20 September,2018

روايـــتــــــــــــــــــــــــــــان  

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

في المحطة هذا الأسبوع روايتان: الأولى سردها السيد حسن عباس زكي وزير المالية في عهد الرئيس جمال عبد الناصر يقول فيها: انه عندما كنت رئيساً لـ<بنك مصر> اتصل بي ذات مرة سامي شرف سكرتير عبد الناصر وطلب مني الحضور لمقابلة الرئيس. ذهبت وأنا أرتعش وقلت لنفسي: لماذا يطلب الرئيس عبد الناصر مقابلتي شخصياً؟! وعندما دخلت عليه وهي المرة الأولى التي أقابله في حياتي وجدت في عينيه بريقاً لم أره في حياتي لدى أي إنسان. وقال لي: <إجلس يا حسن..>، فجلست وقلت له: <خير يا ريس>… فقال لي: <خير يا حسن>. ثم سألني: <إذا أراد موظف كبير في الدولة أن يحصل على قرض من البنك، إيه هي الإجراءات؟>. فقلت له: <يا ريس مين ده الموظف اللي سيادتك جايبني هنا وبتوصي عليه شخصياً، أكيد شخص يهمك؟!>. ففوجئت به يقول: <أنا…>، قلت له: <سيادتك يا ريس؟> فقال لي: <أيوه، مش أنا موظف في الدولة وباخد 500 جنيه مرتب>.. أجبته: <حاضر يا ريس>، وحسبت له القرض، <طلع 7200 جنيه>، فقال لي: <بس أنا عاوز 10.000 جنيه علشان هاجوز بنتي وفي أشياء أخرى تحتاجها عائلتي…>، فقلت له: <ممكن لما يبقى الشخص مضموناً نرفع مبلغ القرض، وسيادتك رئيس الجمهورية>.

وطلبت من جمال عبد الناصر صورة البطاقة العائلية واستمارة طلب قرض موقع منه. فأمر الرئيس بإحضار المطلوب من السكرتارية ثم وقع على استمارة الطلب شخصياً. فأخذت الأوراق وانصرفت. وذهبت الى البنك، وفي اليوم التالي وعند الظهر كانت الفلوس جاهزة وتوجهت بها لمكتب سامي شرف. جلست لحظات في مكتبه فوجدت المشير عبد الحكيم عامر متوجهاً نحوي ثم قال لي: <حسن زكي؟ بتعمل ايه هنا؟> فاضطررت أن أخبره بما جرى… فهاج عامر وقال لي: <ناصر يستلف؟! ده أنا عندي في الجيش ميزانية مفتوحة أعطيه منها ما يريد>.

ثم دخل عامر لمقابلة الرئيس وأنا أراقب ما سيسفر عنه لقاؤهما، فوجدت عبد الناصر ينظر من فتحة الباب ويشير إليّ قائلاً: <تعال يا حسن>.. دخلت وأعطيته المبلغ وأخذ مني استمارة استلام الأوراق النقدية ووقّع عليها وسط ذهول عبد الحكيم عامر. وانصرفت بعدما شكرني كثيراً.

يضيف حسن: <تخيّلوا رئيس الجمهورية يستلف مبلغاً علشان يجهّز عفش بنته، وتحت يديه أموال الدولة كلها>!.

هذا، وبعد حوالى شهرين على الواقعة، عيّن الرئيس عبد الناصر حسن زكي وزيراً للمالية بعدما قال له: <إنت ممتاز يا حسن، وقد سمعت عنك كل خير، وأنا مبسوط منك وكوّنت انطباعاً أنك إنسان جاد ومخلص وشايف شغلك… وأنا عاوز واحد شايف شغله علشان يضبط لي الميزانية>…

<فعلاً، لقد حققت في أول سنة عملت فيها وزيراً للمالية فائضاً في الميزانية بلغ 35 مليون جنيه، وكان مبلغاً كبيراً في ذلك الوقت>..

أما الرواية الثانية، فهي لمن يريد معرفة معنى السياسة وأوساخها وانحرافها عن مفهومها الحقيقي.

حصل أحد اليهود الروس على تصريح مغادرة للإقامة في فلسطين المحتلة، وأثناء تفتيش حقائبه في مطار موسكو عثر مفتشو الجمارك على تمثال للزعيم <لينين> بين الثياب، سأله أحدهم: <ما هذا؟>.

أجابه اليهودي: <صيغة سؤالك خطأ أيها الرفيق، كان الأجدر أن تسأل: من هذا؟.

هذا <لينين> الذي أرسى دعائم الشيوعية وجلب الخير للشعب الروسي، وأنا من جهتي وتخليداً لذكراه المباركة، اصطحبته معي لآخذ البركة>.

تأثر المفتش الروسي وقال له: <حسناً تفضل بالمرور>.

وفي مطار <تل أبيب>، رأى موظف التفتيش التمثال وسأله: <ما هذا؟> ليجيب اليهودي قائلاً: <سؤالك خطأ يا سيدي، كان يجب عليك أن تسأل: من هذا؟ هذا <لينين>، المجرم الذي تركت روسيا بسببه، أصطحبه معي لأنظر الى وجهه كل يوم واكيل له اللعنات في كل وقت وحين>.

تأثر المفتش وقال له: <حسناً يمكنك المرور>.

ذهب اليهودي ووضع التمثال في زاوية إحدى الغرف، وسأله أحد أولاد أخيه: <من هذا؟>، أجابه اليهودي: <يا صغيري، سؤالك هذا خطأ، كان يجب عليك أن تسأل: ما هذا؟، هذا عشرة كيلوغرامات من الذهب الخالص عيار 24، أدخلته من دون جمارك ولا ضرائب>.

خلاصة القول إن السياسة هي المقدرة على شرح الشيء ذاته للشعب بأساليب مختلفة بحسب وضعه وجعله يقتنع في كل مرة!

وفي النهاية، لا بد من ثلاث ملاحظات:

الملاحظة الأولى: ان لدى لبنان فرصة قد لا تتكرر مع رئيس تاريخه حافل بنظافة الكف والزهد.

والملاحظة الثانية: ان يستعيد شعب لبنان رونقه ويمنع الافرقاء من احتكار لبنان لأنفسهم، ويقرأ جيداً تاريخ لبنان والعالم لكي لا يمسح النوافذ بالجرائد ويقرأ الأخبار بالفنجان.

أما الثالثة، فهي من وحي الرواية الأولى في محطة اليوم… لقد أجريت مقابلة تلفزيونية مع سامي شرف قبل عشرين عاماً في أحد فنادق بيروت، ولم يبقَ في ذهني إلا سؤال واحد وجواب واحد… السؤال: <انت أمضيت مع عبد الناصر أكثر من خمسة عشر عاماً، هل تعرف لون عينيه؟>، أجاب مذهولاً وبعد تفكير سريع: <لا…>.