17 December,2018

زعامة ”إيمانويل ماكرون“ الدولية بيد إيران وروسيا والصين!

 

بقلم خالد عوض

macron

إنه زمن الرئيس الفرنسي <إيمانويل ماكرون>! الرجل يُدخل فرنسا لأول مرة منذ أكثر من سبعين سنة في صنع القرار الدولي وحتى الأميركي.

لا يمكن الحسم أن الرئيس الفرنسي <أقنع> نظيره الأميركي خلال زيارته الأخيرة للبيت الأبيض بتجديد الموافقة الأميركية على الإتفاق النووي مع إيران في ايار (مايو) المقبل، ولكن <ماكرون> خلق ديناميكية جديدة في السياسة الدولية، مصدرها أوروبي وبالتحديد فرنسي، لم تكن موجودة منذ زمن طويل. فرنسا هي ١٥ مرة أضعف عسكرياً من الولايات المتحدة وسبع مرات أصغر إقتصاديا وخمس مرات أقل سكاناً، ولكن قدرة الرئيس الفرنسي على فهم شخصية <ترامب> تؤكد أولاً أن <ماكرون> درس نظيره جيدا جدا، وثانيا أن الأفكار التي طرحها ليست بعيدة عن المنظومة الإستراتيجية الأميركية التي لا يعبّر عنها بالضرورة الرئيس الأميركي. حتى في موضوع سوريا أخذ <ماكرون> من <ترامب> قرار البقاء هناك حتى إشعار آخر وهذا يتماشى تماماً مع توجه <البنتاغون>. بعض الصحافة في فرنسا يطلق على <ماكرون> القابا سخرية مثل <نابليون> القرن الواحد والعشرين أو <لويس الرابع عشر> الملك الشمس نظراً لعناده في قراراته والذي يوصف بأنه يصل إلى حد الغطرسة، ولكن الأكيد هو أن الرئيس الشاب يدرس ملفاته ويحضر لها بعمق ولا ينطلق بأي مبادرة من دون أن يكون قد محص بها. طريقة دفاعه عن قراراته الإقتصادية في بلده تدل على ذلك وزيارته الأخيرة لبيت <ترامب> تؤكده. الرئيس الفرنسي نسق زيارته جيدا مع المستشارة الألمانية <انجيلا ميركل> قبل أسبوع من زيارته الأميركية، وكان قد أمضى وقتا غير قليل مع الرئيس الأميركي السابق <باراك اوباما> في <قصر الإليزيه> في 2 كانون الأول (ديسمبر) الماضي لدى زيارة الأخير لـ<باريس>.

فرنسا أولا… عبر الوسطية العالمية؟

 

عندما قصد الصين للقاء الرئيس الصيني <شي جين بينغ> في كانون الثاني (يناير) من هذا العام توجه <ماكرون> إليه بلغة الـ<مندارين> وقال له <لنجعل كوكب الأرض عظيما من جديد> (Rang Diqiu Zaici Weida) ردا على شعار <ترامب> الإنتخابي <لنجعل أميركا عظيمة من جديد>… ولكن كما قال <ماكرون> نفسه منذ أيام لشبكة <فوكس نيوز> الأميركية، هو يسعى إلى جعل فرنسا عظيمة من جديد. هذا الشعار أصبح ربما مستهلكاً لأنه يستخدم أينما كان، ولكنه في الحقيقة جوهر إستراتيجية أي دولة جدية في تحسين مستقبل شعبها. الإختلاف بين الدول لتحقيق ذلك هو عبر أية وسائل وبأية طريقة. بالنسبة للرئيس الفرنسي التكتيك للوصول لذلك يتوضح، فهو يقوم أولاً بنسج علاقات شخصية جيدة مع زعماء العالم ويسعى من خلالها إلى التأثير على قراراتهم لجعلها أكثر وسطية، وهذا هو صلب نظريته السياسية الداخلية التي مكنته من الإطاحة باليمين واليسار في فرنسا وغيّر بها المشهد السياسي الفرنسي لعقود مقبلة، فهل ينجح <ماكرون> في فرض ديناميته الوسطية التي أوصلته إلى الرئاسة الفرنسية على زعماء العالم فيعيد فرنسا بقوة إلى سدة القرار الدولي ويستفيد من ذلك بدور إقتصادي أكبر لبلاده؟

hariri

بشائر اقتصادية تعزز حضور <ماكرون> الدولي

 

حتى ينجح الرئيس الفرنسي في الخارج يجب عليه أولاً أن يحقق نجاحات في الداخل، فهو لن يكسب الصدقية الدولية إذا كان اقتصاده يعاني وشعبه غير راض. الإقتصاد الفرنسي حقق عام ٢٠١٧ أعلى نمو منذ ٢٠١١ وصل إلى ١,٩ بالمئة وهو متجه إلى مستوى ٢ بالمئة أيضاً هذه السنة وربما أكثر. عام ٢٠١٧ أيضا ولأول مرة في التاريخ سبقت فرنسا إقتصاديا بريطانيا وأصبحت خامس أكبر قوة إقتصادية عالمية بعد الولايات المتحدة والصين واليابان وألمانيا. الكثيرون من منتقدي الرئيس الفرنسي يردون ذلك إلى سياسات سلفه <هولاند> التي بدأت تعطي نتائجها الآن وإلى تراجع الإقتصاد البريطاني بسبب <البركزيت> وأن الظروف هي التي تساعد <ماكرون>… ولكن لا يمكن إنكار أن وصوله إلى الرئاسة في أيار (مايو) الماضي خلق زخما إستثنائياً لدى الشركات الفرنسية وأعطى شحنة من الأمل للشباب الفرنسي لم يكن موجودا منذ مدة طويلة… سموه زخم الشباب أو دينامية الأفكار الوسطية الجديدة إلا أنه من الواضح أن <إيمانويل ماكرون> يطبق شعاره <إلى الأمام> (EN Marche) – والذي تحول إلى إسم حزبه الجديد في فرنسا <الجمهورية إلى الأمام> – على العالم كله.

 

الكرة في الملعب الشرقي

وحتى يصبح <ماكرون> الزعيم الدولي الذي يطمح إليه فلن تكفيه قبلات <ترامب> أو ابتسامات <أنجيلا ميركيل>. ما يهم اليوم هو طريقة تلقي إيران وروسيا لزيارة الرئيس الفرنسي للبيت الأبيض. أولاً الكل يريد أن يتأكد أن الوصول إلى إتفاق مع فرنسا يعني ضمنا موافقة أميركية عليه وإلا فلا جدوى من الأخذ جديا بكلام <ماكرون>… هل حصل على وكالة من الأميركيين للتفاوض مع الروس والإيرانيين؟ هل سيدعمه الرئيس الصيني في هذا المسار؟ الجواب سيتضح في الأسابيع المقبلة وفي كيفية تعاطي الشرق مع الرئيس الفرنسي الشاب الذي يؤسس لمدرسة دبلوماسية دولية جديدة على المستوى العالمي اسمها الدبلوماسية الإقتصادية الأممية.

حبذا لو يتعلم رؤساء العرب اليوم من <ماكرون> بعض جوانب هذه الدبلوماسية التي ليست مرتبطة نهائيا بحجم الدولة التي تقودها، وإن كان هناك مثال لبناني لهذه الدبلوماسية فهو الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي كان عرابها في التسعينات وقد عرف كيف يربط لبنان والعرب بالعالم كله من خلالها.