20 November,2018

زوجة السفير الالماني في لبنان السيدة ”اناهيد هوت“:لا يزال الألمان يحافظون على العادات والتقاليد التي توارثوها منذ مئات السنين ويحييونها في الأعياد الدينية والاحتفالات!

 

بقلم وردية بطرس

تطورت الثقافة الالمانية من مؤثرات وتيارات متنوعة محلية وأوروبية، ونتج عن ذلك مزيج ثقافي يجمع مختلف العادات والتقاليد. وتُعرف المانيا بأنها أرض الشعراء والمفكرين والموسيقيين الذي يؤثرون بقوة في الثقافة العالمية. وتبرز مكونات الثقافة في المانيا من خلال مجموعة مكونات في مقدمتها اللغة الالمانية التي تعد واحدة من اللغات العالمية المشهورة، كما ان مشهدها الثقافي غني من النواحي العمرانية والهندسية حيث يوجد عدد كبير من الكاتدرائيات والقصور والمباني العامة التاريخية، وقد أدرجت منظمة <اليونيسكو> 39 معلماً المانياً في قائمة التراث العالمي.

ولدى المانيا تاريخ عميق اذ لعب الألمان دوراً رئيسياً في الماضي في أوروبا، ومن هذا العمق نبعت الثقافة الألمانية التي توشحت بالأعراف والتقاليد والعادات الجميلة والمناسبات والحكايات الشعبية. وبالرغم من ان الألمان شعب متمدن ومنفتح ويواكب التطور على جميع المستويات، الا انهم لا يزالون يحافظون على العادات والتقاليد التي توارثوها من مئات السنين ويحييونها في المناسبات والأعياد الدينية والاحتفالات على مدار السنة، اذ لكل مدينة احتفالاتها وتقاليدها، ولنتعرف أكثر على هذه العادات والتقاليد، وعلى الثقافة الالمانية، والموسيقى والفنون، كان لـ<الأفكار> لقاء وحديث مع السيدة أناهيد هوت (وهي أرمنية الأصل) زوجة السفير الالماني في لبنان السيد <مارتن هوت> ونسألها اولاً عن دراستها وتنقلها في البلدان بحكم عمل زوجها الديبلوماسي فتقول:

ــ لقد درست العلوم السياسية في <نيويورك> ونلت الماجستير، وانني في صدد انجاز الدكتوراه في علم الاجتماع السياسي. لقد عملت في أماكن عديدة، ولكن كما تعلمين كزوجة ديبلوماسي فإن العمل الذي أقوم به هو تطوعي، اذ كنت أقوم بأبحاث او ألقي المحاضرات، فعلى سبيل المثال ألقيت محاضرة في <الأنروا> عن تعريف كلمة اللاجئين، وعن وضع اللاجئين السوريين، وأيضاً ألقيت محاضرة في الجامعة اللبنانية الأميركية عن الهوية السياسية والهوية الثقافية، كما عملت في قسم الصحافة في الأمم المتحدة، وأيضاً مع منظمة حقوق الانسان في <نيويورك>. وانني قد تزوجت منذ 22 سنة اذ تعرفت الى زوجي عند بداية عمله الديبلوماسي حيث كان آنذاك في الملحق الثقافي في السفارة الالمانية في اليمن، ولقد تنقلنا ما بين ايران وجنيف وبرلين ومرات عدة في نيويورك، أما اقامتنا في لبنان فأتت فقبل تعيينه سفيراً لالمانيا في لبنان في العام 2015، وكنا قد اقمنا هنا ما بين العام 2003 و2006 اثر تعيين زوجي قائماً بالأعمال في السفارة الالمانية في لبنان، وطبعاً يقوم القائم بالأعمال بدور السفير. بالنسبة الي فأشعر بأنني في بلدي الثاني لأننا سبق ان أقمنا في لبنان وأمضينا كعائلة وقتاً ممتعاً من حياتنا… وأحب العيش في المجتمع اللبناني لأنه يحافظ على الترابط الاجتماعي، وتلتقي العائلات في المناسبات، وأيضاً يزور الأقارب والأصدقاء بعضهم البعض.

