16 February,2019

زيارة بابوية تاريخية للامارات هي الأولى من نوعها الى منطقة الخليج العربي

اختتم بابا الفاتيكان <فرنسيس> زيارته لدولة الامارات العربية المتحدة يوم الثلاثاء الماضي التي استمرت ثلاثة ايام بقداس حاشد في مدينة زايد في العاصمة ابو ظبي في حضور اكثر من مئة شخص، بعدما وصل الى الامارات مساء الاحد الماضي في زيارة تاريخية هي الأولى من نوعها إلى منطقة الخليج العربي، حيث جاءت بناء على دعوة من ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، للمشاركة في مؤتمر لحوار الأديان، وكان على رأس مستقبليه في مطار أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد وشيخ الأزهر أحمد الطيب، حيث رحب الشيخ محمد بن زايد به، مؤكداً أن بلاده كانت وستظل منارة للتسامح والاعتدال والتعايش وطرفاً أساسياً في العمل من أجل الحوار بين الحضارات والثقافات ومواجهة التعصب والتطرف، وقال إن زيارة البابا <فرنسيس> التاريخية للإمارات تحمل رسالة إلى العالم كله بأن المنطقة العربية مهبط الديانات السماوية الثلاث التي عاش أهلها على اختلاف دياناتهم وطوائفهم في وئام وسلام عبر قرون طويلة، وليست هي تلك الصورة المشوهة التي يصدرها المتطرفون والارهابيون عنها، فيما رحب نائب رئيس دولة الامارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بزيارة البابا للإمارات التي تستقبله قلباً وفكراً وروحاً وجسداً إنسانياً واحداً، معرباً عن تطلع الامارات قيادة وشعباً، إلى هذه الزيارة التاريخية، كي تسهم في تعزيز قيم التسامح والتعايش والتناغم والتلاقي الثقافي والحضاري بين مختلف مكونات الطيف البشري.

 

لقاء البابا مع محمد بن راشد ومحمد بن زايد

والتقى البابا <فرنسيس> الشيخ محمد بن زايد والشيخ محمد بن راشد في قصر الرئاسة في أبو ظبي، حيث استعرض الجانبان آفاق التعاون المشترك وجهودهما في ترسيخ قيم التآخي والحوار والتعايش بين الشعوب التي تحث عليها جميع الأديان في

سبيل تحقيق الامن والاستقرار والسلام لدول المنطقة والعالم، إضافة إلى تعزيز الانتماء الانساني الحضاري والفكر المُستنير ومواجهة الافكار المتطرفة والكراهية الدينية.

ودعا الجانبان في ختام لقائهما إلى تعزيز التعاون بين مختلف المنظمات والهيئات الاقليمية والدولية من أجل صياغة مبادرات ورؤى تعزز قيم الحوار البناء الفاعل بين الثقافات، وتؤكد أهمية احترام المعتقدات ونشر ثقافة التسامح والسلام، وأكدا حاجة العالم الملحة إلى تكريس جهوده من أجل بث روح الاخاء الانساني والتعايش بين جميع شعوبه لترسيخ الامن والسلام والاستقرار في مختلف أرجائه بجانب التصدي لمحاولات تشويه الأديان والتحريض على الكراهية الدينية. وأعربا عن تطلعهما إلى أن ترسم رسالة الاخاء التي انطلقت من دولة الامارات خريطة طريق تؤسس للحوار والتآخي والوفاق والتعايش بين مختلف الامم والشعوب والأديان.

ورحب الشيخ محمد بن راشد والشيخ محمد بن زايد بالضيف الكبير ونقلا تحيات وتقدير رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وأعربا عن سعادتهما بزيارته إلى دولة الامارات، التي تعد تتويجاً لجهود الدولة ومساعيها الرامية إلى نشر قيم التآخي الانساني والتعايش والسلام بين مختلف شعوب العالم، وقالا إن الزيارة، وما يتخللها من فعاليات مهمة تعطي دفعة غير مسبوقة، من حيث دلالتها وأهميتها، نحو التقريب وقبول الاخر وتقبل جميع الثقافات في بوتقة واحدة، هي الانسانية بقيمها

النبيلة التي ترسخها جميع الأديان، إضافة إلى كونها فرصة مهمة للتباحث والتشاور وتبادل وجهات النظر بشأن كل ما يصب في تعزيز العلاقات الثنائية وترسيخ قيم الحوار والتعايش والأخوة الانسانية.

