24 September,2018

زوجة السفير الروماني في لبنان ”لورا ميرسيا“:رومانيا ما زالت متمسكة بالعادات والتقاليد التي توارثتها منذ قرون!

بقلم وردية بطرس

 

تعد رومانيا من أكثر البلاد الأوروبية سحراً وجاذبية لما تمتلكه من كنوز ومواقع أثرية تجعلها فريدة من نوعها، ففي كل بقعة منها هناك شيء يذكّر بعبق التاريخ. ويرجع سبب تسمية رومانيا بهذا الاسم الى كونها <بلاد الرومان> حيث انها كانت في الماضي جزءاً لا يتجزأ من الامبراطورية الرومانية، كما ان شعب رومانيا هم السكان الوحيدون في أوروبا الشرقية الذين ترجع أصولهم ولغتهم الى الرومان الأصليين. ورومانيا لا تزال حتى اليوم تحافظ على العادات والتقاليد التي توارثتها منذ قرون وتحييها في المناسبات والاحتفالات الوطنية والدينية والأعراس.

ولنتعرف اكثر على العادات والتقاليد والتراث والثقافة في رومانيا كان لـ<الأفكار> حديث مع السيدة <لورا ميرسيا> زوجة السفير الروماني في لبنان <فيكتور ميرسيا> وهي الملحقة الثقافية في السفارة في دارة السفير في بعبدا، اذ عبّرت عن مدى حبها وسعادتها بالمجيء الى لبنان منذ أكثر من أربع سنوات ونصف السنة بحكم تعيين زوجها سفيراً لرومانيا في لبنان وتستهل حديثها قائلة:

– أحببت لبنان حتى قبل المجيء الى بلدكم الجميل، وعندما علمت اننا سننتقل الى لبنان بحكم تعيين زوجي سفيراً لرومانيا سررت جداً، لقد كنا سعداء لأننا سنأتي الى هنا لأنه سبق ان زرت البلد، وقد شعرت انني محظوظة جداً لأننا أتينا الى لبنان لأنه بلدي المفضل. لقد التقيت بزوجي في وزارة الخارجية منذ 22 سنة، وبالنسبة الي فإنني زوجة  السفير الروماني ولكنني ديبلوماسية أيضاً، اذ خلال عملي في وزارة الخارجية في <بوخارست> لطالما عملت في قسم الشرق الأوسط  في الوزارة، وأعرف عن بلدان المنطقة ولبنان هو بلدي المفضل، لهذا أعتبر نفسي محظوظة جداً كوني اقيم فيه… في الحقيقة شعرت بأنني أحب هذا البلد كثيراً يوماً بعد يوم لأننا تعرفنا الى اللبنانيين عن قرب، والناس هنا هم ثروة هذا البلد، اذ لا يمكن ان نقارن الشعب اللبناني مع اي شعب آخر لأنه شعب مضياف جداً ولديه غنى روحي، كما ان اللبنانيين مبدعون وأقوياء ويجدون الطرق للتعاطي مع كل شيء… مع الفرح والحزن والمشاكل والجمال.

تعريف اللبنانيين على الثقافة الرومانية!

ــ كزوجة للسفير الروماني كيف تعرّفين اللبنانيين على الثقافة الرومانية؟

– لبنان بلد يحب الثقافة، فعندما ننظم اي نشاط ثقافي يحضره جمهور كبير، والسبب أن للثقافة أهمية في لبنان، فعلى سبيل المثال: في اليوم الوطني لرومانيا ننظم كل سنة احتفالاً موسيقياً جميلاً مع أوركسترا <فيلهارمونية> لبنانية، ونأتي بعازفين منفردين من رومانيا، كما ان حوالى ثلث الموسيقيين في الأوركسترا هم عازفون رومانيون. وأذكر عندما أتينا الى لبنان في نهاية تشرين الأول (اكتوبر) 2013، نظمنا احتفالاً موسيقياً في <كنيسة مار يوسف>، وعندما رأيت الكنيسة تعج بالناس لم اصدق اذ كنت منبهرة لأنه لا تجدين ذلك في اي بلد في المنطقة. انني دائماً منبهرة بانفتاح اللبنانيين على الفنون والثقافة وثقافة الآخرين. وبالنسبة للعادات والتقاليد فإننا نشارك في المناسبات التي نمثل فيها بلدنا، مثلاً شاركنا في مهرجان عبيه في تموز (يوليو) الماضي اذ تعرف اللبنانيون على التقاليد الرومانية وعلى الرقص التقليدي.

