26 September,2018

رياح التجديد السياسي العالمي تهب من فرنسا والمملكة العربية السعودية!

 

بقلم خالد عوض

محمد-بن-سلمان

هناك ظاهرة اليوم في العالم اسمها <إيمانويل ماكرون> الرئيس الفرنسي الشاب الذي لم يبلغ ٤٠ عامًا والذي جاء إلى السياسة الفرنسية من عالم الأعمال منذ ثلاث سنوات فقط.

في البداية ساد الاعتقاد أن حظوظه الرئاسية معدومة أمام الحزبين الفرنسيين الكبيرين، اليمين واليسار، اللذين تناوبا على رأس السلطة في فرنسا منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، ثم فاز فوق الجميع في الدورة الأولى بـ23 بالمئة من أصوات الناخبين.

في الدورة الثانية، حصل <ماكرون> على ٦٥ بالمئة. الجميع برر فوزه الكبير بأنه حصل على أصوات كل الذين كانوا ضد <مارين لوبين> رئيسة حزب <الجبهة الوطنية> اليميني المتطرف. وأجمع المعلقون السياسيون أن الناس لم تنتخبه هو بقدر ما انتخبت ضد أفكار <لوبين> التي شتتت حملتها بعدة حروب، واحدة ضد الهجرة وأخرى ضد أوروبا وثالثة ضد <اليورو>.

ثم جاء الإمتحان الثالث. الكل توقع ألا يستطيع <ماكرون> وحزبه الحديث <الجمهورية إلى الأمام> والذي لم يمض على انشائه إلا سنة ونيف، أن يحقق أكثرية برلمانية، وأن الرئيس سيضطر إلى الحكم بـ<المساكنة> مع اليمين التقليدي.

منذ أيام اكتسح حزب <ماكرون> الجديد الانتخابات التشريعية وحصل على أكثرية مريحة تطلق يدي الرئيس في الحكم. كانت النتيجة هي التأكيد النهائي أن <ماكرون> لم ينجح بلعبة الحظ وأن لديه أكثر من ذلك بكثير.

حتى ألمانيا التي لم تكترث في السابق الى أي من الأفكار الفرنسية المتعلقة بتوحيد ميزانية أوروبا أو بإنشاء وزارة مالية أوروبية، رضخت لطلب <ماكرون> وفتحت باب التفاوض حول هذين الأمرين.

ما هو سر هذا الشاب الذي قلب فرنسا رأساً على عقب وها هو يبدأ التغيير في أوروبا؟ لم يكن في برنامجه الرئاسي أي شيء استثنائي. بالعكس كانت آراؤه مبهمة إلى حد كبير حتى إنه اتهم بتبني الشيء ونقيضه وبأنه يحاول أن يستميل الجميع بمواقف وسطية تفتقد الحسم. هذا ما يؤكد أن التيار القوي الذي أسسه <ماكرون> لم يبايعه لأفكاره فهي كانت عادية. استطاع <ماكرون> كسب عقول وقلوب الناس لأنه رسم معالم التغيير بكل وضوح ولم يجعله شعاراً فارغاً. <الماكرونية> تؤمن بأن التغيير في الأداء الحكومي وبالتالي النتائج يتطلب تغييراً جذرياً في الوزراء والنواب، أي بالوسائل، اذ لا يمكن تحقيق التغيير بالأشخاص أنفسهم الذين حكموا خلال سنوات طويلة وأوصلوا فرنسا إلى 1200x768_emmanuel-macron-apres-victoire-donne-premier-discours-depuis-gq-15e-arrondissement-paris-7-mai-2017 أسوأ حقبة إقتصادية في تاريخها الحديث.

جاء <ماكرون> بحكومته الأولى من ١٨ وزيراً ليس فيها إلا ثلاثة عملوا في السياسة قبل ذلك، وفيها تسع نساء أي نصف عدد الوزراء. في الانتخابات التشريعية جاء حزب <ماكرون> بأكثر من نصف نوابه الفائزين أي حوالى ١٦٠ نائباً من دون أي خبرة سياسية سابقة، كما وصلت نسبة النساء في المجلس النيابي الجديد إلى ٣٩ بالمئة وهي أعلى نسبة في تاريخ فرنسا.

خلال حملته الانتخابية سئل المرشح الرئاسي <ماكرون> عن اسلوبه في الحكم فأجاب: <أنا لن أدير تفاصيل الحكم بل دوري الأهم هو إختيار الناس الذين سيحكمون>.

لا شك أن التجديد وحده لا يكفي. فالعبرة لكل هذا الدم الجديد الذي ضخه <ماكرون> في السلطتين التنفيذية والتشريعية في فرنسا، ستكون بالممارسة. ولكن إذا نجح أصغر رئيس في تاريخ فرنسا منذ <نابوليون> عام ١٨٤٨ في نقل بلده إقتصادياً وسياسياً إلى الأمام، فإنه سيحدث زلزالاً مدوياً تتعدى ارتداداته الحدود الفرنسية وحتى الأوروبية، لأنه يكون قد رسم بوضوح خريطة طريق التغيير الحقيقي بالفعل وليس بالقول، والتي تبدأ بتجديد الدم السياسي.

على رأس جدول <ماكرون> في الأسابيع المقبلة، تأتي الإصلاحات العمالية وهدفها التحرر من الفكر <الإضرابي> الذي تفرضه النقابات الفرنسية. همه ليس قمع النقابات بل تعزيز الانتاجية الفرنسية لأنها هي نقطة الإنطلاق. الرجل يفهم تماماً أن نجاحه إقتصادياً يبدأ من تعزيز الانتاجية الفردية والجماعية عن طريق تحرير قوانين العمل مع الحفاظ الكامل على الضوابط الاجتماعية لها. هذا سيكون أول تحد جدي أمام قدرة الرئيس الفرنسي على التغيير في الأساس بعدما نال علامة كاملة في التغيير في الشكل.

لماذا يشكل <ماكرون> ظاهرة اليوم؟ العالم يشهد تقدماً تكنولوجياً فائض السرعة، وكل المفاهيم الإقتصادية والاجتماعية تتغير. هذا يستلزم مواكبة سياسية غير تقليدية وهيكلية في العمل الحكومي مختلفة. تبدو فرنسا بقيادة <ماكرون> البلد الوحيد في العالم الذي استعد لذلك وجاء بعدة العمل المناسبة لمواكبة الثورة التكنولوجية التي نشهدها، فالطاقة الشبابية الموجودة في فرنسا اليوم، تشريعياً وتنفيذياً، لا بد وأن تحسن موقع فرنسا الإقتصادي والمالي في العالم لأنها الأقدر على فهم التغيير العميق الذي تحدثه التكنولوجيا في كل شيء.

مع صدور الأمر الملكي بتعيين الأمير محمد بن سلمان، إبن الإثني وثلاثين عاماً، ولياً للعهد تبدو المملكة العربية السعودية وكأنها تلقفت الإشارات المهمة للـ<ماكرونية السياسية> الآتية من فرنسا، وها هي تستعد أيضاً لمرحلة تغييرية تاريخية. أمام ولي العهد السعودي اليوم مسؤولية، وفرصة كبيرة في اختيار المجموعة الشبابية التي ستواكبه لنقل المملكة إلى مصاف اقتصادي عالمي متقدم جداً، ولتحقيق رؤية المملكة لعام ٢٠٣٠ من دون التفريط بالتقاليد الاجتماعية والثقافية.

عيون العالم اليوم شاخصة إلى فرنسا والسعودية والدم الشبابي في القيادة فيهما، لأن نجاحه هناك يعني تعميم التجربة في دول كثيرة في العالم.