23 February,2018

زيــارة ”شتاينـمـايــر“ لـبـيــروت تعيـــد الحضــور السيـاسي لألمانيــا وتكرّس تعزيز التعاون في المجالات الاقتصادية والاستخباراتية!

 

فرانك-فالتر-شتاينماير-عبد-اللطيف-دريانالمواجهات السياسية والميدانية التي اندلعت الأسبوع الماضي بين التيار الوطني الحر وحركة <أمل> على خلفية وصف رئيس <التيار> الوزير جبران باسيل الرئيس نبيه بري بأنه <بلطجي>، حجبت الضوء عن الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الألماني <فرانك فالتر شتاينماير> لبيروت والتي استمرت ثلاثة أيام التقى خلالها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، ورؤساء وممثلي الطوائف المسيحية والإسلامية في دار الفتوى، كما حاور طلاب الجامعة اللبنانية وتفقد القوة الألمانية البحرية العاملة مع <اليونيفيل>.

ففي الوقت الذي كانت فيه المحادثات اللبنانية – الالمانية منعقدة في قصر بعبدا، وبعدها العشاء الرسمي على شرف الضيف وقرينته، كانت شوارع عدة في بيروت والضاحيتين الشرقية والجنوبية تشهد تحركات أنصار حركة <أمل> احتجاجاً على توصيف الوزير باسيل، وصولاً الى حد الاقتراب من المقر المركزي للتيار الوطني الحر في مركز ميرنا الشالوحي في سن الفيل. وفيما أصداء ما يجري على الأرض كانت ترد تباعاً الى قصر بعبدا، فإن ذلك لم يحل دون إتمام محدثات لبنانية – المانية مهمة استكملت في السرايا الكبير وفي عين التينة لاحقاً، وأعادت الى الدور الألماني حضوره على الساحة اللبنانية سياسياً، بعدما كان يغلب عليه الطابع الاقتصادي والتجاري فحسب. هذه العودة السياسية لم تكن مستغربة لاسيما وأن الرئيس <شتاينماير> كان قبل انتخابه رئيساً لألمانيا الاتحادية، وزيراً للخارجية الألمانية وألمّ بالسياسة اللبنانية وتفاصيلها المملة حيناً والمسلية أحياناً، وزار لبنان مرات عدة بهذه الصفة كان آخرها مع بداية عهد الرئيس عون في قصر بعبدا.

لبنان لن يدفع ثمن أي تسوية!

الذين تابعوا عن قرب المحادثات اللبنانية – الألمانية أكّدوا أن الزيارة حققت للبنان مكاسب سياسية واقتصادية وتربوية، من خلال التقاء الرئيسين على نقاط عدة خلال محادثاتهما، لعل أبرزها معاودة الدعم الألماني للمواقف اللبنانية حيال القضايا الداخلية أولاً، ثم القضايا الاقليمية، ومنع <تدفيع> لبنان ثمن أي تسوية يمكن أن تحصل في المنطقة لاسيما في سوريا والعراق وفلسطين. وفي هذا السياق، أكد <شتاينماير> أن بلاده تدعم استقرار لبنان وراغبة في أن يبقى هذا البلد نموذجاً للتعايش الإسلامي – المسيحي والذي لا يتأمن فعلياً إلا من خلال دولة قادرة أن تتكل على مؤسساتها الأمنية فقط في تأمين الاستقرار الأمني الذي اعتبر الضيف الألماني أنه لا يتأمن إلا من خلال استقرار سياسي يقوم على المصارحة والتعاون بين سائر مكونات المجتمع اللبناني حيث يفترض أن تتوافر لها عومل <الطمأنينة> الدائمة، لا أن تكون هذه الطمأنينة مرحلية أو غب الطلب. وعليه، فإن مشاركة ألمانيا في المؤتمرات الثلاثة المزمع انعقادها في كل من باريس وروما وبروكسيل لدعم لبنان عسكرياً واقتصادياً وحل أزمة النازحين، باتت حتمية بعد تأكيد الرئيس الألماني أن بلاده ستشارك في المؤتمرات وستقدم الدعم الذي يتناسب مع حجمها كدولة أوروبية صناعية كانت تحتل مركزاً متقدماً في التعاون الاقتصادي مع لبنان، علماً أن هذه العلاقات انقطعت فجأة مرة واحدة.

