16 October,2018

زعــامـــــــات الأمـــــــــس: عــــــــداوة فـــــــي الــشـــــــارع وصــلـــــــــح فــــــي الــكــوالــيــــــــس!

بقلم وليد عوض

زمان رئاسة المحامي كميل شمعون كانت الصورة ساطعة!

فريق الرئيس كميل شمعون كان يتمترس في قصر القنطاري، على بعد أربعين متراً من مبنى مجلس الوزراء في السراي الحكومي، وكتلة المعارضة باسم جبهة الاتحاد الوطني كانت تتخذ مجلساً في مبنى لآل صحناوي يضم مكاتب النائب المحامي رينيه معوّض، والوجيه أنطون صحناوي، ويتصدر منبرها الرئيس صبري حمادة، والرئيس صائب سلام والرئيس عبد الله اليافي، والشيخ اميل الخوري المرشح الرئاسي يومئذ. ويتقاذف الفريقان التصريحات الصحافية مثلما يتم تبادل القذائف..

وكان قرب مسافة المبنى الذي تتجمع فيه المعارضة من القصر الجمهوري يشعل من هذه المعركة، بعدما وقعت جريمة اغتيال وزير المال محمد العبود أمام باب القصر الجمهوري في محلة القنطاري، وزاد سعير الحملات الصحافية التي كان يشنها الصحافي الراحل نسيب المتني في جريدة <التلغراف> وأخوه توفيق المتني في جريدة <الطيار> وصاحب <الديار> حنا غصن وصاحب جريدة <البلاغ> محمد الباقر، فيما كانت جريدة <الجريدة> تراعي التوازن بقلم نصري المعلوف وابن عمه رشدي المعلوف وجبران الحايك والصحافي باسم الجسر.

ومن كان يصدّق بأن العداوة والبغضاء يمكن أن تتحولا الى… ود؟! في أي بال كان يخطر أن يلتقي الرئيس كميل شمعون وخصمه اللدود الرئيس صائب سلام في فندق <فاندوم> ليتفقا على ترشيح سليمان فرنجية لرئاسة البلاد؟!

لقد خرج كميل شمعون من قصر القنطاري ليتموضع داخل دارته في دير القمر، ويتجمع حوله المحيط المسيحي، ويظهر في صورة مرسومة بالألوان لسيدة التل مريم العذراء وفي حضنها الرئيس كميل شمعون. حالة سياسية كانت تزيد التوتر، بعد اغتيال نسيب المتني المحسوب على المعارضة، أي حتى في حوادث الاغتيال كان هناك توازن بين الموالاة والمعارضة.

وذلك الظرف من الزمان كان حضناً لزعامة المعارضة، بقيادة الرئيس صائب سلام رئيس الجبهة الوطنية، وكان حرق حافلات الترامواي دواراً بحيث ان الرئيس صائب سلام يطل من شرفة منزله في المصيطبة ويقول للتظاهرة التي أطلت عليه ان حافلات الترامواي ليست ملكاً لكميل شمعون وحزب الوطنيين الأحرار بل هي ملك الشعب الذي دفع ثمن انشائها، وإحراقها كما يجري الآن احراق لميزانية البلاد!

كان هــــــذا الكلام يناقض ما درج عليــــه الزعمـــاء، موالين ومعارضين، ولــــو دخــــلت الى قلوبهــــم لاكتشفت انهــــم ينزعــــون جميعــــاً الى السلام الأهلــــي ولا يضمـــــرون الشـــر لأحـــد، برغم المظاهر المسلحة.

سامي الصلح

وحكاية بيروت

كان الرئيس صائب سلام هو معبود المرحلة، وكان الرئيس سامي الصلح هو رئيس الوزراء المنبوذ، وقد شعر الرجل بهذه العزلة فتوجه الى إذاعة لبنان، وقام بتلاوة بعض الآيات القرآنية محاولة لإعادة الجسور بينه وبين الناس الذين انقلبوا عليه، وقد حرص على أن ينزل الى سوق الجملة قرب سينما <أوبرا>، ويتحدث مع من أراد أن يتحدث إليه، ويجول في سوق الصاغة وسوق اللحامين وسوق سرسق، في محاولة لإفهام الناس انه مغلوب على أمره وان رئيس الوزراء موصول برئيس الجمهورية حتى إشعار آخر.

