموجود في الهواء والناتج عن تدخين شخص آخر، وتدعى هذه العملية التدخين السلبي او اللاارادي او القسري. رابعاً: <غاز الرادون> وهو غاز عديم الرائحة واللون والطعم، مشعّ ويوجد بشكل طبيعي في التربة والصخور، ويمكن ان يلحق أضراراً بالرئتين قد تؤدي الى سرطان الرئة، والناس الذي يعملون في المناجم قد يتعرضون الى <غاز الرادون>، وفي بعض أنحاء العالم يوجد <الرادون> في البيوت، والتدخين مع وجود <غاز الرادون> يزيد احتمال الاصابة بسرطان الرئة بدرجة أكبر.

ويتابع:

– خامساً <الأسبست>: وهو اسم مجموعة المعادن الموجودة طبيعياً على شكل ألياف وتستعمل في بعض الصناعات. الألياف <الأسبستية> تميل الى الانكسار بسهولة الى جزئيات صغيرة يمكن ان تعوم في الهواء وتعلق بالملابس، ومتى استنشقها أحد فيمكن ان تستقر في الرئة وتتلف خلاياها، الأمر الذي يزيد احتمال الاصابة بسرطان الرئة. وقد اظهرت الدراسات ان العمال الذين تعرضوا الى كميات كبيرة من <الأسبست> كان لديهم احتمال الاصابة بسرطان الرئة 3 الى 4 مرات أكثر من العمال الذين لم يتعرضوا الى <الأسبست>، وهذا التعرض لُوحظ في عدد من الصناعات كبناء السفن والتعدين وتصنيع <الأسبست> واستخراجه وفي أعمال العزل وتصليح الكوابح، وان احتمالية الاصابة بسرطان الرئة هي أعلى بين عمال <الأسبست> الذين يدخنون، ويجب على عمال <الأسبست> ان يستعملوا الأجهزة الواقية وأن يتخذوا اجراءات السلامة العامة المناسبة. سادساً: التلوث: لقد وجد الباحثون صلة أكيدة بين السرطان وتعرض الرئة الى الملوثات الجوية مثل نواتج احتراق الديزل والوقود، وهذه العلاقة لم تعرّف بشكل واضح والأبحاث ما زالت جارية بشأنها. سابعاً: أمراض الرئة، فبعض أمراض الرئة مثل السل تزيد فرصة الاصابة بسرطان الرئة حيث يميل سرطان الرئة الى الظهور في المناطق المصابة بالسل. ثامناً: التاريخ الشخصي، فالشخص الذي كان مصاباً بسرطان الرئة مرة تكون عنده الاصابة بسرطان رئة ثان محتملة أكثر بالمقارنة مع شخص لم يسبق ان أصيب بسرطان الرئة، وترك التدخين بعد تشخيص سرطان الرئة قد يمنع نشوء سرطان الرئة مرة ثانية. وما زال الباحثون يواصلون دراسة أسباب سرطان الرئة والبحث عن طرق لمنعه، وان أفضل طريق لمنع سرطان الرئة هو عدم التدخين اذا كان الشخص مدخناً.

العوارض

ــ وما هي العوارض؟

– سعال متكرر يصعب التخلص منه او معالجته ويزداد سوءاً مع مرور الوقت. ألم مستمر في الصدر. خروج دم مع السعال. ضيق في النفس مع أصوات صفير. اصابات متكررة بالتهابات الجهاز التنفسي. انتفاخ الوجه والرقبة. ضعف الشهية وفقدان الوزن. ارهاق. وهذه العوارض قد تكون لسرطان الرئة او مرض تنفسي آخر، لذلك لا بد من مراجعة الطبيب.

 

نسبة الاصابة بسرطان الرئة في لبنان

ــ ما هي نسبة الاصابة بسرطان الرئة في لبنان؟

– وفقاً لآخر البيانات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، يتسبب سرطان الرئة في لبنان بحوالى 4 بالمئة من اجمالي الوفيات اي ما يساوي 16 حالة، وطبعاً التدخين هو المسبب الأول لسرطان الرئة وكما يعلم الجميع ان نسبة التدخين في لبنان عالية. وتشير البيانات المتوافرة حول مشكلة السرطان في لبنان الى تزايد معدلات الاصابة بالمرض مدفوعة بالعديد من العوامل مثل التقدم بالعمر، والنمو السكاني المتواصل، وانتشار عادات التدخين، وقد أظهرت معظم أنواع السرطان المرتبطة بالتدخين منحى تصاعدياً لمعدلات الاصابة بها عند الرجال والنساء.