وبدا الرئيس الألماني متفهماً أن مشاركة السعودية ودول الخليج في المؤتمرات الثلاثة أساسية وأكثر فعالية، لذلك أثنى على كل المبادرات التي تصب في اتجاه اقناع دول الخليج وفي مقدمها السعودية بالمشاركة، خصوصاً تلك التي يتولاها الرئيس الفرنسي <ايمانويل ماكرون> الذي أخذ على عاتقه عمل المستحيل من أجل نجاح المؤتمرات ولاسيما منها <مؤتمر باريس4> أو <سيدر> كما اتفق الجانبان اللبناني والفرنسي على تسميته. وتقول مصادر وزارية شاركت في المحادثات مع الرئيس الألماني أن <شتاينماير> أبدى رغبة في معرفة إمكانية تقديم لبنان لأوراق موحدة يمكن تسويقها، في وقت سمع تأكيدات من الجانب اللبناني الى سلسلة المشاريع التي يريد لبنان أن تعطى أولوية.

طاولة واحدة أميركية – روسية

أما في الشأن الاقليمي، فقد التقى الرئيسان على ضرورة إنهاء الحرب سلمياً في الربوع السورية، وإن كان الرئيس الضيف أبدى تفاؤلاً حذراً حيال الاجتماعات التي تعقد في <سوتشي> حيناً وفي جنيف أحياناً، داعياً الى طاولة واحدة تجمع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الروسي للتفاهم في ما خص الحلول بحيث يكون أي رسم جديد للخارطة في المنطقة وليد تفاهم دولي، خصوصاً أنه في غياب هذا التفاهم بين الجبارين يصعب الوصول الى أي اتفاق. أما في ما خص معاناة النازحين السوريين، فقد أبدى <شتاينماير> <ذهولاً> مقروناً بالإعجاب عندما تبين أن عدد النازحين السوريين بلغ مليوناً و850 ألف نازح ولم يعد لبنان قادراً على استيعابهم. أما بالنسبة الى الوضع في العراق، فإن الإنجازات التي حققها الجيش العراقي والحلفاء، لا تعني بالنسبة الى الرئيس الضيف، أنه يجب النوم على الحرير في منطقة تغلي كلها غلياناً قوياً.

أما النقطة الثالثة التي اتفقت الآراء حولها فكانت مكافحة الإرهاب في ضوء ما حققه لبنان من إنجازات على هذا الصعيد تستوجب استمرار الدعم الاستخباراتي له من خلال <داتا المعلومات> الموجودة لدى الألمان الذين تعتبر أجهزة استخباراتهم الأقوى والأفعل، ومن خلال إعادة تفعيل التنسيق الذي كان قائماً في الماضي بين الأجهزة الأمنية اللبنانية والألمانية. وبدا الدعم الألماني واضحاً أيضاً في مسألتي رفض بناء اسرائيل لجدار إسمنتي على الحدود الجنوبية، وكذلك حق لبنان في استخراج النفط والغاز من الحقول المائية اللبنانية. ويقول مشاركون في المحادثات إن الرئيس الألماني بدا <مدهوشاً> بقدرة لبنان على النهوض من الكبوات المتتالية التي مرّ بها، وتوقف في هذا السياق أمام تميّز اللبناني وقدرته على التكيف مع كل المستجدات والمعطيات. ولم تغب الأمور الثقافية والتربوية عن محادثات <شتاينماير> الذي حرص على إبلاغ من التقاهم أن بلاده سوف تعزز الدعم للنشاطات الثقافية والفكرية، وأنه سيطلب من الحكومة الألمانية التي ترأسها <أنجيلا ميركيل> دعم المطلب اللبناني بجعل لبنان مركزاً لحوار الأديان والحضارات والأعراق، لاسيما وأن هذا الطلب وصل الى الأمم المتحدة التي تتباطأ عادة في بت الطلبات المماثلة بحيث تدور دورتها على المجموعات الدولية الفاعلة والمؤثرة قبل أن تقول نيويورك كلمتها فيها.