وكان الإشعار الآخر خطاب للرئيس سامي الصلح في مجلس النواب يحاول أن يسترضي الناقمين، ويفتح معهم صفحة جديدة من العلاقات.

وبلغ من نقمة الناقمين أن أقدموا على إحراق منزل رئيس الوزراء في برج أبي حيدر، وان كان الذي تولى صب الزيت على النار في دارة سامي الصلح هو واحد من أبناء عين المريسة من آل سعوّد كان في مقدمة الذين روجوا للمرشح سامي الصلح ضد رئيس حزب النجادة عدنان الحكيم سنة 1964. وقد وسع عدنان الحكيم بيكاره الشعبي لدرجة انه تعذر عليه الوفاء بالوعود التي قطعها، رغم اخلاصه الوطني.

واشتهر عن عدنان الحكيم بعد فوزه في انتخابات بيروت عن عين المريسة عام 1960 مع المحامي محسن سليم وفريد جبران، انه حين التقى الرئيس فؤاد شهاب في قصر صربا وكرر أمامه شعاره الانتخابي <نص بنص> أي نصف المقاعد النيابية للمسيحيين، ونصفه الآخر للمسلمين وعجز الرئيس شهاب عن اقناعه بالتروي، لم يملك الرئيس شهاب إلا أن يتوجه الى نافذة الغرفة ويردد وهو ينظر الى السماء:

ــ أشهد أن لا إله إلا الله..

وهنا قال له عدنان الحكيم:

ــ مبروك لقد رجعت الى أصلك.

ويقصد عدنان الحكيم بذلك أن آل شهاب كانوا في البداية من المسلمين، وان عائلة شهاب في عين المريسة موصولة بعائلة ذلك الزمان..

وقد سمي الرئيس صائب سلام يومئذ بالزعيم الذي لا يحترق ولا يغرق. وكان من بوادره الجريئة أنه قطع الطريق بين المصيطبة والأشرفية وسط معاقل المحاربين من حزبي الكتائب والأحرار في حرب السنتين ليلتقي صديقه القديم وعدوه السياسي الشيخ بيار الجميّل زعيم حزب الكتائب الذي كان أيام الشباب قد خاض وإياه معارك الملاكمة.. وليس من زعيم مسلم بقادر على أن يجتاح المحاور ويمر بين مقاتلي <الكتائب> و<الأحرار> غير الرئيس صائب سلام الذي كان يمتلك من الجرأة ما عز على أنصاره أن يقولوا <لا>!

وقد ختم الرئيس كميل شمعون حياته السياسية ببادرتين من الأهمية بمكان: الأولى حين اجتمع بالرئيس صائب سلام خصمه السياسي العنيد، في فندق <فاندوم> عام 1970 وقال له بالحرف:

ــ في عملية جمع الأصوات اكتشفنا ان سليمان فرنجية يستطيع أن يزيد عليك فيها، اعتماداً على نواب الشمال، ونواب جبهة الاتحاد الوطني، ورأيي أن تنسحب من المعركة، وتنتخب سليمان فرنجية..

وهكذا كان..

وتدل كل هذه المبادرات على ان رئيس الوزراء المسلم قادر على أن يتقرب من المسيحيين، ويحصل على رأيهم الايجابي في العمل السياسي.

أما البادرة الشمعونية الثانية فكانت خلال استشفائه في مستشفى <أوتيل ديو> عندما طلب من الوزير جوزف الهاشم أن يذهب الى الرئيس رشيد كرامي ويقول له ان كميل شمعون يوافق على مبدأ <النص بنص> في مجلس النواب ومجلس الوزراء كما كان عدنان الحكيم ينادي..

وكانت هذه المبادرة الشمعونية أساساً لاتفاق الطائف!

أي العدو السياسي تحول الى… صديق كما شاءت الإرادة الوطنية، أي ان كميل شمعون وصائب سلام قد ختما حياتهما الوطنية بالصلح الوطني.

وربما تلك هي ميزة كميل شمعون عند المسيحيين وميزة صائب سلام عند المسلمين!