18 July,2018

روسيا تريد أن تكون ”شريكة“ في الحل وفي ضمان استقرار لبنان ووحدة أبنائه!

 

الحريري زاسيبكينإذا كانت الأحداث التي مرّ بها لبنان خلال الأسابيع الماضية منذ إعلان رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري استقالته، ثم تريّثه في تقديمها بناء على رغبة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، قد أضاءت على دور فرنسي مباشر في تسهيل خروج الرئيس الحريري من الرياض الى باريس وقبرص ثم بيروت، فإن ثمة من أغفل عن قصد أو غير قصد، الدور الذي لعبته وسوف تلعبه موسكو في إطار المساعدة على تجديد <التسوية> التي يتم العمل على إحيائها من جديد كمدخل طبيعي لإعادة الأمور الى ما كانت عليه قبل 4 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. وفي هذا الإطار تتحدث مصادر ديبلوماسية متابعة عن الدور الذي قام به السفير الروسي في بيروت <ألكسندر زاسبكين> في تهيئة الأجواء المناسبة في موسكو لدفعها الى أن تكون طرفاً فاعلاً في التحضير للحل، ومن ثم في العمل على إرسائه. وفي هذا السياق، تشير المصادر الى أن السفير الروسي <زاسبكين> الذي يعتبر <مقلاً> في الحديث عن تحركاته ولقاءاته إلا عند الضرورة والذي بات يملك خبرة واسعة في الملف اللبناني بكل تشعباته، <استنفر> نفسه منذ بداية الأزمة وتحرك في أكثر من اتجاه انطلاقاً من رغبة بلاده في أن تكون على تماس مباشر، ليس فقط بما يجري في سوريا حيث الخبراء الروس يلعبون دوراً أساسياً في توجيه الضربات التي تم تسديدها للتنظيمات الإرهابية، بل كذلك في دول الجوار ومن ضمنها لبنان.

واستناداً الى المعطيات المتوافرة، فإن موسكو كانت <يقظة> – على حد تعبير المصادر الديبلوماسية نفسها – في مقاربة الملف الذي فُتح بعد إعلان الرئيس الحريري عن استقالته من الرياض، فتحركت بفعالية داخل <مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان>، بالتزامن مع تحركها في اتجاه عدد من الدول الصديقة لروسيا، والقادرة على لعب دور معين.

ويرى مطلعون أن المواقف التي صدرت عن أعضاء المجموعة، منفردين ومجتمعين، تم تنسيقها – بمتابعة روسية دقيقة ترجمها السفير <زاسبكين> في مواقف صدرت على نحو غير مسبوق، ركزت في المعلن منها على ضرورة احترام سيادة لبنان واستقلاله وسلامة أراضيه، وفي غير المعلن منها على سلامة الرئيس الحريري وضرورة عودته الى بلاده معززاً مكرّماً. وساهمت مداخلات السفير <زاسبكين> في التخفيف من حدة أعضاء آخرين في المجموعة <طحشوا>، لاسيما وان ما حصل شكّل مناسبة ذهبية لتقول موسكو كلمتها بحيث تكون مسموعة وفاعلة.

عناوين الموقف الروسي

وفي تقدير الأوساط الديبلوماسية نفسها، فإن الموقف الروسي تلخص بالآتي:

– حرص على عدم المساس بالاستقرار في لبنان من خلال المحافظة على الهدوء وتمكين القوى المسلحة الشرعية من القيام بدورها، وهذا ما تحقق فعلياً على الأرض.

– إبلاغ من يجب إبلاغه مباشرة أو مداورة، بضرورة عودة الرئيس الحريري الى بيروت ومتابعته مهامه الحكومية من دون أي تردد. صحيح أن موسكو لم تستعمل التوصيف الذي استعمله الأميركيون في معرض حديثهم عن أن الرئيس الحريري <شريك> أساسي مع الولايات المتحدة وبالتالي لن يكون من المقبول <تحجيم> دوره أو تعطيله، غير ان الصحيح أيضاً أن للرئيس الحريري – كما كان لوالده الشهيد رفيق الحريري – حضوراً مهماً لدى القيادة الروسية تجلى خصوصاً قبل أيام قليلة من انتقاله الى الرياض والبقاء فيها، بزيارة رسمية قام بها لموسكو حيث التقى الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> وكبار المسؤولين. فضلاً عن <تحريك> المطالبة بعودة الرئيس الحريري سالماً آمناً لا سلطة وصاية عليه، ووصل الأمر الى حد التعميم على وسائل الإعلام الروسية إعطاء حيز من اخبارها بهدف تغطية المسار السياسي الذي نشأ عن الغياب القسري لرئيس الحكومة.

