18 November,2018

زيــــارة جريصاتــــي للمصيلــــح شكّلـــت ”جـســــر عبــــــور“ لـ”تعاون إيجابي“ بين الرئيسين عون وبري بعد الانتخابات!

بري-جريصاتيفي الوقت الذي يستمر فيه الخلاف على أشده بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل منذ ذلك الشريط المصوّر سراً الذي وصف فيه باسيل الرئيس نبيه بري بـ<البلطجي>، وفيما  تستمر المناوشات الكلامية الحادة بين الوزيرين باسيل وسيزار أبي خليل من جهة ووزير المال علي حسن خليل من جهة أخرى، وبينما لا يترك الرئيس بري ووزراء <أمل> ونوابها مناسبة إلا ويردون فيها مباشرة أو مداورة على خطب الوزير باسيل وآخرها وصف الرئيس بري زيارات باسيل بأنها <جولات سياحية انتخابية>… وسط كل تلك <المناوشات> برزت زيارة وزير العدل سليم جريصاتي للمصيلح الأسبوع الماضي والاجتماع الذي عقده مع الرئيس بري، كمحطة لافتة في مسار العلاقات بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس بري تميّز العلاقة بين <أبو مصطفى> والوزير باسيل، ذلك أن مَن زار المصيلح ليس وزيراً عادياً بل هو من أقرب الوزراء في تكتل التغيير والإصلاح الى الرئيس عون وأحد أبرز اركان الحلقة الضيقة التي يتشاور رئيس الجمهورية مع أعضائها ويأخذ في غالب الأحيان برأيه ومشورته، الى درجة أن الوزير جريصاتي يُسمى داخل هذه الحلقة بـ<صاحب الفتاوى> حيناً، و<منظّر المخارج> أحياناً…

ولأن زيارة جريصاتي الذي <نأى بنفسه> عن الترشيح للانتخابات النيابية على رغم أنه كان من أبرز الأسماء المقترحة للمقعد الكاثوليكي في زحلة، تزامنت مع <حماوة> الجدال السياسي حيناً والشخصي أحياناً بين رئيس التيار الوطني الحر وحركة <أمل> رئيساً ووزراء وأعضاء، فإن الأوساط السياسية نظرت إليها باهتمام باعتبارها من المؤشرات المشجعة لمحاولة الإبقاء على الصفاء في العلاقة بين بعبدا وعين التينة وصولاً الى حد <التناغم> أحياناً على رغم الخلافات السياسية الحادة التي تزايدت بين حزبي الطرفين مع احتدام أجواء المعارك الانتخابية. صحيح أن ما صدر عن الرئيس بري من مواقف إيجابية تعليقاً على خطاب الرئيس عون في <قمة الظهران> وصل الى حد الاشادة بـ<الخطاب النوعي> لرئيس الجمهورية، إلا أن الصحيح أيضاً أن الرئيس عون راغب فعلاً في إبقاء التوتر غير المسبوق بين <أمل> والتيار الوطني الحر خارج العلاقة بينه وبين رئيس مجلس النواب تأسيساً لمرحلة ما بعد الانتخابات النيابية التي ستعيد الرئيس بري حتماً رئيساً لمجلس النواب، خصوصاً بعد موقف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله من هذه المسألة والذي أعاد التأكيد عليه <السيد> في خطابه غروب يوم السبت الماضي والذي خاطب فيه القاعدة الشعبية في صور.

 

<جسر عبور>

 

من هنا أتت زيارة الوزير جريصاتي للمصيلح كـ<جسر عبور> في اتجاه تعبيد الطريق لـ<تواصل إيجابي> بين رئيس الجمهورية ورئيس السلطة التشريعية سعياً وراء <حد أدنى> من التفاهم للمحطات السياسية التي ستلي الانتخابات النيابية، بدءاً من انتخاب رئيس المجلس وصولاً الى تشكيل حكومة جديدة يراهن بعض السياسيين على أنها لن تولد بسهولة قياساً الى الحالة الراهنة في العلاقات بين <التيار البرتقالي> وحركة <امل>. ويقول مطلعون على أجواء زيارة جريصاتي وجود حرص متبادل على المحافظة على علاقات <هادئة> لاسيما بعد الذي أعلنه جريصاتي من المصيلح بأنه <وجد في رئيس مجلس النواب الضمانة الضرورية اللازمة لاستقرار التسوية الكبرى في البلد التي ترتكز على الاستقرار السياسي والأمني أولاً، وعلى التفاهم العام بالرغم من بعض التجاذبات الحاصلة في معركة الاستحقاق الانتخابي. ويسجل المطلعون استعمال الوزير جريصاتي عبارة <الضمانة الضرورية> وهي نفسها التي يستعملها السيد نصر الله عندما يتحدث عن الرئيس بري وعن دوره كرئيس لمجلس النواب…

