13 November,2018

زيارة عون للسعودية تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات قوامها الثقة والحرص المتبادل على مصالح البلدين وشعبيهما!

Fahras00008مع بداية الأسبوع المقبل، تبدأ مرحلة جديدة من مسيرة عهد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون من خلال الزيارة الرسمية التي يقوم بها للمملكة العربية السعودية في أول انتقال له خارج لبنان منذ انتخابه رئيساً للجمهورية محققاً بذلك ما كان وعد به الموفد الملكي السعودي الأمير خالد الفيصل الذي زاره بعيد انتخابه حاملاً دعوة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز لزيارة المملكة، بأن تكون أول زيارة رسمية له خارج لبنان للرياض. وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة ليس لأنها الأولى في الولاية الرئاسية فحسب بل لأنها تفتح الباب من جديد أمام تفعيل العلاقات اللبنانية ــ السعودية التي شهدت خلال الأعوام الماضية تراجعاً في منسوب الحضور الدائم للمملكة في لبنان، وللبنان في سلم اهتمامات المملكة، كما هي مناسبة للرئيس عون لإعادة نسج علاقات شخصية بينه وبين القيادة السعودية بعد الخلل الذي اعتراها في أثناء فترة الشغور الرئاسي وما قيل عن <فيتو> كانت تضعه المملكة على انتخاب <الجنرال> رئيساً للجمهورية.

وإذا كانت الزيارة الرئاسية اللبنانية الأولى للرياض ستفتح أبواب دول الخليج أمام الرئيس اللبناني، كما تعيد حركة الخليجيين في اتجاه بيروت لتؤسس لموسم سياحي واعد، فإن الرئيس عون أراد من خلال اصطحابه ستة وزراء معه يمثلون مختلف المكونات اللبنانية، أن يضفي على الزيارة طابعاً وطنياً جامعاً يؤشر الى ان المملكة العربية السعودية ليست مع فريق لبناني من دون غيره، بل هي مع كل لبنان من دون تمييز بين هذا الفريق أو الآخر، وان ما تريده المملكة لطرف لبناني معين تريده لسائر الأطراف في وقت واحد. لذلك كان قرار الرئيس عون بأن يرافقه وزراء من مختلف الطوائف اللبنانية ومن مختلف الاتجاهات الحزبية لأنه يريد بذلك أن يحدد بعد اليوم طبيعة علاقة المملكة مع لبنان على أساس وطني جامع، وهو ما يريده أيضاً الجانب السعودي الذي عبر أكثر من مرة بأنه مع جميع اللبنانيين الى أي طائفة أو اتجاه سياسي انتموا.

وفد وزاري موسع وأطر جديدة للتعاون

salman

كذلك فإن الوفد الوزاري الموسع الذي يرافق رئيس الجمهورية في زيارته الى المملكة يدل على رغبة متبادلة بأن تتجاوز الزيارة الرئاسية إطار المحادثات بين الرئيس عون والعاهل السعودي لتشمل أيضاً الوزراء اللبنانيين مع نظرائهم السعوديين وذلك بهدف البحث في عدد من المواضيع ذات الاهتمام المشترك من جهة، وفي وضع أطر جديدة للتعاون الثنائي في مجالات عدة لاسيما وان القيادة السعودية أبدت في أكثر من مناسبة حرصها على مساعدة لبنان ودعم مشاريعه الانمائية والاقتصادية وكانت الى جانب السلطات اللبنانية في توفير ما يحتاجه لبنان اقتصادياً ومالياً. ولم يعد سراً أن ما يطمح إليه الرئيس عون من خلال زيارته ــ إضافة الى إعادة تطبيع العلاقات بين البلدين ــ هو ان تدرك القيادة السعودية ان انتخابه رئيساً للجمهورية لا يشكل انتصاراً لفريق لبناني على آخر، ولا خياراً سياسياً ضد آخر، لأن الرئيس عون، وإن كان حظي قبل انتخابه بدعم فريق لبناني معين، إلا انه بات بعد دخوله قصر بعبدا، رئيساً لجميع اللبنانيين ورمزاً لوحدة الوطن السيد والحر والمستقل الذي يقدم المصلحة الوطنية العليا على غيرها من المصالح السياسية أو الذاتية.

