26 September,2018

زيارة وفد ”القوات اللبنانية“ للدفاع أوضحت ملابسات لكنها لم تضمن وصول وزيرها الى الدفاع!  

هل يمكن لزيارة تستمر نصف ساعة من الزمن أن تطوي سنوات من الخصام والتباعد والخلافات؟

هذا السؤال طُرح بقوة الأسبوع الماضي في أعقاب الزيارة التي قام بها وفد من <القوات اللبنانية> لقيادة الجيش في اليرزة حيث التقى أفراده قائد الجيش العماد جوزف عون وعرضوا معه العلاقات بين الجيش و<القوات>. كان يمكن لهذه الزيارة أن تكون طبيعية بين حزب لبناني وقيادة المؤسسة العسكرية، غير ان <المواكبة الاعلامية> غير المألوفة التي رافقتها من تغطية مباشرة ــ ولو خارج مبنى قيادة الجيش ــ الى التعليقات والتسريبات والتحليلات التي سبقتها ورافقتها وتلتها، أوحت وكأن في الأمر ما يتجاوز الزيارة التقليدية أو الطبيعية بين حزب وقيادة الجيش، وبدا ان الهدف منها الايحاء بأن الماضي القاسي الذي اتسمت به العلاقة بين الجيش و<القوات اللبنانية> قد طُوي، وان صفحة جديدة من العلاقات فتحت لمحو آثار المعارك الدموية التي حصلت بين الجيش و<القوات اللبنانية> عندما كانت بإمرة الدكتور سمير جعجع في زمن الحكومة العسكرية برئاسة العماد ميشال عون في العام 1990، علماً ان هذه المواجهات سقط فيها الكثير من الشهداء في صفوف العسكريين التي من الصعب نسيانها لاسيما ما حصل ذات يوم في القاعدة الجوية في ادما وداخل مركز الإذاعة اللبنانية في عمشيت.

لماذا إذن كانت هذه الزيارة؟

مصادر متابعة أشارت الى ان قيادة <القوات اللبنانية> شعرت في الفترة الأخيرة ان ثمة معارضة شديدة لتولي وزير قواتي حقيبة سيادية ولاسيما هي وزارة الدفاع الوطني لأن الحقيبة السيادية الثانية المخصصة للمسيحيين ستؤول الى الوزير جبران باسيل في وزارة الخارجية مجدداً، ولأن الطائفة الشيعية وضعت يدها على وزارة المال، فيما تيار <المستقبل> لن يتخلى عن وزارة الداخلية والبلديات بعدما أثبت الوزير نهاد المشنوق انه قادر على الإمساك بالوزارة التي تضم أكثر من مديرية عامة بينها قوى الأمن الداخلي والأمن العام والدفاع المدني والأحوال الشخصية وأمن المطار الخ… وتزامن هذا الاعتراض مع اشكال حصل في خلال وجود قائد الجيش العماد جوزف عون في واشنطن حين رفض مصافحة وفد قواتي أتى الى السفارة اللبنانية في العاصمة الأميركية خلال حفل استقبال أقامه السفير غابي عيسى على شرف قائد الجيش، وذلك على خلفية حملة ضد الجيش تقول مصادر رسمية ان ممثل <القوات اللبنانية> في الولايات المتحدة الأميركية جوزف الجبيلي قادها مع المسؤولين في الخارجية الأميركية و<البنتاغون> بحجة ان الجيش يخضع لإرادة حزب الله ولا حاجة لتزويده بعد اليوم بالسلاح الأميركي الذي قد يذهب الى الحزب الأصفر.

 

الحقيبة السيادية… بعيدة المنال!