 ــ بماذا تتميز الثقافة الرومانية؟

– لدى رومانيا ثقافة فريدة من نوعها فهي ضاربة الجذور في التاريخ والجغرافيا، وموقعها على خريطة أوروبا إذ تقع رومانيا في أوروبا الشرقية وهي تطل على البحر الأسود. ورومانيا قريبة جغرافياً جداً من لبنان إذ يتطلب ساعتين ونصف الساعة فقط من الطيران المباشر بين <بوخارست> وبيروت، وهناك على الأقل رحلتان مباشرتان في الأسبوع، وفي موسم الذروة نتوقع ان تكون لدينا رحلات يومية اذ نحن في المنطقة الزمنية نفسها.

وأضافت:

– نسمي رومانيا بلداً لاتينياً، ونتكلم اللغة الرومانية وهي اللغة اللاتينية الوحيدة في أوروبا الشرقية والوسطى. ومنذ الفي عام كانت رومانيا مأهولة بالـ<Dacians> او <الداسيين> الذين كانوا يعيشون في مملكة <داسيا>، وهو اسم قد يعرفه الناس لأنه العلامة التجارية لسيارة شعبية صُنعت في رومانيا منذ سنوات عدة: بالنسبة الى <داسيا> التاريخية، فقد تم غزوها بعد حروب دموية من قبل الرومان في العام 106 وتحولت الى مقاطعة رومانية، من ثم تعود أصول اللغة اللاتينية للغة الرومانية وبالطبع اسم البلد نفسه.

وعن تاريخ رومانيا تشرح:

– خلال العصور الوسطى عاش الرومانيون في ثلاث امارات: <ولاكيا>، <مولدوفا> و<ترانسيلفانيا>. وأصبح <Vlad III> أحد حكام <ولاكيا> في القرن الخامس عشر مشهوراً وذلك لأسباب قوية جداً، فقد كان يُعرف أيضاً باسم <فلاد المخوزق> لأنه اعتاد على معاقبة المجرمين والأعداء بصرامة، وربما كان هذا الاسلوب الدموي للعقاب قد أوحى <Bram Stoker> في العام 1897 لكتابة رواية <دراكولا>، ولكن بالنسبة الينا كرومانيين فنرى ان <فلاد> المخادع كان بطلاً… لقد توحدت كل من <ولاكيا> و<مولدوفا> و<ترانسيلفانيا> للمرة الأولى لسنة واحدة في العام 1600، ولاحقاً تم توحيد المحافظات الثلاث الكبيرة في 1 كانون الأول (ديسمبر) 1918، وهكذا نشأت ما نسميها <رومانيا العظمى>. هذا هو التاريخ الذي نحتفل به في يومنا الوطني، وهذا العام 2018 نحتفل بالذكرى المئوية لبلدنا.

واستطردت قائلة:

– يُذكر ان رومانيا شهدت بين الحربين العالميتين تطوراً رائعاً، وكانت العاصمة <بوخارست> تُعرف بـ<باريس> الصغيرة. وبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت رومانيا جمهورية اشتراكية استمرت حتى 22 كانون الأول (ديسمبر) 1989، وأصبحت رومانيا عضواً في الاتحاد الأوروبي في العام 2007.

وأضافت:

– بالنسبة للديانة فلدينا 18 مذهباً في بلادنا تماماً مثل لبنان، علماً ان الأكثرية الساحقة من الرومانيين هم من المسيحيين الأرثوذكس اذ يتبعها أكثر من 81 بالمئة، فيما هناك حوالى 4.3 بالمئة من الكاثوليك، ولدينا حوالى 0.3 بالمئة من المسلمين. تجدر الإشارة في هذاالصدد ان الدين مصدر مهم للكثير من الناس، لكنه لا يحدد بأي حال من الأحوال العلاقات بين الناس، فعلى سبيل المثال الرئيس الحالي المنتخب ديمقراطياً لرومانيا هو بروتستانت وعضو في <كنيسة انجيلية لوثرية> لا يزيد عدد أعضائها عن 5000 فرد في كل البلاد، بالاضافة الى كونه لديه عرق الماني اذ يشكلون 0.3 بالمئة من سكان رومانيا.