وفي هذا السياق، تؤكد مصادر رسمية لبنانية ان القيادة السعودية باتت تدرك بأن الدعم الذي لقيه انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية من مختلف المكونات السياسية اللبنانية سوف يوظفه الرئيس في تحقيق ما يصبو إليه اللبنانيون من تقدم ورفعة ومنعة لوطنهم في إطار السياسة الخارجية المستقلة التي ينتهجها رئيس الجمهورية والتي أكد عليها في خطاب القسم، وعبّر عنها بالممارسة منذ 31 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، أي منذ تاريخ انتخابه رئيساً. وهذه القناعة ــ تضيف المصادر نفسها ــ ترسخت لدى القيادة السعودية فكانت مبادرتها في توجيه الدعوة للرئيس عون لزيارة الرياض واطلاق مسيرة جديدة في العلاقات اللبنانية ــ السعودية تجمع المصادر على اعتبارها مسيرة واعدة على مختلف الصعد. من هنا تبدو الزيارة الرئاسية اللبنانية محطة مهمة في العلاقات بين البلدين والتي يتوقع أن تكون أولى ثمارها إحياء الهبة السعودية لتمويل شراء معدات فرنسية للجيش اللبناني بقيمة 3 مليارات دولار كانت جُمدت بعد الاتفاق على تفاصيلها على اثر الملابسات التي أحاطت بالموقف اللبناني من الحرب السورية وما عُرف بسياسة <النأي بالنفس> التي غابت عن الخطاب الرسمي اللبناني منذ انتخاب العماد عون وحلت مكانها عبارة <تحييد لبنان عن الصراعات التي تشهدها بعض الدول العربية ومن ضمنها سوريا>، وعلى رغم عدم صدور أي مواقف سعودية واضحة حيال مستقبل هبة الـ3 مليارات دولار، إلا ان المعطيات التي توافرت لدى المسؤولين اللبنانيين تؤشر الى ان المملكة عازمة على معاودة دعمها للبنان ولمؤسساته الأمنية وفي مقدمها مؤسسة الجيش التي تخوض حرباً لا هوادة فيها مع الارهاب وتنظيماته سواء تلك التي تنتشر على حدوده البقاعية مع سوريا، أو الخلايا الارهابية التي نجح لبنان في كشفها من خلال المواجهات الاستباقية التي نجحت المؤسسات الأمنية اللبنانية في خوضها ضد التنظيمات الارهابية.

متابعة دولية للتقارب المتجدد

ميشال-عون

وتقول مصادر مطلعة ان الاشارات التي صدرت عن المسؤولين السعوديين قبيل الزيارة الرئاسية اللبنانية تؤكد على رغبة القيادة السعودية في تجديد دعمها للبنان، وهذا ما لمسه العديد من المسؤولين الدوليين الذين زاروا المملكة في الآونة الأخيرة وسمعوا كلاماً سعودياً مشجعاً نقلوه الى رئيس الجمهورية والمسؤولين اللبنانيين كان من بينهم وزير الخارجية الفرنسية <جان مارك ايرولت> ونائبة وزير الخارجية الأميركية <آن باترسون> وغيرهما من الزوار الدوليين الذين تناوبوا على زيارة لبنان خلال الأسابيع الماضية وأوصلوا رسائل تشجع على تجديد التواصل مع القيادة السعودية التي سترد على الانفتاح اللبناني حيال الرياض بما يوازيه من اهتمام ورعاية، خصوصاً ان الذين حضّروا الزيارة الرئاسية اللبنانية الى المملكة شعروا بأن الرئيس عون سيلقى لدى المسؤولين السعوديين كل ترحيب وتأييد ودعم ما يدل على ان القيادة السعودية تريد فتح صفحة جديدة من التعاون بين البلدين على أسس ثابتة تراعي مصلحة كل من بيروت والرياض على حد سواء.