الترابط والعلاقات

بين لبنان والمانيا!

ــ ما أهمية العلاقات بين لبنان والمانيا؟

– المجتمع اللبناني يعرف الكثير عن المانيا على جميع الأصعدة، ونلمس اهتمام اللبنانيين بالمانيا خصوصاً خلال <المونديال>، اذ ترين العلم الألماني مرفرفاً في كل مكان في لبنان طيلة فترة <المونديال>، وطبعاً نفرح عندما نرى العلم الالماني يرفرف في مختلف المناطق اللبنانية، اذ قسم كبير من اللبنانيين يشجعون الفريق الالماني في <المونديال>، حتى اننا لمسنا انه لم يكن هناك حماس بعد خروج المانيا من <المونديال>… لقد أردت ان اتحدث أولاً عن هذا الجانب لأننا نفرح كألمان عندما نرى هذا الاهتمام بالمانيا، وأيضاً هناك ترابط وصداقة وعلاقات بين لبنان والمانيا حيث يهتم اللبنانيون بالصناعات والمنتوجات الالمانية، اذ يردد اللبنانيون دائماً بأن لهم ثقة كبيرة بالصناعات الالمانية، وهذا يفرحنا كثيراً، ذلك ان الصناعة الالمانية متميزة، فنذكر هنا على سبيل المثال <BASF> وهي شركة كيميائية المانية تصّنع الكيماويات والبلاستيك، وبالتالي هناك صناعات كبيرة في المانيا…

وتابعت قائلة:

– طبعاً للثقافة أهمية قصوى في المانيا، اذ لدى المانيا مفكرون وفلاسفة كثيرون، اذ انها معروفة بأنها بلد الشعراء والمفكرين. صحيح ان الصناعة والعلوم تحظيان بأهمية واهتمام كبيرين ولكن أيضاً هناك اهتمام بالمفكرين اذ لهم تأثير كبير على الحركات السياسية التي وجدت في العالم حتى منذ العصور الوسطى، ولدى المانيا مفكرون كبار مثل <غوته> و<كانت> و<نيتشه>، ومن العلماء نذكر <انشتاين> وأيضاً <غوتنبرغ> الذي اخترع أول آلة متحركة للطباعة، وبالتالي المانيا تولي اهتماماً كبيراً بالصناعة والثقافة والفكر على حد سواء.

 تأثير الثقافة الالمانية!

ــ وبماذا تتميز الثقافة الالمانية؟ وما مدى تأثيرها على الثقافة في العديد من الدول الأوروبية؟

– كما سبق وذكرت ان الثقافة في المانيا متأثرة بالشعراء والمفكرين، اذ ان الشعراء والمفكرين هم أساس الحركات السياسية التي حصلت في كل أوروبا وليس فقط في المانيا، كما هناك تأثير للموسيقيين ونذكر منهم <بيتهوفن> و«شتراوس> وهناك أسماء كبيرة أخرى في هذا المجال، وبما يتعلق بترجمة الكتاب المقدس للغة الالمانية فلقد أسس <مارتن لوثر> اللغة الالمانية الحديثة، وكان له تأثير كبير في أوروبا، واليوم لدينا الحركات الموسيقية التي ظهرت في الثمانينات مثل فرقة <Talking Modern> و<Scorpions> وحتى موسيقى <التكنو> في المانيا لها تأثير على أوروبا.

العادات والتقاليد الالمانية!

ــ ماذا عن العادات والتقاليد الالمانية؟ وهل لا يزال الالمان يحافظون عليها حتى يومنا هذا؟