وبعيداً عن الملابسات التي رافقت حادثة السفارة اللبنانية في واشنطن وأسبابها، فإن ما حصل زاد طين البرودة في العلاقة بين الجيش و<القوات> بِلّة اضافية ما جعل من الصعب إعادة هذه العلاقات الى مكان سوي ما يسقط نهائياً امكانية حصول <القوات> على حقيبة سيادية هي وزارة الدفاع، علماً انه في الحكومة الأولى في عهد الرئيس ميشال عون طالب الدكتور سمير جعجع بحقيبة الدفاع من ضمن تفسيره لـ<تفاهم معراب> الذي نص على تقاسم الحقائب الوزارية بما فيها  السيادية بعد اقتطاع حصة رئيس الجمهورية، إلا ان مطلبه لم يتحقق ونالت <القوات> منصب نائب رئيس الحكومة. أما اليوم ولأن المنصب الرقم 5 في البلاد (نيابة رئاسة الحكومة) لا تزال بعيدة المنال بالنسبة الى <القوات> بعد إصرار رئيس الجمهورية على أن تكون من حصته، فقد عادت نغمة المطالبة بوزارة الدفاع تتردد بقوة في معراب، وكان لا بد من <تسوية> العلاقة بين <القوات> و<العسكر> قبل أن يصبح وزير <القوات> هو المسؤول السياسي عن عمل الجيش ودوره على مستوى الوطن. من هنا كانت الزيارة لليرزة لنقل <الدعم القواتي الكامل للجيش>، على حد قول مصادر <القوات> ولإزالة الغموض الذي اكتنف موقف ممثلها في الولايات المتحدة الأميركية <وتحميل السفير اللبناني غابي عيسى مسؤولية الترويج ضد <القوات> واتهامها بالعمل ضد الجيش>، على حد قول المصادر نفسها.

وتقول المصادر <القواتية> ان زيارة وفد الحزب لليرزة أضاءت على جوانب عدة من الالتباس الذي حصل في واشنطن من خلال إبراز أفراده لما تفعله <القوات> من جهود لتسهيل تسليح الجيش من خلال شبكة العلاقات الواسعة لـ<القوات> مع الأميركيين والسعوديين، وان كل ما قيل في حق الحزب لا أساس له من الصحة، لأن دعم <القوات> للجيش واضح ولا مجال للتشكيك به خصوصاً ان الحزب صار حزباً سياسياً ولم تعد لديه أي قوة عسكرية ونضاله الحربي انتهى وحلّ مكانه النضال السياسي. لكن هذه المصادر لم توضح ما كان رد العماد عون على ايضاحات وفدها واكتفت بالقول ان الاجتماع كان <ايجابياً>، فيما نقلت مصادر عسكرية ان قائد الجيش كرر تحفظه على أداء الجبيلي في أميركا وسياسته، لكنه في المقابل شدد على ان القيادة العسكرية منفتحة على جميع القوى السياسية وتقف على مسافة واحدة منها.

وتشير المعلومات المتوافرة لـ<الأفكار> ان تطور العلاقات بين الجيش و<القوات> يمكن أن يأخذ منحى ايجابياً في المستقبل، لكنها لن تصل الى درجة القبول بأن يتولى وزير قواتي حقيبة الدفاع مهما كانت الاعتبارات ذلك ان <الجرح> الذي لم يندمل بعد بين <القوات> والجيش يحتاج الى فترة زمنية أطول لأن <الجيل العسكري> الراهن لا يمكنه أن ينسى ما حصل بدءاً من اغتيال اللواء خليل كنعان وصولاً الى ما تسميه <القوات> بـ<حرب الإلغاء> وما رافق كل ذلك من مضاعفات وصلت الى حد <استضافة> الدكتور سمير جعجع 11 سنة في سجن وزارة الدفاع محاطاً بعسكريي الجيش من مختلف الرتب. ولأن <القوات> تدرك هذه الحقيقة فإنها انتقلت طوعاً في مفاوضاتها الحكومية الى <التنازل> عن الوزارة السيادية، والحديث عن مركز نائب رئيس الحكومة بديلاً عن <السيادية>، إضافة الى وزارة خدماتية أساسية وحقائب عادية أخرى!