وعلى رغم أن الوزير جريصاتي لم يكثر من الحديث عن الحصيلة العملية لزيارته المصيلح، فإن الذين تابعوا تفاصيلها أكدوا لـ<الأفكار> أن الرئيس عون الذي أعلن أن مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية ستكون مرحلة الاهتمام بشؤون الناس وحاجاتهم ومشاكلهم، يدرك أن هذا الاهتمام لا يمكن أن يترجم إلا من خلال تعاون بين بعبدا وعين التينة، انطلاقاً من التزام سيد بعبدا بالميثاق الوطني الذي أرساه <اتفاق الطائف> لجهة الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها بعيداً عن المناكفات السياسية وانعكاساتها على التعامل بين الأحزاب والكتل السياسية. ويضيف هؤلاء المتابعون أن رغبة الرئيس عون في <التعاون> يقابلها حرص معلن من الرئيس بري على العلاقة <الايجابية> مع رئيس الجمهورية وضرورة تحييدها عن السجالات والتوتر الانتخابي لضمان الاستقرار السياسي في لحظات اقليمية متوترة تنذر بالأسوأ خصوصاً بعد العدوان الثلاثي على سوريا.

ولعلّ ما يساعد في المحافظة على الصفاء في العلاقة بين الرئيسين عون وبري، هو قدرة الوزير جريصاتي على مقاربة الاختلاف في وجهات النظر بين عين التينة وبعبدا سواء في المسائل الدستورية أو السياسية، وآخر ما حصل في هذا الصدد كان <المخرج> الذي اعتُمد لقضية مرسوم الأقدمية للضباط الذي كانت له نهاية سعيدة ساهم جريصاتي في نسج خيوطها من خلال صيغة أرضت الطرفين، ما ساعد في إعادة المياه الى مجاريها بعد فترة من السجال الحاد عرفه لبنان على خلفية ذلك المرسوم من دون التقليل من جهود شخصيات سياسية وأمنية دخلت في حينه على خط التسوية.

تناغم مع رغبة نصر الله

 

ويرى مراقبون أن تحرك جريصاتي في اتجاه المصيلح <ينسجم> مع رغبة كان السيد نصر الله قد أبداها بضرورة عودة المياه الى مجاريها بين حلفاء الأمس، والتي تزامنت مع كلام كان صدر عن الأمين العام لحزب الله في حلقة مقفلة عن <جهد> سوف يبذله بعد الانتخابات لـ<لم الشمل> من جديد لأن التشرذم أظهر عدم فائدته فضلاً عن انعكاساته السلبية على المبادئ التي التزم بها الطرفان حيال المواضيع الاستراتيجية التي لا تتأثر بالخلافات السياسية المرحلية. ويعطي هؤلاء المراقبون إشارات واضحة الى الشق الاستراتيجي في العلاقات من خلال تعاون التيار الوطني الحر مع حركة <أمل> وحزب الله في أكثر من دائرة انتخابية التقت مصلحة الأطراف الثلاثة على التعاون فيها لأسباب مختلفة، منها دائرة بعبدا حيث لكل من حركة <أمل> و<التيار> مرشحان على اللائحة نفسها، وكذلك الأمر في دائرة بيروت الثانية ودائرة البقاع الغربي – راشيا، أما التباعد الذي حصل في دوائر أخرى ومنها جبيل وجزين والزهراني – صيدا، فيمكن تعويضه ايجاباً في دوائر أخرى.

أما السؤال الذي شغل المراقبين فهو: أين يقف الوزير باسيل من <حركة> الوزير جريصاتي؟ وهل تحظى بتأييده؟ جواب المطلعين يأتي سريعاً، فوزير العدل القريب جداً من الرئيس عون، هو من فريق الوزير باسيل داخل التيار الوطني الحر، وهو – أي جريصاتي – لا يتردد في تسمية باسيل بـ<قائد المسيرة> انطلاقاً من الدور الذي لعبه لتأمين رئاسة باسيل لـ<التيار البرتقالي> يوم احتدم الخلاف بين وزير الخارجية والنائب آلان عون الذي كان يعمل للفوز بهذه الرئاسة قبل أن يحسم <الجنرال> – آنذاك – الجدل ويشير بوضوح الى أن باسيل هو من يخلفه في رئاسة <التيار>. لذلك يضيف المطلعون ان جريصاتي حريص على علاقته بباسيل مثل حرصه على العلاقة مع الرئيس عون، وبالتالي لن يقوم بأي <عزف منفرد> في مسائل دقيقة مثل مسألة العلاقة مع الرئيس بري التي يعرف جريصاتي أن لا مجال للاجتهادات فيها وإن كان وزير العدل <خبيراً> في تقديم الاجتهادات والتأسيس عليها. وفي رأي المطلعين أن للرئيس عون مكانة كبيرة لدى الرئيس بري وأنه مهما حصل فإن لا شيء يُفسد في الودّ قضية!