– ان العادات الموروثة في المانيا مهمة جداً، فمثلاً في فترة عيد الميلاد الذي يحتفل به العالم، نحن نحتفل في المانيا بعيد <سان نيكولاس>، وتتمحور قصة <سان نيكولاس> عن توزيعه الهدايا على الفقراء، وحتى اليوم لا نزال نحتفل به في المانيا في كانون الأول (ديسمبر) اي قبل ان يُحتفل بعيد الميلاد في العالم، ومن ضمن العادات في هذا العيد ان الأولاد ينتظرون الهدايا التي تُوضع لهم في الكيس امام باب المنزل، اذ يقوم الأهل بوضع هدايا بسيطة في الكيس، اما لماذا هدايا بسيطة فالسبب أنه كما تعلمين في المانيا ظهرت الحركات الدينية مثل البروتستنات التي لم تكن تحبّذ البذخ والصرف، وهذا أثرّ على العادات الالمانية، كما أنه أثرّ على الألمان من حيث أنهم يخبأون قرشهم الأبيض ليومهم الأسود، ولغاية الآن تشتهر المانيا بأن الناس تتدخر أقله 10 بالمئة من مدخولهم جانباً.

واستطردت قائلة:

– بالنسبة لعيد الميلاد فيحتفل الالمان به ولكن طبعاً هناك عادات مختلفة لأنه في المانيا يأتون بالشجرة قبل يوم من الاحتفال بعيد الميلاد اي في 24 كانون الأول (ديسمبر)، وتُزين قبل يوم واحد من عيد الميلاد، فيجتمع افراد العائلة في 24 كانون الأول (ديسمبر) ويزينون الشجرة ويتبادلون الهدايا على مأدبة العشاء. وأكثر ما يُعد لوجبة العشاء في هذا العيد هو البط المشوي مع الصلصة، وهناك أناس يحبون تحضير المقانق اذ ان المانيا تشتهر بالمقانق، وطبعاً <الكرنفال> مهم جداً اذا انها عادة قديمة كانت تُمارس قبل المسيحية، ولكنها تأثرت بالمسيحية أيضاً اذ يُقام المرفع قبل الصوم الكبير، ويجول الناس في الشوارع وهم يرتدون ثياباً تنكرية وبألوان زاهية. كذلك يُقام مهرجان <روزن مونتاغ> اذ يقوم الألمان بقص <كرافاتات> الرجال في المكاتب، مثلاً اذا كان الرجل يرتدي <الكرافات> يقوم زملاؤه بقصها في هذا اليوم احتفالاً بمهرجان <روزن مونتاغ>، وهو تقليد يُقام في شهر شباط (فبراير). كما يحتفل الألمان بعيد الفصح، وأيضاً بعيد الصعود اذ انها عطلة رسمية في البلاد ذلك أن عيد الصعود هو عيد مهم في المانيا ويحتفل به كل الناس، اذاً هذا بالنسبة للأعياد الدينية.

الاحتفالات والمهرجانات!

 وعن الاحتفالات والزي التقليدي تقول السيدة هوت:

– طبعاً تحتفل المانيا بالعيد الوطني في تشرين الأول (اكتوبر)، وفي المانيا ليس هناك زي وطني موحد في كل أنحاء المانيا اذ يختلف اللباس من منطقة لأخرى. والزي التقليدي المشهور هو البنطلون الجلد، و<الديندل> الذي ترتديه السيدات وبشكل خاص في <بافاريا>، وطبعاً في المانيا هناك مصممو أزياء مشهورون جداً مثل <لاغرفيلد>، وهناك شركات المانية كبيرة مثل <هوغو بوس> و<اسكادا> التي تهتم بالألبسة والموضة، وعندما نتحدث عن عارضات الأزياء فلا يمكننا الا ان نذكر عارضة الأزياء المشهورة <كلوديا شيفر>. وطبعاً يحتفل الالمان بمهرجان <October Festival> الذي يُحتفل به في <بافاريا> على نطاق واسع، وطبعاً يُحتفل به ايضاً في مناطق أخرى في المانيا، ولكنه مشهور أكثر في مدينة <ميونخ> اذ يقصدها الناس من كل مكان للمشاركة في <مهرجان أكتوبر> الذي يشتهر بتقديم <غيدزل> او الخبز المدوّر، والبيرة، والمقانق. تجدر الاشارة هنا الى انه لدينا ترابط اجتماعي في المانيا، اذ يظن الناس ان الألمان هو شعب متحضر وصناعي، ولكنه في الوقت نفسه أيضاً شعب يحافظ على التقاليد والعادات ولديه ترابط اجتماعي بين العائلات سواء في الأرياف او حتى في المدن اذ ان العائلات تلتقي في مناسبات عديدة على مدار السنة. والألمان يلقون التحيات اينما وجدوا ويبدون احترامهم للجميع، اذ هناك تنوع كبير في المانيا. كما يحب الألمان المشاركة في الحفلات والاستمتاع بالموسيقى والأغاني. وعندما تتعرفين على الألمان تلمسين بأنهم يحبون الترابط العائلي والاجتماعي، وبالنسبة الي فإنني على علاقة جيدة مع جيراني منذ 22 سنة وحتى اليوم ولا نزال على تواصل.