 

الكنائس والأديرة في رومانيا!

وعن هندسة الكنائس والأديرة في رومانيا تقول:

– لدى رومانيا تراث كنسي أثري، ولقد أُدرجت الأديرة في <بوكوفينا> في شمال البلاد على لائحة تراث <اليونيسكو> بأنها من أعظم المعالم الأثرية في العالم، اذ تم بناؤها منذ القرن الخامس عشر وهي فريدة من نوعها مثل الهندسة المعمارية واللوحات الخارجية. لقد بدأ الرسامون الرئيسيون في ذلك الوقت بالرسم داخل الكنائس، ورسموا قصص الكتاب المقدس على الجدران الخارجية مع الألوان الطبيعية التي قاومت خلال قرون عديدة الطقس القاسي. وواحد من هذه الأديرة هو دير <Voronet> ، وهناك أيضاً الكنائس المحصنة في <ترانسيلفانيا> التي بُنيت بين القرن 13 و16، ست منها هي أيضاً جزء من التراث العالمي لـ<اليونيسكو>.

 

التقاليد والعادات الرومانية!

ــ هلا حدثتنا عن العادات والتقاليد في رومانيا؟

– أحد أعظم ثروات رومانيا هي تقاليدها، والفنون التقليدية، والرقص، والنحت على الخشب، والسيراميك، والأزياء المطرزة، وزخرفة منازل البيوت، والسجاد اليدوي، والرموز المرسومة على الخشب او الزجاج، والموسيقى الفلكلورية. والثراء في الزي التقليدي هو أمر لا يُصدق، اذ كل منطقة لديها تقاليدها الخاصة، واسلوبها الخاص وألوانها.

وأضافت:

– وواحدة من المناطق الأكثر اثارة للاهتمام من حيث الأصالة اذ حافظت على تقاليدها سليمة قدر الامكان هي <Maramures> في شمال <ترانسيلفانيا> اذ ظلت تحافظ على الروح الشعبية الفنية، والمنازل التقليدية مع الأبواب الخشبية المنحوتة الكبيرة، والكنائس التي بُنيت من الخشب بالكامل والتي أضافت الجمال الطبيعي للمكان، وهناك يمكننا العثور على <Merry Cemetery> او <مقبرة ميري> الوحيدة في العالم في <سابانتا> في قرية صغيرة في <مارامورس>، اذ بدأ بها فنان محلي في العام 1935 حيث صنع خشب المقبرة أكبر قليلاً من أجل ان يُدون فيها بعض كلمات الوداع للأشخاص الذين غادروا هذه الدنيا ولكن بأسلوب فكاهي، كما بدأ بنحت الصلبان ورسمها بألوان غنية وجميلة: حمراء، زرقاء، خضراء حيث وصفت المرثية حياة المغادرين بالكثير من الفكاهة والخيال. وهكذا أصبحت مقبرة القرية التي لديها نظرة مرح متحفاً مفتوحاً فريداً يزوره السياح من جميع أنحاء العالم اذ انها مكان جميل ونادر. ولقد وقع الأمير <تشارلز> أمير <ويلز> في حب <ترانسيلفانيا>، والدليل على ذلك انه اشترى العديد من المنازل التقليدية في المنطقة ويقضي بعض الوقت هناك تقريباً كل عام، وأولاده ايضاً يأتون الى هناك.

وأردفت قائلة:

– إن معظم تقاليدنا ترتبط اما بالمناسبات الكبيرة في حياة الناس مثل الولادة، والزواج، والموت او المناسبات الدينية: عيد الفصح، عيد الميلاد، والسنة الجديدة. ويأتي عيد الفصح مع البيض الملون، فيما عيد الميلاد والسنة الجديدة يتميز بكمية هائلة من التراتيل المحددة لعيد الميلاد والسنة الجديدة، ويُستقبل الربيع بتقاليد جميلة تدعى <Martisor> وهي عبارة عن خيط أحمر وأبيض يضعه الناس كتقليد رائع ومميز، اذ يُحتفل به في كل أنحاء البلاد في الأول من آذار <مارس> اذ يقدم الرجال للنساء هذا الرمز الجميل، وفي المدرسة أيضاً يقدمها الفتيان للفتيات، ويقوم الناس بشرائه من الباعة الذين يتجولون في الشوارع… أما الأيقونات المطلية على الخشب او على الزجاج فهي أيضاً من التقاليد المميزة في رومانيا، اذ لقرون وقرون أظهر الناس حبهم لله وعبّروا عن ذلك في  رسم الأيقونات، ولقد قُدمت الرموز الأكثر قيمة من قبل الأثرياء للكنائس والأديرة، وحتى الآن فإن معظم المنازل الرومانية وبغض النظر عما اذا كان أصحابها فقراء، فلقد اعتادوا على تقديم ايقونة واحدة على الأقل، وتُوضع أساساً على الجدار الشرقي، وهكذا كانت الايقونة مكاناً خاصاً ليس فقط في الكنيسة ولكن أيضاً في الحياة اليومية، مما جعل الناس يشعرون بالقرب الى الله.

