9 April,2020

زيارة دياب لدار الفتوى بعد الثقة تجاوزت الإطار البروتوكولي... لتصبح ”طبيعية“!

حرص رئيس الحكومة حسان دياب على الادلاء بتصريح مكتوب بعد زيارته الى دار الفتوى بعد 24 ساعة من نيل حكومته ثقة مجلس النواب، وآثر عدم الرد على الأسئلة التي انهالت عليه بعد ادلائه بتصريحه والى جانبه مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان الذي اختصر بكلمات قليلة الزيارة بالقول إن دياب هو رئيس حكومة كل لبنان وهو مرحب به في دار الفتوى التي تتمنى له التوفيق. هذا الاختصار في إجابة المفتي جعلت ردود الفعل على الزيارة تتفاوت بين <زيارة بروتوكولية لا أكثر ولا أقل> وزيارة <شكلية> وغيرها من الصفات التي أُلصقت بالزيارة، فهل كانت فعلاً كذلك؟

مصادر متابعة قالت لـ<الأفكار> ان الزيارة الأولى للرئيس دياب لدار الفتوى والتي كانت منتظرة منذ تكليفه تشكيل الحكومة هي <أكثر من بروتوكولية> و<أقل من زيارة ودية وحارة>، ذلك ان المفتي دريان الذي كان أبلغ المرشح السابق لرئاسة الحكومة رجل الأعمال سمير الخطيب عندما زاره في الدار طالباً تأييده، ان المسلمين السنة يريدون الرئيس سعد الحريري رئيساً للحكومة وعليه أعلن الخطيب في اليوم نفسه عدوله عن الترشح وسحب اسمه من التداول لرئاسة الحكومة، اعتبر ان الرئيس دياب <رئيس حكومة كل لبنان> من دون أن يعني ذلك ان رغبة المسلمين السنة في دعم الرئيس الحريري قد تغيرت. بمعنى آخر تعامل المفتي دريان مع الواقع المستجد، فالرجل الذي رحب به في دار الفتوى هو رئيس الحكومة من الناحيتين الدستورية والقانونية وهو لم يزر دار الفتوى إلا عندما نال ثقة مجلس النواب وأصبح رئيس حكومة يتمتع بدعم مجلس النواب وإن كان عدد الأصوات التي نالها دون نصف أعضاء مجلس النواب زائداً واحد (نال 63 صوتاً). لكن الواضح من كلام المفتي دريان أن رئاسة الحكومة شيء و<زعامة> المسلمين السنة شيء آخر، فالأولى يحملها دياب دستورياً، والثانية يحملها سعد الحريري شعبياً، وهو ــ أي المفتي ــ ميّز بذلك بين الصفة الدستورية والزعامة السياسية، وقد ترجم المفتي هذا التمييز بعد أيام قليلة إذ ذهب الى <بيت الوسط> ووقف الى جانب الرئيس الحريري في ذكرى استشهاد والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري في تظاهرة شعبية كان لها أكثر من رسالة ومدلولاً.

 

<رئيس الأمر الواقع>!

من هنا، فإن ترحيب المفتي بـ<رئيس الأمر الواقع> على الصعيد الحكومي يختلف عن موقفه الذي وضع <عباءة> الزعامة على أكتاف رئيس آخر صار رئيساً سابقاً للحكومة هو سعد الحريري، وبالتالي لا يمكن لدار الفتوى أن تكون <خصماً> لمن يتربع سعيداً في السرايا الكبير ويرأس عملياً كل الهيئات السنية لأنه المتقدم بين الجميع، علماً ان دار الفتوى تتبع قانوناً لرئاسة الحكومة. كذلك فإن المفتي دريان أقرّ بهذا الواقع لاسيما وان الرئيس دياب أصبح حكماً العضو الأبرز في المجلس الشرعي الإسلامي وفي أكثر من إطار إداري وقانوني لدار الفتوى، لاسيما لجهة أنه يتولى التصديق على الكثير من قراراتها التي تتطلب توقيع رئيس الحكومة. أكثر من ذلك، لن يكون في قدرة مشايخ الطائفة تجاهل <الرئيس> دياب بل سيدافعون عنه في خطبهم ومجالسهم لأنه في الموقع الاسلامي السني الأبرز، علماً ان بعض المشايخ كان قاد حملة واسعة تدعم الرئيس الحريري وتنادي بـ<حصرية> عودته الى رئاسة الحكومة. ولاحظ الكثيرون تبدلاً في مضمون الخطب التي ألقيت بعد زيارة الرئيس دياب لدار الفتوى والموقف المقتضب الذي صدر عن مفتي الجمهورية.