الأطباق الالمانية الشهيرة!

ــ وماذا عن الأطباق الالمانية الشهيرة والتقليدية؟

– المانيا بلد كبير وتشتهر كل مدينة فيها بطبق او أكلة خاصة بها، مثلاً في الشمال وتحديداً <هامبورغ> فهي مشهورة بسمك <Herring> وهو نوع من <الفيليه> اللذيذ الطعم ويحضر كثيراً في <هامبورغ>، فيما يشتهر الجنوب بطبق <شبتزلي> وهو طبق من <النودلز> ويُضاف اليه الجبنة… كما ان المطبخ الالماني عصري وقد تأثر بالمطبخ التركي والعربي، فعلى سبيل المثال ان <الشاورما> مطلوبة في المانيا، وطبعاً المقانق تُستهلك كثيراً في المانيا، وأيضاً تشتهر المانيا بالخبز اذ هناك أكثر من 300 نوع، وتشتهر المانيا كذلك بالبيرة والنبيذ. ومن الحلويات المشهورة <Apfel Strudel> والتي يُطلق عليها <Apple Strudel> وهي حلوى شعبية عبارة عن مخبوزات بالزبدة محشوة بالتفاح ويُضاف اليها السكر، والقرفة، والزبيب وفتات الخبز. وهناك العديد من انواع الحلويات والكعك، ومن أشهر الحلويات كعكة <البلاك فورست> بالكرز، وهي عبارة عن طبقات من كيك الشوكولا الغني بالكرز والكريمة المخفوقة والتي يتم تزيينها بكمية من الكريما المخفوقة مع الكرز المسكّر والشوكولا المبشورة.

وبالسؤال عن النشاطات التي تُقام في لبنان لتعريف اللبنانيين على الثقافة الالمانية والتقاليد الالمانية تقول:

– نحن نتعامل مع معهد <غوته> في لبنان والذي يتعاون مع <مهرجانات البستان> اذ يأتون بموسيقيين من المانيا كل سنة لتعريف اللبنانيين على الموسيقى الالمانية. فمثلاً هذا العام قدمت فرقة موسيقية من <بافاريا> لتقديم حفلة بالزي التقليدي المشهور في <بافاريا> وقد أقيم الاحتفال في بيت مري، كما ندعو اللبنانيين للمشاركة في العيد الوطني الذي نقيمه في مقر اقامة السفير الالماني في لبنان اذ يُقدم الطعام الالماني، ونأتي بموسيقيين وعازفين المان فيستمتع اللبنانيون بسماع الموسيقى الكلاسيكية.

ــ وهل تستمعين لموسيقيين لبنانيين؟

– طبعاً أحب الاستماع لموسيقيين لبنانيين اذ احب أعمال الموسيقي زياد الرحباني، كما أحب أغاني فيروز وراغب علامة، كذلك أحب الزجل اللبناني. وكزوجة للسفير الالماني في لبنان احب ان أكون همزة وصل بين اللبنانيين والألمان لاسيما على مستوى الموسيقى والفنون والثقافة، ويسعدنا ان العلاقة بين البلدين متميزة ومتينة ونسعى دائماً لتمتين هذه العلاقات بشكل أكبر وأعمق في المستقبل، اذ نحب لبنان هذا البلد الجميل الذي يتميز بارثه الثقافي والحضاري وانفتاحه على الشعوب والحضارات.