22 October,2017

رعاية سعودية للاعتدال والوسطية ونبذ التطرّف وسعي لجمع شمل ”البيت السني“ ووقف المواجهات!

 

 

saed-w-sabhanأكثر من هدف حققته زيارة وزير الدولة لشؤون الخليج العربي في الحكومة السعودية ثامر السبهان للبنان الأسبوع الماضي، وهو المكلف بالملف اللبناني منذ تقاعد السفير السعودي السابق علي عواض عسيري قبل أشهر. ولعل الأيام الستة التي أمضاها الوزير السبهان في الربوع اللبنانية كانت كافية ليس فقط للقاء كبار المسؤولين والسياسيين، ولعقد اجتماعات أعلن عن بعضها وبقي البعض الآخر منها بعيداً عن الأضواء، بل كذلك لإيصال الرسائل التي حملها الوزير الشاب الذي بدا في لقاءاته على إلمام كبير بالتفاصيل اللبنانية المتعددة الوجوه، وكذلك ملماً بـ<الأساليب الخاصة> الواجب اتباعها في إيصال الرسائل التي شاءت القيادة السعودية أن تصل الى القيادات اللبنانية.

المطلعون على أجواء محادثات الوزير السبهان على تنوّعها، أكدوا أن السعودية عادت للاهتمام بالشأن اللبناني بعد الصفحة الجديدة التي فتحتها زيارة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون للرياض أوائل الشهر الماضي وتم خلالها التجاوب مع ما أثاره الرئيس اللبناني مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، لجهة تعيين سفير جديد، وزيادة عدد الرحلات الجوية للطيران السعودي، وتمكين المواطنين السعوديين من المجيء الى لبنان في رحلات سياحية ومهنية بعد إزالة <النصيحة> بعدم زيارة لبنان. ويضيف هؤلاء المطلعون أن هذا الاهتمام السعودي المتجدد لا يقتصر على النقاط التي تتعلق بالعلاقات الرسمية فحسب، بل يتعداها الى متابعة سعودية قريبة للملفات اللبنانية الدقيقة والتي كانت الرياض قد ابتعدت عنها في الماضي نتيجة الظروف السياسية التي مرّ بها لبنان والشغور الرئاسي الذي امتد على عامين ونصف العام. ويكفي – يضيف المطلعون – الاطلاع على الزيارات التي قام بها الوزير السبهان للقيادات السياسية اللبنانية للتأكد من أن الرياض عادت لتولي الشأن الداخلي اللبناني عناية خاصة من خلال الإضاءة على النقاط الآتية:

أولاً: حرص المملكة على التواصل مع مختلف مكونات المجتمع اللبناني السياسية منها والطائفية وعدم حصر هذا التواصل بفئة أو بمجموعة واحدة أو ذات لون واحد. وفي هذا السياق، أكد الوزير السبهان للذين زارهم من رسميين وسياسيين على أن الرياض أعادت حضورها في لبنان من خلال علاقاتها مع الشرعية ومؤسساتها الدستورية من جهة أولى، ومن خلال صداقاتها التقليدية والمستجدة في آن ضمن هامش من الحرية في التحرك يأخذ في الاعتبار الخصوصية اللبنانية من جهة أخرى.

عون <حكيم ويستوعب الكل>

ثانياً: تشديد المملكة على التعاطي مع الرئيس عون الذي تأمل المملكة أن يجمع اللبنانيين حوله وأن يكون حاضناً لهم وقادراً على التواصل مع الجميع من منطلق أنه رمز وحدة البلاد، وقد حرص الوزير السبهان على ترداد عبارات دلّل فيها على ثقة المملكة وخادم الحرمين بـ<حكمة> الرئيس عون و<درايته> و<حرصه على إرضاء الجميع> و<استيعاب> القيادات اللبنانية على اختلاف اتجاهاتها.

ثالثاً: التشديد على دعم المملكة للاعتدال والوسطية ونبذ التطرف، وتوفير كل ما يمكن أن يساعد في تعميم هذه الخيارات لاسيما وأن لبنان يتمتع بصيغة فريدة لا تزال في نظر المملكة نموذجاً يُحتذى. وفي هذا السياق، كشفت مصادر وزارية مطلعة أن الوزير سبهان شدد على دعم الرئيس سعد الحريري الذي قال عنه أمام مضيفيه إنه <الواجهة> للاعتدال هو والمجموعة السياسية التي يعمل معها، مشيراً الى أن دعم الرئيس الحريري وتسهيل مهمته يعطيان زخماً للتوجهات المعتدلة ويضعان حداً للأصوات المتطرفة التي تظهر من حين الى آخر. وعندما قيل للوزير السبهان ان ثمة <ظواهر> مقلقة في الطائفة السنية تتجاوز مبدأ الاعتدال وتسبب إرباكات، <طمأن> الوزير السعودي المتخوفين من هذه الحالات، بأن التواصل مع رموز هذه <الظواهر> – ومنهم الوزير السابق أشرف ريفي – كفيل بتهدئة الخواطر لأن الرغبة السعودية واضحة في إعادة اللحمة الى <البيت السني> الذي تضرر في الآونة الأخيرة، وكانت لهذه الأضرار انعكاسات  سلبية على مستوى الوطن اللبناني ككل. وفي هذا السياق، تقول المصادر الوزارية نفسها، كان الوزير السبهان واضحاً لجهة عدم قبول بلاده بأي <استفزاز> أو <مواجهات> بين أبناء السنّة في لبنان أو بين قياداتهم لأن الاستقرار الأمني والسياسي في لبنان بات في مقدمة الاهتمامات السعودية من جديد.