ــ وماذا عن انتشار سرطان الرئة في لبنان والعالم؟

– يعد سرطان الرئة أحد أكثر أنواع السرطان شيوعاً في العالم. وفي لبنان تم اكتشاف 872 حالة جديدة خلال العام 2008 وسط توقعات بارتفاع هذا الرقم بنسبة 13 بالمئة ليصل الى 985 حالة جديدة سنوياً بحلول العام 2020. وللأسف رغم التقدم الذي تم احرازه في اطار فهم المرض وخيارات العلاج، الا ان المعدل النسبي للبقاء على قيد الحياة وهو 5 سنوات، لم ينطبق الا على 3,6 من الحالات في المنطقة.

العلاجات الموجهة

الدكتور عرفات طفيلي  1 

ــ وماذا عن العلاجات الموجهة؟

– تعد العلاجات الموجهة عنصراً أساسياً في علاج الأنواع الفرعية لسرطان الرئة غير صغير الخلايا، وخصوصاً تلك التي يتم استهدافها من خلال مستقبلات عامل النمو الخلوي، وكلما بدأ العلاج مبكراً كلما كانت النتائج أفضل. ونحن نعتقد ان اختبار مستقبلات عامل النمو الخلوي يمثل خطوة مهمة في اطار تحديد الخطة العلاجية، وذلك لمنح المرضى الفرصة الأفضل في تلقي العلاج المناسب والمخصص منذ البداية.

الدكتور عرفات طفيلي واستهداف

الخلايا السرطانية

 

ونسأل الدكتور عرفات طفيلي عن أساليب العلاج، (وهو يشغل منصب الأستاذ المساعد في الطب السريري فضلاً عن كونه مديراً لبرنامج زمالة أمراض الدم والأورام في الجامعة الأميركية في بيروت، ويركز في ابحاثه على السرطان مع التركيز بشكل خاص على سرطان الرئة، وقد وضع علاجات كيميائية وهرمونية مخصصة لكل فرد من مرضى سرطان الثدي، ويمتلك الدكتور طفيلي 17 عاماً من الخبرة في مجال علم الأورام، حيث كان أحد أعضاء الهيئة التدريسية في جامعة <اوكلاهوما>، بالاضافة الى مساهماته القيمة في اطار تقديم أبحاث الأورام السرطانية، وهو يحمل أيضاً عضوية <الجمعية اللبنانية لأطباء التورم الخبيث> الى جانب العديد من الجمعيات المحلية والدولية، كما أنه حائز شهادة الطب بدرجة امتياز من كلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت في العام 1995، وقد تابع تدريسه السريري في مجال الطب الباطني في مدرسة الطب في <ستوني بروك> التابعة لـ<جامعة نيويورك>، كما تابع برنامج الزمالة في مجال أمراض الدم والأورام السرطانية في <جامعة جورجتاون> المرموقة حيث بقي هناك لمدة عام بصفة زميل بارز، كذلك أكمل برنامج زمالة لمدة عام في مجال زرع نقي العظام) ويقول:

– ان أساليب العلاج التقليدية لسرطان الرئة مثل العلاج الكيميائي تؤثر على الخلايا السليمة والسرطانية في آن معاً وغالباً ما ترافقها تأثيرات جانبية، ويمكن للتأثيرات الجانبية التي تصيب العديد من المرضى جراء أساليب العلاج التقليدية مثل الغثيان، والتقيؤ، وفقدان الشعر، وتثبيط النظام المناعي، ان تؤدي لحدوث مضاعفات خطيرة وتراجع ملحوظ في نوعية الحياة. وبالمقارنة مع العلاج الكيميائي التقليدي، يمارس العلاج الموجه تأثيره العلاجي على الخلايا السرطانية مباشرة، ويتسبب بالتالي بضرر أقل للخلايا الطبيعية السليمة، ويتميز العلاج الجديد بطريقة عمل فريدة تسمح له باستهداف الخلايا السرطانية وتثبيط عامل النمو الخلوي الى جانب غيره من أعضاء مستقلات <التيروسين كيناز> والمسؤولة عن نمو وانتشار السرطان.