25 April,2019

زيـــارة عـــون للريـاض والدوحــة رفعت ”الحصــار الخليجــي“ عن لبـنان وترجمتهــا عمليـاً تتـم على مراحـل... ولن تـتــأخـر طويـلاً!

22
تؤكد مصادر رسمية مطلعة أن زيارة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لكل من السعودية وقطر، أزالت الفتور الذي كان قائماً بين لبنان وهاتين الدولتين وأعادت رسم صورة أكثر إشراقاً للعلاقات اللبنانية مع دول الخليج عموماً والسعودية وقطر خصوصاً، وان المسؤولين السعوديين والقطريين سمعوا مباشرة من الرئيس عون وليس بالوساطة أو من خلال التقارير المكتوبة، رؤيته الى العلاقات العربية  – العربية واللبنانية  – الخليجية، إضافة الى موقفه من الاحداث التي تشهدها المنطقة العربية ولاسيما دول الجوار اللبناني وفي مقدمها سوريا، إضافة الى العراق واليمن وليبيا وغيرها من الدول العربية.

وأشارت المصادر الى أن حصول الزيارتين قبل القمة العربية المرتقبة في عمان يوم 29 آذار/ مارس المقبل سهّل مهمة الرئيس اللبناني في تعاطيه مع نظرائه الرؤساء والملوك العرب، ذلك أن رئيس الجمهورية نجح في تبديد الأجواء الضاغطة التي خيّمت على العلاقات بين لبنان وغالبية الدول العربية خلال الاجتماعات العربية، سواء عُقدت على مستوى القمة أو على مستوى وزراء الخارجية. ولعل الشروحات التي قدمها الرئيس عون خلال زيارتي السعودية وقطر حيال وجهة نظره من الأحداث الجارية حول لبنان ساهمت كذلك في تكوين فكرة صحيحة عن توجهات رئيس الجمهورية وخياراته، وتبين أنها مختلفة عما كان يصل الى القيادتين السعودية والقطرية من معلومات مغلوطة حول خيارات الرئيس عون ومواقفه.

وفيما أقرّت المصادر الرسمية أن نتائج الزيارتين المباشرة وغير المباشرة لن تظهر دفعة واحدة، وأن الأمر قد يتطلب بعض الوقت، أشارت الى أن المهم أن رئيس الجمهورية استطاع أن يفك <الحصار> الخليجي الذي فُرض على لبنان خلال الأعوام الثلاثة الماضية نتيجة الفراغ الرئاسي من جهة، والمواقف اللبنانية المتضاربة حيال ما كان يجري في سوريا والعراق من أحداث من جهة أخرى، وأنه من الطبيعي أن تكون عملية <ضخ الدماء> في شرايين العلاقات الثنائية تدريجية قياساً الى التراجع الكبير وغير المسبوق الذي حصل خلال الأعوام الماضية. وعليه، تضيف المصادر الرسمية نفسها، من غير المنطقي أن تُطلق توصيفات سلبية على نتائج الزيارتين حتى قبل انتهائهما وعودة الرئيس عون الى بيروت، لأن ثمار التحركات الخارجية تظهر عادة تباعاً، فكيف إذا كان الامر يرتبط بتصحيح خلل كبير اعترى علاقات لبنان بدول مجلس التعاون الخليجي ونتجت عنه سلسلة إجراءات اتُخذت بحق لبنان منها تحذير أو نصح الرعايا الخليجيين بعدم المجيء الى ربوعه، علماً أن هذه المسألة بالذات كانت أول نقطة تم الاتفاق على حلها بين الرئيس عون والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بحيث كان التأكيد على وقف مفعول التحذير والنصيحة وترك الحريــــة للسعوديين والقطريين بالمجيء الى لبــــنان ساعة يشاؤون، وهذا ما جعــــل الملك سلمـــان يقــــول للرئيس عـــــون إنـــه حتى ولـــو منـــــع السعوديـــــين عــن المجيء فإنهم سيأتون.