برمجة لقاءات مع ولي ولي العهد

رابعاً: حرص الوزير السبهان في مجال آخر على التأكيد بأن المساعدات السعودية للجيش اللبناني لا تزال واردة في ذهن القيادة السعودية، وإن كان لوحظ أن عبارة <الهبة السعودية> (قيمتها 3 مليارات دولار أميركي) لم ترد بشكل واضح في العبارات التي استعملها الوزير السعودي في معرض حديثه عن ضرورة دعم الأجهزة الأمنية اللبنانية في عملها حفاظاً على الاستقرار الأمني ومتابعة التنظيمات الإرهابية. وتؤكد المصادر نفسها بأن الاقتراح الذي قدمه الوزير السبهان لبرمجة لقاء بين وزير الدفاع اللبناني يعقوب الصراف مع نظيره السعودي ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، اقترن أيضاً بلقاء طالب بحصوله في أقرب وقت بين وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل والامير محمد الذي يعتبر اليد اليمنى لوالده الملك سلمان والعقل المفكر في المرحلة الراهنة في السعودية.

وفيما بدا أن الشق الأمني من مهمة السبهان له حضوره المميز في الحسابات الراهنة للمملكة التي سجلت إعجابها بقدرات الجيش اللبناني والقوى الأمنية الأخرى على ملاحقة الإرهابيين والاقتصاص منهم، فإن العمل الأمني الاستباقي لم يغب عن بال الضيف السعودي الذي يرى أن الجهد الاستخباراتي في حالات ملاحقة الإرهابيين له أثره الفاعل، علماً أن الوزير السبهان يأتي من خلفية أمنية استخباراتية.

خامساً: لم تحجب الاهتمامات السياسية والأمنية وأوضاع المنطقة والموقف من سوريا الاهتمام بالموضوع الأبرز الذي تزامن مع توقيت الزيارة وهو النقاش الدائر حول قانون الانتخابات النيابية، إذ بدا من خلال مواقف الوزير السبهان ان المملكة حريصة على أن يأتي القانون على قاعدة التفاهم والتوافق بين جميع اللبنانيين. صحيح أنه أكد على أن الانتخابات هي شأن لبناني بحيث يفترض أن تراعي مصالح لبنان واللبنانيين، إلا أن الصحيح ايضاً ان الموفد السعودي <مرّر> رسائل مباشرة حين دعا ألا يكون القانون <مجحفاً بحق أي مكوّن لبناني> وأن يحقق <العدالة> للجميع، وهذا ما سوف تعمل المملكة على المساعدة في التوصل إليه. ويروي مطلعون على بعض ما دار في أحاديث السبهان أمام مضيفيه، بأنه طرح أكثر من سؤال حول موقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، موحياً بشكل أو بآخر، بضرورة عدم تجاهل وجهة نظر الزعيم الدرزي و<التفاهم معه> في كل ما يتصل بالشكل المقترح للقانون الانتخابي العتيد، وهو أبدى اهتماماً بردود الفعل حول اعتماد النسبية أو الأكثرية في نظام الانتخابات متوقفاً في مرات عدة عند الأرقام والأعداد التي تترتب عن اعتماد النسبية أو الأكثرية أو ما عرف بـ<الصيغة المختلطة>. وتوقف المراقبون عند قول الوزير السبهان أن النائب جنبلاط <صديق قديم للمملكة وعلاقاته دائماً استثنائية معها ودوره محوري في لبنان ولا يمكن تهميشه>. كذلك لفت المراقبين وصف الوزير السعودي للرئيس نبيه بري بأنه <صمام أمان في لبنان> مكرراً عبارة <ودوره محوري في لبنان والمنطقة> وان المملكة تقدر دائماً <أدواره الإيجابية التي يقوم بها لمصلحة لبنان واللبنانيين>.

حرب مفتوحة على التطرف

 

سادساً: حرص الوزير الضيف على التأكيد أمام مستقبليه على الدور الذي تلعبه المملكة في محاربة التطرف الإرهابي، متوقفاً خصوصاً عند القول بأن بلاده كانت السباقة بالمشاركة في العمليات العسكرية ضد تنظيم <داعش> وإن أول طائرة قصفت مواقع هذا التنظيم الإرهابي في سوريا كانت من سلاح الجو السعودي وقد قادها الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز نجل الملك سلمان للدلالة على موقف المملكة الثابت في محاربة الإرهاب.

وتلخص مصادر وزارية لبنانية نتائج زيارة الوزير السبهان بأنها كانت <ناجحة وواعدة> وأن الأيام المقبلة سوف تحمل المزيد من النتائج العملية، بدليل أن الوزير الضيف شدد على مضيفيه اللبنانيين باتخاذ اجراءات أمنية على طريق المطار التي يسلكها السعوديون لدى مجيئهم الى بيروت، كما توقف عند الإجراءات الأمنية المتخذة في الوسط التجاري وضرورة رفع العوائق الموضوعة في الشوارع <لأن اخواننا في المملكة يحبون <الداون تاون> ويُسعدون بالتجوال فيها>!