15 July,2020

روكز جمع شمل العسكريين المتقاعدين مكرساً تباعده السياسي عن "التيار الحر"!

العميد المتقاعد جورج نادر

 خلال فترة “الحراك الشعبي” الذي بدأ في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، برزت ظاهرة العسكريين المتقاعدين الذين انضموا الى “الانتفاضة” بعدما كانوا يشكلون وحدهم حالة قائمة لكنها غيرموحدة أجمعت على رفض المساس بحقوق العسكريين الذين هم في الخدمة الفعلية، وأولئك الذين أحيلوا الى التقاعد. كان تحرك هؤلاء العسكريين المتقاعدين يلقى تعاطفاً شعبياً لافتاً لاسيما وأن من بينهم أسماء ضباط أبلوا البلاء الحسن خلال حياتهم العسكرية وكانت لهم صولات وجولات في الجبهات اللبنانية كافة. ومع دخول “الثورة” أسابيعها الأولى، سعى العسكريون المتقاعدون الى تمييز أنفسهم عن بعض الدعوات التي برزت من خلال تحرك المتظاهرين وأعمال الشغب التي قام بها مندسون في صفوفهم، إضافة الى الهتافات التي كانت تتردد وتنال من كرامة كبار المسؤولين ولاسيما رئيس الجمهورية. في تلك الأيام، انقسم المتقاعدون بين من أيد استمرار الحراك الشعبي، وبين من آثر “النضال” عبر أساليب أخرى. إلا أن التحركات التي رافقت أعمال شغب سرعان ما فرزت المواقف، فغاب العسكريون عن هذه التجمعات لكنهم ظلوا يتحركون كلما دعت الحاجة، باستقلالية بعيداً عن “الثوار” و”المنتفضين” الآخرين. وعندما انتشر وباء “كورونا” والتزم الجميع المنازل وافتقدت الشوارع والساحات لهتاف “الثوار”، التزم العسكريون أيضاً منازلهم في انتظار أن يصبح وباء “كورونا” في خبر كان، فيعاودون إذ ذاك تحركهم دفاعاً عن حقوقهم لاسيما في ما خص بنود التقاعد الذي يخشى العسكريون أن يعاد النظر بها وفق ما يسمعون في إطار الخطة الاصلاحية المالية والاقتصادية.

 إلا أن بقاء العسكريين في منازلهم لم يحل دون استمرار الاتصالات في ما بينهم حيث اتضح للكثيرين منهم أن “في الاتحاد قوة”، وأن لا بد من توحيد عمل العسكريين بدل التشرذم جماعات جماعات، الأمر الذي يجعل كلمتهم مسموعة أكثر عندما تكون مواقفهم واحدة. وعلى هذا الأساس تواصل النائب شامل روكز، وهو عميد متقاعد في الجيش، مع “رفاقه” الضباط المتقاعدين من مختلف المناطق والتقوا ليعلنوا ولادة الوحدة بين المتقاعدين. وكان النائب روكز مهد لهذه الخطوة بمؤتمر صحافي تحدث فيه عن “الثورة” محدداً أهدافها داعياً الى الانخراط بها من جديد وفق معطيات جديدة تأخذ في الاعتبار ما حصل منذ 17 تشرين الأول (أكتوبر) حتى تفشي وباء “كورونا”، لرسم إطار جديد للتحرك من أجل تحقيق أهداف الانتفاضة الشعبية الواسعة التي خبت لفترة لكن القيمين عليها يؤكدون أنها عائدة ما إن تنحسر مفاعيل “كورونا” وتخف درجة التعبئة العامة.

خطة تحرك جديدة!

النائب شامل روكز

 في اللقاء الذي جمع النائب روكز مع رفاقه الضباط في مكتبه وضع المجتمعون خطة تحرك جديدة بهدف التنسيق، ووقعوا وثيقة تنص على مبادئ الثورة الأساسية ومنها “استقلالية القضاء التامة عن كل السلطات، ومحاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة لإعادة تكوين السلطة وفق قانون انتخابي جديد يعتبر لبنان دائرة انتخابية واحدة مع النسبية. واعتبر العسكريون المتقاعدون ان ما أعلنه النائب روكزخلال مؤتمره الصحافي “يمثل الثوار”، الأمر الذي استوجب الاتفاق على تنسيق بين العسكريين الذين يعتبرون انهم خدموا عشرات السنوات وعرّضوا أنفسهم للخطر وكان هدفهم ولا يزال الحصول على وطن لا على مزرعة!