وتشير مصادر رسمية لبنانية الى ان حرص الرئيس عون على جعل باكورة زياراته الخارجية الى السعودية يستند الى ادراك واضح ان المملكة التي تعتبر الممر الطبيعي الى دول الخليج، لن توفر جهداً في إعادة مناخ الوئام الى العلاقات اللبنانية ــ الخليجية ككل بدليل ان المحطة الثانية في التحرك الرئاسي اللبناني الخارجي ستكون دولة قطر التي سارع أميرها تميم بن حمد آل ثاني الى توجيه دعوة مماثلة الى الرئيس عون لزيارة الدوحة في إطار الانفتاح الخليجي المتجدد على لبنان، والذي ستكون له نتائجه الايجابية أيضاً على أوضاع اللبنانيين في دول الخليج الذين عاشوا خلال الأشهر الماضية هاجس التأثيرات السلبية على أوضاعهم في ما لو استمرت العلاقات مضطربة بين لبنان ودول الخليج. وفي اعتقاد المصادر الرسمية نفسها ان التطورات الأخيرة التي شهدتها دول الجوار اللبناني المضطربة ساهمت بشكل أو بآخر في تعزيز القناعة العربية عموماً، والخليجية خصوصاً، بأن لبنان قادر على لعب دور متميز في تفعيل عملية لمّ الشمل العربي من خلال مكانته السياسية من جهة، وقدرته على التحاور مع جميع الأطراف العربية بحرية وموضوعية من جهة أخرى.وبقدر ما يمكن للبنان أن يلعب هذا الدور المتميز في محيطه، فإنه بالقدر نفسه يرغب في الا يدخل في سياسة المحاور بصرف النظر عن ظروفها أو ملابساتها، ما يكسبه قدرة اضافية على تحقيق التواصل بين الدول ولعب الدور التوفيقي بينها عند الضرورة.

 

تعاون اقتصادي وتجاري

ولم يعد سراً، تضيف المصادر نفسها، بأن الزيارة الرئاسية اللبنانية للرياض سوف تترك المزيد من الارتياح لدى دول كبرى صديقة كانت تتطلع الى تصحيح العلاقة اللبنانية مع دول الخليج عموماً والسعودية خصوصاً، وهي لعبت دوراً أساسياً في تحقيق هذا التقارب وتفعيله وجعل نتائجه لمصلحة البلدين. وفي هذا السياق، يذكر مسؤولون التقوا وزير الخارجية الفرنسية <جان مارك ايرولت> لدى زيارته لبيروت، ما أعلنه المسؤول الفرنسي الرفيع من ان مساعدة السعودية للبنان سوف تأتي في مرحلة مهمة ودقيقة تعيشها الدول العربية عموماً، ودول الجوار اللبناني خصوصاً، لاسيما لجهة إعادة تحريك المساعدات السعودية للبنان، وإعادة رسم التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين وهذا ما يفسر وجود وزير الاقتصاد والتجارة رائد خوري في عداد الوفد الرئاسي اللبناني، وهو من فريق عمل الرئيس عون في الحكومة الجديدة.

في أي حـــــال، فإن المصــــادر الرسمية اللبنانية تعلق آمالاً كبيرة على زيارة الرئيس عون للمملكة السعودية لاسيما وان كل المعطيات توحي بأن الرياض التي سمعت الكثير عن <الجنرال> عون، سوف تتعرف أكثر الى <الرئيس> عون الذي يدرك أهمية الدور السعودي بالنسبة الى لبنان منذ ما قبل اتفاق الطائف وما بعده ويتصرف على هذا الأساس، ما يعني ان العلاقات اللبنانية ــ السعودية ستكون في عهده مبنية على قواعد ثابتة من الثقة المتبادلة والوضوح والشفافية في مقاربة المسائل التي تهم البلدين والشعبين انطلاقاً من المصالح المشتركة التي لا مصلحة للبنان وللسعودية في آن واحد في التفريط بها بل على العكس لأن الحرص سيكون متبادلاً في جعل هذه العلاقات نموذجية وفاعلة على مختلف الصعد.