20 September,2018

زنــوبــيـــــــــا أسـيــــــــــرة «داعـــــــــش » فـهـــــــل مـــــن يـحـــــــــرّرهـا؟

 

hisham-jaber3في قديم الزمان وسالف العصر والآوان، كان هناك في هذا الشرق مملكة اسمها <تدمر>، وكان على عرشها سيدة بارعة الجمال، فائقة الذكاء اسمها <زنوبيا>.

كانت <تدمر> او <PALMYRA> باللاتينية منارة يشع نورها في الشرق بأسره، اختارت سيدتها لها موقعاً في وسط البادية السورية، فكانت واحة غنّاء تؤمّها القوافل من الجهات الاربع، سواء كانت بغداد منطلقاً او كانت مقصداً، كذلك دمشق التي انضوت تحت رايتها ونعمت بخيرات عرشها.

مدينة قديمة قدم التاريخ وجد الباحثون فيها شواهد من العصر الحجري في الاكمات المجاورة للنبع والواحة، ترقى الى الالف السابع قبل ميلاد المسيح.

نافست مملكة تدمر امبراطورية روما، واصبحت تدمر عاصمة لمملكة من اهم ممالك الشرق، سميت في سوريا <عروس الصحراء> وكان معنى اسمها استناداً الى المخطوطات البابلية هو <البلد الذي لا يقهر> باللغة الآرامية، و<بلد المقاومين> باللغة العمورية.

ليس من امة اجتاحت هذا الشرق، إلا ومرت في تدمر. وكانت طريق <هولاكو> الرئيسية الى بغداد، وكذلك تيمورلنك، وقد الحقت بإمارة حلب ايام حكم سيف الدولة، تحدث عنها ابن بطوطة في كتاب رحلاته وذكرها الشعراء في قصائدهم.

تدمر التي تتميز بآثارها الرائعة التي تدل على عظمتها وتتكون من شوارع مرسومة ومرسمة تدل على عبقرية المهندسين في عصرها الذهبي. أعمدة شاهقة وبوابات عالية، ومعابد شاهدة ومسرح متقن، و<اكروبول> ومساكن وحانات ومساكن وقصور ومدافن لم يعبث بها اي من الفاتحين، كذلك القلعة لؤلؤة المدينة التي صمدت امام الاعاصير والفاتحين معاً. هذه هي تدمر.

سجنها الشهير الذي انشأه الفرنسيون ووسعه الاستقلاليون كان منفى لمن طالب بالاستقلال وفي عهده لمن طالب بالحرية. وقد استضاف السجن الكبير شخصيات بارزة في تاريخ سوريا وفيه قضى اللواء صلاح جديد والرئيس نور الدين الاتاسي في منتصف التسعينات بعد ربع قرن من السجن.

تدمر التي ذكرت باسمها الحالي في حوليات الملك الاشوري < تغلات بالاصّر>، وكذلك سلفه في الملك < شلمنصر>، اجتاحها تنظيم الدولة <داعش> في الاسبوع الماضي، لماذا؟ وماذا بعد؟

يقول الباحثون في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية ــ ونحن منهم ــ ان الموقع الاستراتيجي لهذه المدينة كنقطة وصل بين بادية الشام وأنبار العراق هو احد الاسباب الاساسية لشهوة تنظيم الدولة او طموح داعش. فبعدها تستطيع <داعش> الادعاء انها تسيطر على نصف سوريا وثلث العراق وان اختيار هذا التوقيت يأتي مع اقتراب شهر رمضان المبارك، إذ منذ ثلاثة اعوام ولنا مع التنظيم حكاية واعلان. فقد ولد التنظيم في رمضان 2012 وسقطت الموصل في رمضان الماضي، وكان التنظيم يرجِّح سقوط تدمر في رمضان الآتي، إلا انها سبقته الى موعده. لذا فإنه سيعلن في الشهر الفضيل حدود دولة الخلافة التي تفوق مساحتها مساحة بريطانيا كما تقول شبكة الـ<BBC>.

في تدمر حقول غاز ونفط وقد علمنا ان فيها كذلك مستودعات للسلاح والذخيرة….. ويشك المراقبون الذين يعترفون بأن الجيش السوري قاتل بضراوة للدفاع عنها بأنه تسنى له نقلها او سحبها او تدميرها.

رثاء تدمر يتواصل عبر وسائل التواصل، سبعون ألف تغريدة حتى هذه الساعة.

يقول البعض ان البشر اهم من الحجر. وهذا صحيح، إلا انه يعني ايضاً ان الحجر الشاهد على حضارات سادت ثم بادت مهم جداً ويهم العالم بأسره.

قبل اسبوع من وقوع الملكة زنوبيا في الأسر واقتيادها مقيدة بالسلاسل الى حضرة الامير الداعشي، ناشدنا على اكثر من فضائية عالمية العالم، و<بان كي مون>، وطائرات التحالف الدولي <العظيم> الذي يضم اكثر من 60 دولة التحرك ببضع غارات لتقليم أظافر <هولاكو> الجديد. فتحركت قوات Delta بغارة موفقة ناجحة، انما في مكان آخر، قتلت <ابو سياف> وزير النفط والتجارة الخارجية> في دولة داعش ، واعتقلت زوجته <أم سياف>…… مؤمنة بأن <أم سيّاف> اهم من <زنوبيا>. زنوبيا التي غنّت لها فيروز في مسرحية الرحباني التي تحمل اسمها، زنوبيا التي ادت دورها <رغدة> في مسرحية <العبابيد> لبسام الملاّ، والتي حملت صورتها قطع العملة السورية وطوابع البريد. تطوّق اليوم بالأغلال وترتدي الرداء الليموني وتشاهد جرف تراثها. كما في مدينة <النمرود> العراقية وتنتظر حكم الامير بإعدامها او بالزواج بها عنوةً، فهل تقبل؟ ام ستقول لا، تلك الـ<لا> التي هزت عرش روما. وتلك الاغلال التي كسرت بها عنجهية <اورليان> بدلاً من ان تكسر روحها ولن تمنحهم فرصة الشماتة.

 فهل من يحرّر الملكة قبل مواصلة الرثاء والبكاء؟

ونقول لمن يُعيب مواجهة داعش واخواتها في جرود البقاع: هل ننتظر وصول الغزاة الى اعمدة بعلبك….لنرثي ونبكي المدينتين معاً؟

نُعيبُ زماننا والعيبُ فينا/ ولو نطق الزمانُ إذن هجانا  <ابن الزيات الكلاعي>.

إنني حزين يا اخوتي، لكنني لا أحب البكاء ولا التباكي، واقول مع المتنبي:

إذا اشتبكتَ دموعٌ في خدودٍ/ تبيَّن من بكى، ممن تباكى.