 وفسّر العميد المتقاعد جورج نادر خطوة توحيد عمل العسكريين المتقاعدين بالتنسيق مع النائب روكز على انه خطوة ايجابية لاسيما وأن روكز لا يسعى الى تمثيل “الثورة” التي لا يمثلها في الواقع أحد، والتعاون معه أمر بديهي لاسيما وأن مواقفه كانت داعمة للتحرك الشعبي وهو قاطع كل جلسات مجلس النواب وخياراته واضحة رغم ارتباطه العائلي، لافتاً الى ان “الثورة آتية من دون جميل أحد أو دعوته، وتحديداً ثورة الجوع التي سيعجز أي كان عن ملاحقتها وضبطها ما عدا الله”!

ارتباط عائلي فقط ببعبدا!

 وفيما يتوقع أن يحقق إطار التوافق بين العسكريين المتقاعدين انضمام المزيد منهم، بدا أن خطوة روكز بجمع العسكريين وتوحيد شملهم برعاية مباشرة منه طرحت علامات استفهام كثيرة حول طبيعة العلاقة التي باتت قائمة بين العميد المتقاعد من جهة، ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون من جهة أخرى انطلاقاً من كونه صهر الرئيس المتزوج من كريمته السيدة كلودين عون روكز رئيسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية. علماً أن النائب روكز كان انسحب من “تكتل لبنان القوي” برئاسة الوزير السابق النائب جبران باسيل مورداً سلسلة ملاحظات حول أداء باسيل على المستويين الوطني والحزبي، ولم يعد يشارك في اجتماعات “التكتل” ولا في نشاطات “التيار الوطني الحر” في كل المناطق اللبنانية ولاسيما في منطقة كسروان التي يمثلها نيابياً. وعلى رغم أن روكز يفصل بين صلة القربى مع الرئيس عون وبين نشاطه السياسي وخياراته الوطنية، فإن الأوساط السياسية اعتبرت خطوة روكز بجمع شمل العسكريين المتقاعدين وتوحيد صفوفهم ودعم مطالبهم، خطوة ثانية في مسيرة البعد عن “التيار الوطني الحر” الذي لا ينتمي إليه أصلاً، وعن رئيسه باسيل خصوصاً، أما العلاقة مع الرئيس عون فلها إطارها العائلي الذي يتمسك به روكز ويرفض اقامة أي رابط يمكن أن يُفسر بأن ثمة خلافات عائلية اختلطت بالسياسة وصارت خلافات عائلية ــ سياسية.   إلا أن لروكز تساؤلات عدة حول أداء النائب باسيل الذي يعتبر انه أوصل “التيار الوطني الحر” الى وضع لا يُحسد عليه، فضلاً عن انقطاع شبه تام لعلاقة التيار مع المكونات السياسية اللبنانية. فعلى الصعيد المسيحي بات هناك تباعد وربما أكثر بين “التيار” وكل من “القوات اللبنانية” وحزب الكتائب، وحزب الكتلة الوطنية، وتيار “المردة”. وعلى الصعيد الاسلامي هناك شبه قطيعة سياسية بين “التيار” والمكونات السنية بدءاً بتيار “المستقبل” ورئيسه الرئيس سعد الحريري، وصولاً الى الأحزاب الاسلامية المعتدلة منها والمتطرفة.   فيما تبدو العلاقة بين باسيل والشيعة، جيدة مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وحذرة مع الرئيس نبيه بري على رغم الاشارات الايجابية التي سُجلت مؤخراً وترجمت بالاتفاق على صيغة موحدة لمشروع قانون “كابيتال كونترول”. أما درزياً فالعلاقة جيدة بين باسيل والنائب طلال ارسلان، لكنها باهتة مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وفريقه. وعليه يسعى النائب روكز الى توحيد العسكريين المتقاعدين ليتمكن من خلالهم من تحقيق التغيير المطلوب بعدما تعذر عليه ذلك من خلال “تكتل لبنان القوي”!