تجاوب كامل مع مطالب عون

وأشارت المصادر الرسمية نفسها أن ما من مسألة أثارها الرئيس عون في الرياض والدوحة، إلا وكان التجاوب سيد الموقف من الملك سلمان والأمير تميم، وهذا ما جعل رئيس الجمهورية يؤكد على ارتياحه لنتائج الزيارتين، واطمئنانه الى مستقبل العلاقات اللبنانية  – الخليجية التي تعتبر إرثاً ينبغي المحافظة عليه، خصوصاً وأن الرئيس عون سمع من مضيفيه كلاماً عن لبنان لا يصدر عن لبنانيين مع التشديد على عدم جواز التفريط بالعلاقات المميزة ما سوف يتظهر خصوصاً بالقرارات الإيجابية حيال لبنان التي يتوقع ان تصدر تباعاً عن مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً بعد سلسلة الزيارات المتبادلة التي ستتم بين وزراء لبنانيين ونظرائهم السعوديين والقطريين، فضلاً عن إحياء اللجنة العليا المشتركة بين لبنان وقطر التي سوف تحرك كل الركود الذي غلب على العلاقات اللبنانية  – القطرية.

وفيما يتوقع أن يتحرك البحث مجدداً في الدعم السعودي للجيش والقوى الأمنية اللبنانية من دون الالتزام بآليات هبة الـ3 مليارات دولار التي قدمتها السعودية لتمويل تسليح الجيش اللبناني بسلاح فرنسي ثم جمدتها بعد اضطراب العلاقات الثنائية، فإن المصادر الرسمية لا تستبعد تواصلاً لبنانياً  – سعودياً سريعاً للبحث في آلية الدعم السعودي للمؤسسات الأمنية وفق أسس جديدة قد تشمل في مرحلة أولى ما تم تصنيعه من العتاد الفرنسي للجيش والذي كان مدرجاً في تفاصيل الهبة، على أن يصار لاحقاً الى مقاربة ما تبقى من معدات كان لبنان قد طلبها خلال التفاوض على مضمون الهبة السعودية للجيش. وفي هذا الإطار يتوقع أن يزور وزير الدفاع الوطني يعقوب الصراف الرياض بعد التنسيق مع نظيره ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدرس أطر التعاون في المجالين الأمني والعسكري، لاسيما وأن حيثيات القرار السعودي في هذا المجال تبقى لدى الأمير محمد بن سلمان الممسك بجوانب عدة من الملف اللبناني.

 

عون-و-سلمان----1كلام عن إيران وسوريا وحزب الله

وبين التجاوب مع مطلب لبنان إعادة التمثيل الديبلوماسي السعودي في لبنان الى مستوى سفير، وتفعيل التنسيق التجاري والاقتصادي بين لبنان والسعودية، بدا الشق السياسي من لقاءات الرئيس عون في السعودية وقطر الأبرز على صعيد قراءة مواقف رئيس الجمهورية من الملفات العالقة محلياً وعربياً حيث استطاع رئيس الجمهورية أن يرسم بوضوح خياراته التي أكد أنها خيارات لبنان والتي ستكون من دون شك، موضع متابعة من المسؤولين السعوديين الذين سمعوا من الرئيس اللبناني كلاماً مختلفاً عن الذي كان يصلهم في السابق، ما جعلهم يسمعونه بدورهم الكثير من الكلام الطيب الذي طوى صفحة الخلاف والغضب، وفتح صفحة جديدة سوف تنشأ على مقاربة مختلفة لما اعتاده اللبنانيون من السعوديين. وفي هذا السياق، كان الرئيس عون واضحاً لجهة تأكيده على أن السعودية هي الدولة المحورية في الخليج، وان لا قرار أو رغبة بالتعاطي معها بسلبية بل على العكس ثمة إرادة واضحة بإقامة أفضل العلاقات بين البلدين، خصوصاً وأن العاهل السعودي جدّد تمسّكه بالتعايش المسيحي  – الإسلامي في لبنان وبأهمية استمرار هذه اللحمة التي ميّزت لبنان عبر التاريخ. وقالت مصادر رسمية إن أكثر ما أراح المسؤولين السعوديين تأكيد الرئيس عون على أن العلاقات <عادية> مع إيران وليس فيها ما يحول دون علاقات طبيعية مع العالم العربي.