وأضافت:

– يحب الرومانيون ان يكونوا محاطين بأشياء جميلة، وهنا لا أتحدث عن هذه الأيام حيث من السهل جداً شراء كل شيء بل انني أتحدث عن الفترة الزمنية التي لم يكن فيها مراكز التسوق، فكانوا يصنعون أشياء جميلة، اذ كانوا اما يرسمون على السيراميك الذي يستخدمونه في المنازل او يصنعون سجاداً جميلاً او يقومون بالنقش على الخشب، كما كانوا يرتدون ملابس رائعة في المناسبات الخاصة، وهذا هو السبب انه لدينا الآن واحدة من أغلى وأجمل الملابس التقليدية في العالم. وهناك جزء من <ترانسيلفانيا> حيث عمد الناس الى تجميل أبواباً المداخل الخشبية المؤدية الى الساحات من خلال النحت، اذ صنعوا أبواباً أكبر وقاموا بنحتها بطريقة مبهرة، وان منظر المداخل الخشبية الكبيرة المنحوتة جميل مثل المتاحف المفتوحة في كل مكان.

وتابعت تقول:

– تعد رومانيا موطناً لفعاليات ثقافية دولية معروفة جداً مثل مهرجان <جورج انيسكو> وهو أهم مهرجان للموسيقى الكلاسيكية في أوروبا الشرقية والذي يعود الى العام 1958، كما ان مهرجان <ترانسلفانيا> السينمائي الدولي معروف جداً في صناعة السينما، ولدينا شخصيات مشهورة في كل مجال ومنهم <Angela Gheorghiu> (غنت <أنجيلا مرتين في مهرجان بعلبك)، <George Enescu>، <Constantin Brancusi>، <Mircea Eliae>، <Ionescu> و<Emil Cioran>.

ــ وماذا عن الطعام الروماني؟

– الطعام الروماني يحتوي على اللحوم لأن الشتاء بارد جداً في رومانيا، وبالتالي نستهلك الكثير من اللحوم والقليل من الخضار بعكس اللبنانيين الذين يستهلكون الخضار كثيرا، ولكن طبعاً نستخدم الخضار أيضاً، وبالنسبة للطعام التقليدي في رومانيا فنذكر البعض من المأكولات مثل: <Mamaliga>،  <Sarmale>، <Cozonac>، <Tocanita>، <Fasole cu Ciolan>.

 

العلاقات بين رومانيا ولبنان!

ــ ماذا عن العلاقات الديبلوماسية بين رومانيا ولبنان؟

– تعود العلاقات الديبلوماسية بين البلدين الى العام 1965 لكن العلاقات بين الشعب اللبناني والروماني أكبر بكثير، اذ هناك مصادر تبين انه كانت هناك علاقات بين اسلافنا منذ العصر الروماني. وفي الحقيقة لا يعرف إلا القلة من الناس ان الكتب المسيحية الأولى مع الأحرف العربية لاستخدام المسيحيين في سوريا ولبنان كانت قد طُبعت في دير <سناجوف> بالقرب من <بوخارست> في العام 1701 وفي <بوخارست> في العام 1702، وبعد ذلك تم التبرع بطباعة الحروف العربية الى دير في حلب، ثم وصل الى <دير البلمند>.

وأنهت السيدة <ميرسيا> حديثها قائلة:

– يسعدنا ان المناسبات الثقافية التي ننظمها في لبنان تحظى باهتمام الجمهور بشكل كبير، وهذا ما يميز لبنان اذ انه مكان ثقافي خصب للغاية، وان اللبنانيين شعب يحب الثقافة والانفتاح على ثقافة الآخرين.