– تزامناً، كانت الديبلوماسية الروسية تتحرك في بيروت لإقناع من يجب إقناعه، بأن موسكو الى جانب الرئيس الحريري في <محنته> ليس من باب انساني فحسب، بل كذلك من باب الحرص على التوازن في التركيبة اللبنانية التي شكّل الرئيس الحريري احدى قواعدها الأساسية. ذلك أن روسيا التي تدخّلت في الحرب السورية لمنع سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، هدفت من خلال هذا التدخل الى المحافظة على التنوع داخل سوريا ايضاً، فكيف الحال بالنسبة الى لبنان حيث يلعب التوازن الدور الأبرز في المحافظة على دور لبنان في محيطه والعالم؟! أما التحرّك الخارجي للقيادة الروسية، فكان على خطين متوازيين: الأول مع فرنسا التي ساعدت معنوياً ولوجستياً في تأمين مغادرة الرئيس الحريري الرياض، والثاني في اتجاه ايران، حليفتها في محور الممانعة، من أجل المساهمة في إزالة الأسباب التي يمكن أن يتذرع بها الآخرون من أجل إبقاء وضع الرئيس الحريري ملتبساً خلال وجوده في الرياض.

– اعتقاد القيادة الروسية أن انتهاء الحرب في سوريا أو وضع الحل على السكة، كفيلان بالتخفيف من الضغط على لبنان لجهة استمرار المطالبة بعدم تدخل مقاتلي حزب الله في هذه الحرب وإعادتهم الى لبنان. لذلك نشط الروس في خلال قمة <سوتشي> مع الرئيس التركي <رجب طيب أردوغان> والرئيس الايراني حسن روحاني، لإطلاق آلية عمل لتحقيق السلام في سوريا، ولو على تدرج بعيداً عن <الروتين> الذي تحفل به مهمة المبعوث الدولي <ستيفان دي ميستورا>. وفي هذا السياق، ثمة من رأى في التحرك الروسي رسائل مباشرة في اتجاه إرساء قواعد الحل في سوريا بمعزل عن التحرك الذي تقوم به مجموعة من الدول تحت رعاية الأمم المتحدة.

مواقف تتلاءم مع <توجهات> المستقبل

 

– بروز قناعة لدى الروس بأن <محور الممانعة> خرج منتصراً من الحروب السورية والعراقية واليمنية، وبالتالي فإنه يفترض <استثمار> هذا النصر في الحلول السياسية المرتقبة، وبالتالي فإن أي غلطة في هذا الاتجاه يمكن أن تكون لها مضاعفات متعددة، تدفع بروسيا الى اتخاذ مواقف قد لا تأتلف مع المناخات الإيجابية التي لاحت بوادرها. واعتبرت مصادر روسية في بيروت أن التأخير الذي يمكن أن يحصل لن يحد من الرغبة الروسية في المشاركة بأي حل يُطبخ خارج الإطار الجغرافي للدول التي تشهد قتالاً.

– تشدّد القيادة الروسية بأن الأولوية في حربها الى جانب النظام السوري، لا تعطي حصرية للملف اللبناني بأي طرف من الأطراف الفاعلين، بل هو نواة تواصل دائم لمطاردة الإرهاب بعد إنجاز ما كان مطلوباً منها على الأرض وفي الجو والبحر على حد سواء. وفي هذا الإطار نُقل عن السفير <زاسبكين> قوله بأنه لو ربحت الفصائل المناهضة للنظام في سوريا الحرب، فإن تمدد التنظيمات الإرهابية في اتجاه لبنان لكان من النتائج الطبيعية، ما كان عرّض الوضع الداخلي اللبناني لهزات إضافية تسقط الاستقرار الذي نعم به لبنان على رغم جواره المشتعل، وبالتالي فإن منع التمدد الإرهابي كان من الاولويات للمشاركة الروسية في الحرب.

وسط هذه المناخات، تبلور المشهد المطلوب لبنانياً من روسيا وهو الذي عبّر عنه الرئيس الحريري خلال لقائه مع السفير <زاسبكين>، وهو أن تعمل موسكو على تسهيل الوصول الى تفاهمات حول النقاط العالقة، ومن بينها – إن لم يكن أبرزها – إقناع حزب الله وغيره من أحزاب <الممانعة>، بأن قواعد الحل تتطلب تعاوناً إيجابياً من الجميع، وتوسيع <التعاون> الروسي في اتجاه الجمهورية الاسلامية الايرانية المعنية بشكل أو بآخر بالازمة اللبنانية من خلال امتدادها للجوار السوري، وتأثيرها في مسألة استقالة الرئيس الحريري وعودته عنها. وفي هذا السياق، قالت المصادر الديبلوماسية إن روسيا بدت جاهزة للعب هذا الدور الذي يعطيها <حق الشفعة> كونها باتت شريكة حقيقية في مواجهة الإرهاب من جهة، وفي المساعدة على حفظ استقرار لبنان من جهة ثانية.

وتحدثت المصادر الديبلوماسية عن <مرونة> يمكن أن تبرز لدى الجانب الايراني لأن الرغبة هي في <أكل العنب وليس قتل الناطور>.

وأشارت المصادر نفسها الى أن موسكو عازمة على تقليل عديدها في سوريا، وكل القوى المعنية بالوضع في لبنان تحذو حذوها، لاسيما وأن المظلة الدولية التي حُكي عنها بدأت تتحقق تدريجاً… وهذا الأهم، وعندما تكتمل عناصر التسوية ستكون المجموعات المقاتلة في صفوف الحزب قد عادت الى لبنان وزال مع هذه العودة أحد أبرز الاعتراضات والحملات الإعلامية ضد حزب الله.