أما في ما يتعلق بالعلاقة مع حزب الله، فقد أكدت المصادر نفسها أن الرئيس عون لم يسمع خلال محادثاته مع الملك سلمان والمسؤولين السعوديين أي سؤال مباشر عن حزب الله أو بالاسم، إلا أنه  – أي الرئيس عون  – وإدراكاً منه بأن هذه المسألة حساسة ودقيقة، حرص على التمييز بين دور الحزب في الحرب ضد الإرهاب في سوريا، ودوره في الداخل اللبناني حيث قال بأن الدولة اللبنانية هي المسؤولة وحدها عن أمن المواطن والجماعات وحفظ الحدود، لكن خارج هذه الحدود فإن الأزمة تتجاوز قدرة لبنان وهي باتت في أيدي لاعبين دوليين وإقليميين، ولا دور للبنان في هذا الإطار. وفي قناعة الرئيس عون أنه ورث وضعاً قائماً لا إمكانية له أو للبنان في تغييره، وكل ما يفضله لبنان حالياً هو الحفاظ على حدوده وأمنه واستقراره، وأي دور آخر يمكن أن يقوم به طالما هو على اتصال مع الجميع، فإنه لن يتردد في ذلك. ومع حرص الرئيس عون على تكرار مطالبته بتطبيق <اتفاق الطائف> كاملاً كان تأكيد على أهمية إقرار قانون للانتخابات يحترم قواعد العيش المشترك ويؤمن التمثيل الصحيح لمختلف شرائح الشعب اللبناني.

عودة النازحين الى مناطق آمنة

وينقل وزير عضو في الوفد الذي رافق الرئيس عون ان الوضع في سوريا لم يكن مادة رئيسية في المحادثات اللبنانية  – السعودية  – القطرية، إلا أن التطرق إليه أتى طبيعياً في سياق الحديث عن أوضاع النازحين السوريين في لبنان والانعكاسات السلبية على الاقتصاد اللبناني والموازنة العامة للدولة، ورغبة لبنان في مساعدات عربية ودولية ليتمكن من الاستمرار في رعاية النازحين الذين قال رئيس الجمهورية ان العدد الفعلي لهم ناهز مليوني شخص. ومع تشديد الرئيس عون على أن الحل السياسي هو الذي من شأنه أن ينهي الازمة السورية، فهو رأى أيضاً ضرورة عودة النازحين السوريين ولو تدريجياً الى المناطق الآمنة داخل سوريا إذ من غير المنطقي أن يستمروا في لبنان طويلاً خصوصاً أن ثمة مناطق سورية بعيدة عن القتال يمكن اعتمادها وتوفير المناخات الآمنة فيها لاحتضان مجموعات من النازحين الذين غادروها قسراً. وأكد الوزير أن مواقف السعودية وقطر من حيث الحل السلمي والسياسي تطابقت مع وجهة نظر الرئيس عون، لكنها لم تكن كذلك في ما خص مسؤولية الرئيس السوري بشار الأسد عن الذي حلّ ببلاده. وقد استمع الرئيس عون الى وجهة نظر السعوديين والقطريين حول هذه المسألة مكرراً قوله بضرورة الوصول الى حل سياسي وقطع كل أشكال التواصل مع التنظيمات الإرهابية، وهو ما بدأ بالفعل يحصل قبل أشهر بعدما كان الأمر عكس ذلك.

ويسجل الوزير نفسه أن زيارة كل من الرياض والدوحة ومواقف الرئيس عون خلال المحادثات في البلدين، محت أجواء التحفظ التي كانت سائدة في العلاقة مع دول الخليج، وأن عودة السعوديين والقطريين الى لبنان خلال فصلي الربيع والصيف المقبلين ستكون الدليل الحسي الأبرز على نجاح الرئيس عون في رفع الحصار الخليجي عن لبنان، مع التشديد على أهمية متابعة ما تم الاتفاق عليه لاسيما في مجال التعاون الاقتصادي والتجاري حيث ان ما نسبته 59 بالمئة من المسائل العالقة اقتصادياً وعد الجانب السعودي بتذليلها، إضافة الى عودة الحوار المباشر بين رجال الأعمال اللبنانيين والسعوديين وإحياء فكرة تنظيم معارض مشتركة وتشكيل لجان متابعة.

وقد لخص الوزير نفسه أجواء محادثات الرياض والدوحة بأن الباب قد فُتح، والمهم كيفية الدخول والخروج منه لأن <العين> ستكون مفتوحة بوسعها على لبنان، من ناحية السعوديين ربمـــا أكثر مــن القطــــريين للتأكد بأن مناخ الزيــــارة الرئاسية اللبنانيـــــة هـــو نفسه بعد حصولها وعلى المدى الأبعد.