من جانبه أعرب البابا <فرنسيس> عن سعادته بزيارة دولة الامارات، مشيراً إلى أن زيارته تمثل مرحلة جديدة في تاريخ الأخوة الانسانية بين شعوب العالم والعلاقات بين مختلف الأديان، كما ثمن دعوة الشيخ محمد بن زايد للمشاركة في <لقاء الأخوة الانسانية> مع شيخ الأزهر الشريف في أرض السلام والتعايش والامان، البلد الذي يحترم الاختلاف بين الحضارات والثقافات والأديان، مشيراً إلى دور المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في ترسيخ هذه القيم الانسانية النبيلة وغرسها لدى شعبه.

وقدم البابا هدية إلى الشيخ محمد بن زايد هي عبارة عن ميدالية تؤرخ اللقاء بين القديس <فرنسيس> الاسيزي والسلطان الملك الكامل في العام 1219، وشكره في سجل التشريفات على حرارة الاستقبال، متمنياً للامارات السلام والوحدة الاخوية، بينما قدم له الشيخ محمد مُستنداً يعود إلى العام 1963 ويحمل موافقة على إنشاء أول كنيسة في الامارات.

مؤتمر الأخوة الانسانية

يدعو الى الحوار

وفي اليوم الثاني للزيارة، شارك البابا في <مؤتمر الأخوة الانسانية> حول الأديان في صرح الشيخ زايد في أبو ظبي، والذي تخلله توقيع البابا وشيخ الأزهر أحمد الطيب <وثيقة الأخوة الانسانية>، الداعية إلى <مكافحة التطرف>، قبل أن يتعانقا ويتبادلا القبل في مشهد مهيب جسد معاني التسامح، واحترام الاخر، والتعايش، واستهل خطابه بعبارة <السلام عليكم> بالعربية، داعياً إلى حماية الحرية الدينية في منطقة شهدت تصاعداً في العنف والتعصب في السنوات الاخيرة، مع بروز جماعات متطرفة وفي مقدمها تنظيم <داعش>، معتبراً ان استعمال اسم الله <لتبرير الكراهية> هو <تدنيس خطير> لإسمه، مشدداً على أن العنف لا يمكن تبريره دينياً.

وطالب البابا بحق المواطنة نفسه لجميع سكان المنطقة، قائلاً: أتمنى أن تبصر النور، ليس هنا فقط بل في كل منطقة الشرق الأوسط الحبيبة والحيوية، فرصٌ ملموسة للقاء: مجتمعاتٌ يتمتع فيها أشخاص ينتمون إلى ديانات مختلفة بحق المواطنة نفسه، مكرراً دعوته إلى وقف الحروب في اليمن وليبيا وسوريا والعراق، موضحاً ان سباق التسلح، وتمديد مناطق النفوذ، والسياسات العدائية، على حساب الاخرين، لن تؤدي أبداً إلى الاستقرار، داعياً إلى أن نلتزم معاً ضد تقييم العلاقات في وزنها الاقتصادي، وضد التسلح على الحدود وبناء الجدران وخنق أصوات الفقراء.

