20 November,2018

ريـتـــــا والـيــــــاس وهـيـكــــــل رحـمـنــــــــا الله وأطــــــــال عـمـركـــــــم

بقلم سعيد غريب

SAM_5208مرة جديدة يقع الإعلام في الخطأ القاتل ويسقط النقل المباشر في الخطيئة المميتة، المميتة مرتين للضحايا ومرات لذويهم وأحبائهم وسائر الناس الواقعة تحت تأثير الصدمة والموت، والتي أضحت تخاف مرتين في لبنان، في المرة الأولى عند وقوع الكارثة، وفي المرة الثانية بعد وقوعها… نناشد الطارئين على مهنة المتاعب من موقع الخبرة الطويلة والباع الطويل، ارحموا الضحايا وذويهم وارحمونا نحن المواطنين في بيوتنا وراعوا الشعور العام بممارسة ثقافة السكوت أو قلة الكلام ساعة يجب السكوت ووقت يتطلّب الأمر قلة الكلام، لأن السكوت في معظم الأحيان أبلغ من الكلام، ولأن قلة الكلام تشكل قمة التهذيب واللياقة وقمة التعبير وقمة الحضارة الإنسانية…

نناشدهم ممارسة الرسالة الإعلامية النبيلة ومراقبة زملاء لهم في الدول المتحضرة كيف يتعاملون مع الأزمات الكبرى والكوارث الكبرى والمآسي الكبرى، والانتباه الى هذا الإعلام الديموقراطي الراقي كيف يتعاطى مع الموت ويحترم الموتى.. متى يكبّر الصورة ومتى يصغّرها ومتى يحجبها، ماذا يقول ولماذا يسكت، نناشدهم مراجعة أرشيف التلفزة الأميركية والفرنسية وكيف تمّت عمليات النقل المباشر اثناء الهجمات الإرهابية على نيويورك وباريس بعيداً من الجثث والدماء، والتدقيق جيداً في العبارات التي وردت على ألسن المراسلين بعيداً من هاجس الـ(Raiting) والمنافسة بين المحطات.

لن نسأل المرجعيات، كل المرجعيات الإعلامية والسياسية والدينية، ماذا ستفعل، بل نسأل الإعلاميين أنفسهم، وهم أنفسهم يشتكون من هذه العلة، علّة <السكوب> الموجود أصلاً في مكان آخر: ماذا ستفعلون، بل ماذا تستطيعون أن تفعلوا؟

هل يمكن مثلاً أن يحدد رؤساؤكم ثمناً غالياً لكل دقيقة بث مباشر ويلزموا البعض منكم على مراجعة الجغرافيا والتاريخ والعلوم الإنسانية؟

فهل يُعقل أن نسمع إصراراً على إطلاق تسمية <نهر> البوسفور على خليج مهم في الجغرافيا ملأ التاريخ أخباراً وأحداثاً؟!

إن مجزرة اسطنبول كشفت عورة المهنة والبُعد الاخلاقي في التغطية الى حد الضياع الكامل في ملابسات المجزرة وأبعادها وتنفيذها…

وكشفت من جديد أن بعض المصورين غير قادرين على الانتباه الى أشياء أخرى وفي مقدمها الكرامة الإنسانية وهم ينقلون مشاهد توجع الروح وتستجوب المفجوع، فيما تتنقل كاميراتهم من فوق الجثث الى دولاب الطائرة أو بوابة المطار أو فتحة الباب!

الأسئلة كثيرة، ولا أجوبة..

من يضمن كرامة الإنسان في حياته ومماته؟

من يحمي الضحايا من هجمة الكاميرات ومعها السياسيون؟

أين المرجعيات؟ أين المجلس الوطني للإعلام؟ أين وأين؟

ومتى سيعاد النظر في قانون المرئي والمسموع وكيف؟

ومرة أخرى يُطرح السؤال الأساسي وهو: ما هي حرية الإعلام؟ وما هي حدود هذه الحرية؟ وما هي إساءة استعمال هذه الحرية؟ وما هو حسن استعمال هذه الحرية؟

وبقدر ما تأخذ الكلمة المرئية والمسموعة مداها في اتجاه أن تكون الأخبار هي مفتاح الفهم، بقدر ما تصبح تلك الكلمة السلاح الأساسي في يد اللبناني، الحاكم والمواطن، يستعمله للارتفاع الى مستوى اتخاذ القرارات المصيرية التي يواجهها وطننا في هذا العصر المعقّد بالمشاكل.

وبقدر ما تأخذ الكلمة مداها الأوسع والأشمل في لبنان وعبره في المنطقة، يستطيع الإنسان اللبناني، الحاكم والمواطن، الارتفاع الى مستوى احتمال المشاكل والمتاعب بالكلمة المطلوبة.

إنه زمن الإفلاس والانحطاط، زمن التغييرات الهدّامة، زمن منع الناس من الصلاة والفرح، الصلاة في الكنائس والجوامع والفرح في الملاهي.

دعوا رجاء أهالي الياس وريتا وهيكل يحزنون ويبكون ويصلون… ولا تدعوا دموعهم تُكَفكف عندما تلتصق بكاميراتكم.