14 December,2018

زيــارة خليــل لبكركي عطلت ”الألغــام“ مع عـيــن التينــة و”السلــة“ بــاتت ”تفاهـمــات“ تحت سقــف ”الطــائـف“!  

 

بري-و-كعك-العباس-----1
بدا رئيس مجلس النواب نبيه بري <مرتاحاً> يوم الجمعة الماضي وهو يستمع الى معاونه السياسي الوزير علي حسن خليل يطلعه على نتائج زيارته للبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في الصرح البطريركي، وعلى الأجواء <الايجابية والموضوعية> التي سادت المناقشات بين البطريرك والوزير خليل على خلفية توضيح متبادل للمواقف التي صدرت عن البطريرك في ما خص <السلة> التي يطالب بها الرئيس بري، والرد غير المسبوق في الشكل والمضمون الذي صدر عن رئيس مجلس النواب في اليوم التالي. ولعل مصدر <ارتياح> الرئيس بري، كما قالت مصادر قريبة منه، هو ما سمعه موفده الى بكركي من مواقف يلتزمها سيد الصرح بصورة مبدئية أسوة بمسيرة أسلافه البطاركة والتي لا يمكن لبكركي ان تتخلى عنها، وهي لا تستهدف من خلال اعلان التمسك بها، أي مسؤول سياسي أو رسمي، فضلاً عن حرص بكركي على ابقاء التواصل مع عين التينة منعاً لتكرار <سوء التفاهم> الذي حصل الأسبوع الماضي.

وأكثر ما أراح الرئيس بري ــ حسب المصادر القريبة منه ــ هو مضمون نداء مجلس المطارنة الموارنة التي جاء ليؤكد ما أشار إليه البطريرك الراعي في عظته حول <السلة>، وإن كان أقرن هذا التأكيد بسلسلة ثوابت كانت دائماً موضع ترحيب لدى رئيس مجلس النواب في مسار علاقته بالصرح البطريركي الذي لم يزره منذ سنوات، وكانت الزيارة اليتيمة في ولاية البطريرك الراعي لتهنئته بعد انتخابه رئيساً للطائفة المارونية، وبعد ذلك لم يكن التواصل دائماً ومباشراً، بل بالوساطة أحياناً، من خلال الرسل الذين قد ينقلون الكلام ناقصاً أو مبتوراً عن حسن نية أو سوء نية، لا فرق.

 

<السلة> استبدلت

بـ<مجموعة تفاهمات>

وعلى رغم ان موفد الرئيس بري الى بكركي لم يحضر معه <كعك العباس> الذي كان وزعه رئيس مجلس النواب على زوار لقاء الأربعاء النيابي بعد صدور بيان المطارنة، فإن دوائر الصرح البطريركي لم توزع <المعمول> كما كانت وعدت بالتزامن مع <كعك العباس> الذي يوزع عادة خلال فترة عاشوراء. إلا انه بدلاً من الكعك والمعمول، تم توزيع أجواء ايجابية عن اللقاء الذي أعاد وصل ما انقطع بين بكركي وعين التينة، لاسيما وان المبادرة كانت من الرئيس بري شخصياً الذي أراد إزالة <الالتباسات> التي نشأت بعد موقف البطريرك والرد السريع الذي صدر عنه مباشرة وليس من خلال <أوساطه> أو <زواره> أو نواب يدورون في فلكه. وفي هذا السياق لاحظت مصادر بكركي ان الوزير خليل تجنب استعمال عبارة <السلة> في معرض حديثه الى البطريرك، مستبدلاً إياها بعبارة <مجموعة تفاهمات> قال انها لا تعني اطلاقاً أي تقييد لرئيس الجمهورية وصلاحياته وأي مساس بالدستور وبالصلاحيات المنصوص عنها فيه. أكثر من ذلك قال الوزير خليل للبطريرك: <نحن ضد أي تقييد لرئيس الجمهورية ونحن نلتقي مع غبطتك في هذا الموضوع وغيره، أما تعبير <السلة> فهو تعبير اعلامي لأن ما يطرحه دولة الرئيس بري هو <التفاهم حول أمور تسهّل عمل رئيس الجمهورية المقبل ولا تقيده على الاطلاق>.

وفيما لم يشر الوزير خليل الى أي موقف من الرئيس العتيد، أكد للبطريرك ــ وفق مصادر مطلعة على أجواء اللقاء ــ ان النقاط التي يلتقي فيها مع الرئيس بري أكثر بكثير من النقاط التي يختلفان عليها، وأبرز هذه النقاط التجاوب مع نداءات البطريرك للنواب بالنزول الى ساحة النجمة وتأمين النصاب لجلسات انتخاب رئيس الجمهورية من دون شروط مسبقة، وهو ما كان يطالب به البطريرك دائماً، غير ان امتناع البعض من سلوك هذا المسار ــ أضاف الوزير خليل ــ واشتراط انتخاب رئيس معين والا لا يكون لدينا رئيس، دفعا الرئيس بري الى طلب ضمانات أو <تفاهمات> مسبقة للموافقة على التصويت للمرشح المطروح، وهذا أمر بديهي في العمل السياسي الذي ليس عملاً خيرياً أو نتاج جهد جمعيات انسانية>! وقد لقيت <ايضاحات> الوزير خليل ــ وفق مصادر بكركي ــ ارتياحاً لدى سيد الصرح الذي يُسجل للرئيس بري الكثير من المواقف الوطنية، لكنه كان منزعجاً من الطريقة التي كان يتم الحديث فيها عن <السلة> لاسيما قول بري ان لا رئيس للجمهورية من دون الاتفاق على <السلة>، والذي وجد فيه البطريرك <تجاوزاً> لكل الأصول والأعراف والقواعد الدستورية، فضلاً عن <توقيت> اطلاق هذه المواقف الذي أتى بالتزامن مع تحرك الرئيس سعد الحريري بهدف الخروج من الأزمة الرئاسية الراهنة، من دون أن يعني ذلك ان البطريرك مع خيار العماد عون أو ضده، بل هو يريد إنهاء الشغور الرئاسي فحسب.