إلى ذلك اعتبر شيخ الأزهر، في كلمته في المؤتمر، أن وثيقة الأخوة الانسانية نداء لضمير الانسان الحي لنبذ العنف البغيض واحتقار التطرف الأعمى. ورأى أن أزمة العالم هذه الايام تتمثل في غياب الضمير الانساني، وقال: الأديان الالهية، بريئة كل البراءة من الحركات والجماعات المسلحة التي تُسمى حديثاً بـ<الارهاب>، كائناً ما كان دينها أو عقيدتها أو فكرها، أو ضحاياها، أو الارض التي تُمارِس عليها جرائمها المنكرة… فهؤلاء قتلة وسفاكون للدماء، ومعتدون على الله ورسالاته… وعلى المسؤولين شرقاً وغرباً أن يقوموا بواجبهم في تعقب هؤلاء المعتدين والتصدي لهم بكل قوة، وحماية أرواح الناس وعقائدهم ودور عباداتهم من جرائمهم، مشيراً الى ان المسيحية احتضنت الاسلام عندما كان ديناً وليداً، مؤكداً أن المسيحيين جزء من هذه الامة، وهم مواطنون وليسوا أقلية، مخاطباً المسيحيين في الشرق بالقول: أرجوكم أن تتخلصوا من ثقافة مصطلح الاقلية الكريه، فأنتم مواطنون كاملو الحقوق والواجبات، واعلموا أن وحدتنا هي الصخرة الوحيدة التي تتحطم عليها

المؤامرات التي لا تفرق بين مسيحي ومسلم إذا جد الجد>. ودعا المسلمين في الشرق الأوسط إلى حماية الطوائف المسيحية.

وتوجه الى المسلمين في الغرب قائلاً: إندمجوا في مجتمعاتكم اندماجاً إيجابياً، تحافظون فيها على هويتكم الدينية كما تحافظون على احترام قوانين هذه المجتمعات، واعلموا أن أمن هذه المجتمعات مسؤولية شرعية، وأمانة دينية في رقابكم تُسألون عنها أمام الله تعالى.

وقد أكدت <وثيقة الأخوة الانسانية> أن <العلاقة بين الشرق والغرب هي ضرورة قصوى لكليهما، لا يمكن الاستعاضة عنها أو تجاهلها، ليغتني كلاهما من الحضارة الاخرى عبر التبادل وحوار الثقافات، مطالبة قادة العالم، وصناع السياسات الدولية والاقتصاد العالمي، بالعمل جدياً على نشر ثقافة التسامح والتعايش والسلام، والتدخل فوراً لإيقاف سيل الدماء البريئة، ووقف ما يشهده العالم حالياً من حروب وصراعات وتراجع مناخي وانحدار ثقافي وأخلاقي، وقالت إن التاريخ يؤكد أن التطرف الديني والقومي والتعصب قد أثمر في العالم، سواء في الغرب أو الشرق، ما يمكن أن نطلق عليه بوادر <حرب عالمية ثالثة على أجزاء>، بدأت تكشف عن وجهها القبيح في كثير من الاماكن، وعن أوضاع مأساوية لا يعرف ــ على وجه الدقة ــ عدد من خلفتهم من قتلى وأرامل وثكالى وأيتام، وهناك أماكن أخرى يجري إعدادها لمزيد من الانفجار وتكديس السلاح وجلب الذخائر، في وضع عالمي تسيطر عليه الضبابية وخيبة الامل والخوف من المستقبل، وتتحكم فيه المصالح المادية الضيقة>، داعية للمصالحة والتآخي بين جميع المؤمنين بالأديان، بل بين المؤمنين وغير المؤمنين، وكل الاشخاص ذوي الارادة الصالحة، مشددة على ضرورة التصدي للتطرف الفكري وسلبياته، وتعزيز العلاقات الانسانية، وإرساء قواعد جديدة لها بين أهل الأديان والعقائد المتعددة تقوم على احترام الاختلاف.

وشهد المؤتمر مشاركة البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي الذي قال في كلمته، إن الأديان لا تصنع الحروب، بل أتباعها يصنعونها لجهلهم بمفهوم الدين أو لتسييسه من أجل غايات خاصة. والتحدي السلبي هو أن مجموعات أو منظمات إرهابية مسيسة ترتكب العنف والقتل والتطهير العرقي باسم الله الواحد الوحيد، علماً أن <اسم الله الواحد الوحيد هو اسم السلام والامر بالسلام، معتبراً أن الاختلاف في الدين والثقافة والرأي لا يعني عداوة، بل يُغني في النظرة إلى الامور، ويساعد في البحث عن الحقيقة التي تجمع وتحرر. أما التنوع الديني والثقافي والعرقي فهو ضروري للتكامل والاغتناء المتبادل.