20 November,2018

زمـــــــن افـتـقـــــــاد الـعـمـيـــــــد

بقلم سعيد غريب

Saad-kالذين غيّبوا ريمون إده عن أرضه وهو بعد حيّ فعّال إنما كانوا – وعلى تعدّد مشاربهم وتضارب مصالحهم – يريدون ألا تكون للبنان الرئاسة التي تنقذ استقلاله وديموقراطيته وسيادته من حروبهم ومعاصيها والمآسي. (غسان تويني)

اختار العميد ريمون إده المنفى الفرنسي في العام 1977 واستمر حتى وفاته في العاشر من أيار/ مايو عام 2000، وكل ما استطاع أن يفعله على مدى الأعوام الثلاثة والعشرين أنه استطاع أن يفرض رفع العلم اللبناني على مداخل الفنادق التي أمضى فيها بقية حياته في فرنسا ولاسيما فندق <كوين اليزابيت> في باريس وفندق <الصيف> في منطقة (Beaulieu)  جنوب فرنسا…

كنت أحرص على زيارته كلما سنحت لي فرصة الذهاب الى فرنسا لأغرف من مخزونه وأعيش، ولو من بعيد، الزمن الجميل الذي أغناه العميد بالنزاهة والنظافة والديموقراطية والشجاعة والنقد القاسي والأحكام الصائبة… كان النائب الوحيد بين زملائه الذي لم يتقدم من دوائر المجلس النيابي بفواتير الاستشفاء لاستعادة ما أنفقه.

<يا أخي أنا مسدّد كل شيء، في بيروت وغير بيروت، حراسة وكناسة وضريبة دخل…>.

<الله بحبني وحوّلت مصرياتي الى الفرنك الفرنسي عندما كان بثمانين قرشاً، وإلا كيف كنت بدي عيش هون بباريس… بعت معظم أملاكي وأعيش بكرامتي>…

عندما تسأله عن مصير لبنان يقول: <لا أعرف… هل أنت تعرف؟ الدول منصرفة الى مصالحها… لا أحد يهمه أمرنا…>.

<هذه البلاد ليست أجمل من لبنان. ولكن عندهم الأمن والإنسان. انظر، هذا يخت لبناني. كل ما استطعت أن أفعله أنني رفعت العلم اللبناني في الفندق>.

يضيف من دون أن أسأله: <انظر الى هذه الطائرة التي تشفط المياه من البحر لتطفئ حريقاً في المنطقة. كم من مرة طالبت بأن تمتلك دولتنا العلية ثلاث طائرات مماثلة… ولكن لا حياة لمن تنادي>.

لا ينتهي النقاش مع العميد إده. وهو نقاش كان يبدأ ولا ينتهي لأن عدم اليأس هو تصرف طبيعي للبقاء.

أين مشكلتنا؟ إنها مع <الخارج>، فلا أمل من أميركا، مع أنني لا أزال أعتقد أن <الخارج> يستطيع أن يعمل شيئاً للبنان لأن <الخارج> هو الذي أوصل لبنان الى وضعه الحالي. كان يسأل: ماذا سيكون مصير الأجيال اللبنانية الجديدة؟ <يا أخي لقد عسكروا مجتمعنا، حرام ما فعلوه بأولادنا>.. <بس لو سمعوا مني>..

ويتابع: بقيت وحيداً ضد اتفاق القاهرة، وطالبت بالبوليس الدولي.. ولكن لا حياة لمن تنادي.. قبيل معركة رئاسة الجمهورية التي لم تحصل في العام 1988، سئل العلامة السيد محمد حسين فضل الله: ما رأيك بالعميد رئيساً للجمهورية اللبنانية؟ فأجاب: <اسألوا الناس، الكبار والصغار، يقولون: العميد. أنا أؤمن بعفوية حب الشعب له وتفضيلهم إياه. كل الشعب يتكلم عنه، كأن كل فرد يعرفه شخصياً. من حظ لبنان إن تولى العميد <تظبيط> تركيبته…

العميد ريمون إده لم يكن يسعى وراء منصب على الرغم من انه كان المرشح الدائم والأوفر حظاً لرئاسة الجمهورية…

تخلى عن وزارة الداخلية في العام 1959 اعتراضاً على تعسف الحكم والتعرض للحريات، وعن أربع حقائب وزارية ليلة رأس السنة عام 1968 اثر الاعتداء الاسرائيلي على مطار بيروت، وتدمير ثلاث عشرة طائرة تابعة لطيران الشرق الأوسط…

الاستقالة منذ ذلك الحين أصبحت نادرة، والتخلي عن المنصب قوة لا يمتلكها إلا الرجال… وفي هذه الواقعة خير تعبير!

في العام 1966 وعلى اثر انهيار بنك <انترا>، امتثلت حكومة الرئيس عبد الله اليافي أمام المجلس النيابي المنتخب في العام 1964 للمساءلة والمحاسبة، وتولى الرئيس اليافي المرافعة مشدداً على ان حكومته تعمل ليل نهار لمعالجة ذيول هذه الكارثة التي حلت بوطننا…

طلب النائب أديب الفرزلي الكلام وقال لرئيس الحكومة: كنا نود يا دولة الرئيس لو وصلتم الليل بالنهار للحؤول دون وقوع هذه الكارثة. أما وقد وقعت، فلا لزوم بعد لمزيد من الكلام.

أيها الزملاء، انظروا الى هذه الحكومة انها ليست على مستوى الاستقالة. نعم، الاستقالة أحياناً من شيم الرجال، وليس كل الرجال يستقيلون… فعلها العميد، واستمر معارضاً مدى حياته، وكان الجميع يخشى من ان يطالهم تصريح من تصريحاته اللاذعة التي تسمي الأمور باسمها.

كان رجل مبادئ من الدرجة الأولى مع الحليف ضد العدو ومع المبادئ ضد الحليف..

نزل الى الشارع وأزال بيديه متاريس ثورة العام 1958، وهدم الدكاكين المعمرة على أملاك الغير، واخترع <الفرقة 16>.

أنجز قانون السرية المصرفية، جالباً الرساميل العربية الى بيروت. قدّم قانون الإثراء غير المشروع الذي يعرف بقانون <من أين لك هذا؟> وبقيت المشكلة في تطبيقه. طرح مشروعاً عصرياً للقانون الانتخابي ولم يؤخذ به.

خطؤه الوحيد ربما، انه بقي عازباً، وهو كان يردد: <لو تزوجت وصار عندي أسرة، ربما ساعد ذلك على التمسك بالحياة والحفاظ عليها والاستمرار فيها، وان مريضاً، لأن ثمة من يكون الى جانبك وتريد الاستمرار في الحياة معه ومن أجله>.

لماذا لم يكتب العميد مذكراته ورحل حاملاً أسراره الشخصية والسياسية؟ حاول الأستاذ غسان تويني ثنيه ولم يوفق. كان يردد عبارة فرنسية حفظها عن والده الرئيس إميل إده: <Il n’y a que les cons qui écrivent leurs mémos> <وحدهم الأغبياء يكتبون مذكراتهم>.

قد يكون على حق، ولكن الأكيد ان مواقف العميد ريمون إده وأقواله ستبقى دساتير يعود الى بنودها كل من عمل بالسياسة والأكيد أيضاً أن الديموقراطية يحلو الحديث عنها عندما تكون مقرونة بالعميد إده.

رحم الله العميد ريمون إده وأطال عمر ميشال إده وما يحمله من مخزون العائلة ولبنان، وكان بعون كارلوس.