 

بيان المطارنة <السقف>

راعي-و-علي-خليل----2

وإذا كان بعض الأوساط السياسية رأى ان في <الاشتباك> الكلامي الذي وقع بين البطريرك الراعي والرئيس بري خلفيات تتصل بالفتور الذي كان دائماً سمة العلاقة بين رئيس مجلس النواب والصرح البطريركي منذ أيام البطريرك مار نصر الله بطرس صفير ومواقفه المعروفة ضد الوجود السوري آنذاك، فإن هذه الأوساط تعتبر ان قدراً مقبولاً من <العقلانية> والهدوء ساد العلاقة بين بري والراعي الذي انتهج سياسة الانفتاح، بحيث كان يجب تفادي حصول أي صدام كلامي علني، على رغم ان الرئيس بري <خيّب> أمل بكركي في أكثر من محطة، لاسيما في ضوء ما حصل في وزارتي المال والأشغال من تعيينات أقصت مسيحيين عن مراكز القرار واستبدلتهم بموظفين شيعة، وكذلك بالنسبة الى وضع المديرية العامة لأمن الدولة وصلاحيات المدير العام الكاثوليكي ونائبه الشيعي، فضلاً عن <اللاموقف> من قبل بري حيال النزاعات حول الأراضي في عدد من البلدات في قضاء جبيل، ومؤخراً وضع الأراضي المشاع في جرد العاقورة. وبدا من خلال المعطيات التي توافرت عن لقاء الراعي ــ خليل ان ثمة حلولاً قد تكون على الطريق في ما خص المسائل التي أضرّت بالعلاقة بين الرئيس بري والبطريرك الذي أكد التزامه مواقف مبدئية يتمسك بها ولا يجوز اعتبارها موجهة ضد شخص الرئيس بري أو غيره.

وشدد البطريرك في الرسالة التي حملها الوزير خليل الى الرئيس بري على القول بأن بيان مجلس المطارنة الذي لقي ترحيب رئيس المجلس هو <السقف> الذي لا يمكن لبكركي أن تتنازل عنه، وأي موقف خارج إطار ما أورده نداء المطارنة لا يعبّر عن رأي البطريرك ولا يلزمه بأي ايضاحات أو شروحات اضافية.

 

كسح الألغام

 

في أي حال، بدا من خلال المناخات الايجابية التي شاعت بعد التوضيحات المتبادلة بين عين التينة وبكركي وما جاء في نداء المطارنة الموارنة، ان <الألغام> التي وضعت على الطريق بين الصرحين قد تم تعطيلها، وإن كان الأمر يحتاج الى متابعة دائمة خوفاً من <حواجز طيارة> تنصب من حين الى آخر، في وقت يرى معنيون ان <نداء تشرين الأول> الذي صدر عن المطارنة الموارنة وضع حداً حاسماً لثوابت بكركي في شأن التقيد بالدستور في انتخاب رئيس الجمهورية من دون أن توضع عليه شروط مسبقة لكي يكون الرئيس الحكم لا الرئيس الطرف ولا الرئيس الصوري، كما قرن بيان المطارنة هذا الموقف بالتشديد على التقيد بالميثاق الوطني وتكريس ثوابته، ورحب بجهود الرئيس الحريري في مشاوراته المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية، كما تطرق البيان ــ النداء الى ملف قانون الانتخاب داعياً الى قانون <يطلق مساراً لتمثيل حقيقي يفسح في المجال لقوى جديدة وروح جديدة كي تصل الى مجلس النواب>، وختم بالدعوة الى مصالحة وطنية شاملة تطوي صفحة الماضي وتعيد الاعتبار الى التسوية التاريخية التي جسدها <اتفاق الطائف>. واعتبرت مصادر سياسية معنية ان بيان بكركي أدخل عاملاً جديداً على معادلة التحرك الداخلي في اتجاه حل الأزمة الرئاسية لا يمكن تجاهله بصرف النظر عما يمكن أن يؤول إليه هذا التحرك الذي يواجه عداً عكسياً حرجاً يصعب معه الركون الى أي توقعات متسرعة وسط العقبات الماثلة أمامه. ورأت المصادر ان نداء المطارنة أعاد ربط المسار التاريخي لبكركي بـ<اتفاق الطائف> من خلال تمسك المطارنة بهذه التسوية التاريخية التي حظيت حينذاك بموافقة البطريرك صفير.