المطلعون على بعض ما دار في الزيارة من أحاديث، أكدوا ان المفتي دريان رحّب بالرئيس دياب وكان حديثه <ودياً للغاية> وتم التوافق بين الرجلين على لقاءات أخرى ما يعني ان صاحب الدار الذي تولى سدة الافتاء، نتيجة تسوية سياسية، راغب في أن يُبقي دار الافتاء مرجعية وطنية واسلامية يفترض أن تكون على مسافة واحدة من الجميع تحت مظلة الطائفة بعيداً عن أي حسابات أخرى ترتبط بشكل أو بآخر بمواقف دول عربية اسلامية ــ لاسيما خليجية ــ من الرئيس الجديد للحكومة الذي حلّ ضيفاً على نادي رؤساء الحكومات من دون <رضى> هؤلاء، لكنهم تقبلوا <الأمر الواقع>. ويضيف المطلعون ان اللقاء الذي استمر نحو 40 دقيقة أبدى خلاله المفتي <كل ايجابية> مكرراً أكثر من مرة ضرورة توحيد الكلمة في الطائفة والتعاون بين دار الإفتاء والحكومة، لاسيما وانه لم يخفِ في معرض كلامه عن دعمه لجهود الرئيس دياب. ولوحظ ان رئيس الحكومة حرص على القول في تصريحه المكتوب انه تلقى اتصالاً من المفتي بعد حصول الحكومة على الثقة، ثم كانت الزيارة بمبادرة من الرئيس دياب بددت بعض البرودة بين الرجلين ولم تقضي عليها، علماً ان الأيام كفيلة بعودة <الحرارة> الى لقاءات رئيس الحكومة مع المفتي، من هنا كان الاتفاق على عقد جلسات يؤمل أن تقرّب المسافات مجدداً بين السرايا ودار الفتوى التي قيل إنها سوف تتابع أعمال الحكومة وأداء رئيسها وسيكون لها في كل مرة الموقف المناسب الذي يتحدد في ضوء ما سيحصل، علماً ان مصادر معنية قالت إن وجهات النظر بين الرئيس دياب والمفتي كانت متقاربة في كثير من المواضيع التي أثيرت لاسيما الشأن الاقتصادي والتحركات الشعبية وردود الفعل على البرنامج الاصلاحي الذي تنوي الحكومة اعتماده لمواجهة الأزمة الراهنة خوفاً من مضاعفات مرتقبة. وسجلت مصادر قريبة من دار الفتوى <استقلالية> الدار في تحديد المواقف من المسائل المطروحة لاسيما وان الرئيس دياب أشار الى ان البحث مع المفتي تناول <أوضاع المسلمين> من دون اضافات أخرى، علماً ان التصريح كان مكتوباً أي انه أعد سلفاً من دون أن يدخل النقاش أي تعديل عليه وكأن الرئيس دياب كان يدرك مسبقاً مواقف المفتي وعدم رغبته بتجاوز الترحيب والتمنيات بالتوفيق.

وتقول مصادر سياسية ان الزيارة كانت <طبيعية> ولا يمكن تحميلها أكثر مما تحتمل، وبديهي أن تكون العلاقة بين دار الفتوى وساكن السرايا <بديهية> على اعتبار انه لم تسجل يوماً أي قطيعة بين المرجعيتين السياسية والروحية للطائفة السنية أياً تكن الاختلافات في الآراء السياسية التي يمكن وضعها جانباً.