24 September,2018

رسالة من فيروز

بقلم كوزيت كرم الأندري

فيروز،

وصلتني رسالتك للتوّ ولا يمكنك أن تتصوري كم فرحت بها. فقد تجمّع قلبي في عينيّ وأنا أقرؤها، ومن كثرة حماستي بها راحت مقلتاي تكرجان على الورق بسرعة <دجيري> الهارب من <طوم>، فابتلعت جزءاً من الكلمات وقفزت فوق الجزء الآخر علّني أتشرّبها دفعة واحدة. قرأتها مراراً وتكراراً لأتأكد من أنني لم أفوّت منها حرفاً، ولأتلقّف السطور وما بينها. وها أنا أسارع للإجابة عن أسئلتك الآتية من خارج المدينة. فأنا أعرف تمام المعرفة أن أبواب صومعتك موصدة بإحكام، باستثناء من تختارين أنت وفي الوقت الذي تختارين. وكم كنت أتمنى لو أتحوّل إلى الفأرة الصغيرة في الفيلم الأسطوري <ساندريون>، لأتسلل عبر قفل الباب وأختبئ في معبدك حيث تتنسّكين.

 فأنا، يا فيروزتي، كالآلاف من اللبنانيين، <ما عندي بيت ولا أرض صغيرة>، فكيف للأمان أن يسكنني؟ <ما عاد في دكانة بالحيّ>، بل سوبرماركات يدغدغك بألف وسيلة ووسيلة ليفرغ جيبك مما قدّرك الله عليه. و<عالمفرق ما عاد في قهوة>، بل ناطحة سحاب وزمامير وعجقة ناس يستميتون لإيجاد زاوية يركنون فيها دباباتهم. و<الولاد ما عادوا بالقنطرة> بل أودعناهم دار الحضانة. <ما عدنا نطعميُن قمح ودرة>، بتنا نطعمهم <مارشميلو>. و<ما عم نشرّبن مي معطّرة>، لأن قساطل المياه المبتذلة في بلادنا عقدت قرانها على قساطل مياه الشفة، فباتت مياه الشرب معطّرة نعم، ولكن بعطر من نوع آخر! و<ما عدنا بحاجة لعمّي الحطّاب ليخلينا نلعب عالباب>، لأن كلّ <مول> على مدّ عينك والنظر.

أما البحر، <فما عاد كبير لحِبّ حبيبي كِبْر البحر>. عمليات الردم ابتلعت نصفه والنفايات طمرت النصف الآخر. <حتى السما ما عادت بعيدة لحِبّو بُعد السما>. يكفي انفجارٌ واحد في وطني الحزين لنطيرَ إلى أبعد نجمة في السماء، فننسى من أين جئنا وإلى أين نحن ذاهبون. و<الدني ما عادت تشتّي ليزيد موسمنا ويحلى>، لأن الاحتباس الحراري يحبس أنفاسنا في الشتاء كما في الصيف. وأسامينا، التي اعتقدتِ أنها من الثوابت، غيّرناها، وعوّمنا مواقع التواصل الإجتماعي بأخرى مزيّفة غريبة عجيبة، منها <فحل إبن سبع> و<طاحش بن فاحش>، <سَكْسي فْلَكسي> و<باربي هاربي>. <إي وغيّرنا لون عيونا كمان>. يكفي أن تقومي بجولة صغيرة على المرابع الليلية لتري بعض الفتيات بعينين لكلٍ منها لون. لا ليست تلك موضة أيامنا، لكن من كثرة ما <تَمَجْعطت> صغيرتنا على حلبة الرقص فقد طارت من إحدى عينيها العدسة الملوّنة!

سألتِني عن العشاق، لا <ما عادوا زغار>، فالانفلاش المبكر الذي يعيشونه سلبهم طفولتهم وجعل منهم بالغين في أجساد صغيرة. وحنّا السكران، <ما عاد عم بصوّر بنت الجيران لأن مش ربحانة جميلتو>، فهي تصور نفسها بنفسها بواسطة <سيلفي> الكفيل بالتقاط أهم الأحداث فور وقوعها، كمدّ اللسان، جحوظ العينين، فتح الفم، عقد الحاجبين… وجدّي <ما عم يطحن للحيّ قمح وسهريات لأن مش فاضي>، فهو منهمك بدروس المعلوماتية التي يلقّنه إياها أحفاده، عساه ينصهر في فورة تكنولوجية رمته جانباً، فجعلت منه أمّياً مهمّشاً في السبعين من عمره، بعدما كان وقوراً يسدي النصائح بحكمة نسجتها تجارب مشواره الطويل. و<ستّي الختيارة ما عادت ترندحلي أشعارا ولا تحكيلي حكايات الجِنّ الحلوي>، لأن أجِندَتها مثقلة بالصبحيات والجلسات مع ستّات الجمعيات. كيف لا، والمجلات متّكلة كل الإتكال عليهن لملء صفحاتها <الفارغة>! وبالمناسبة، هي ترفض أن نناديها <ستّي>. فقد باعت رزقها في الضيعة وانبطحت تحت يد جرّاح التجميل، الذي جعل منها لعبة بخدّين منتفخين وشفتين مكتنزتين تتدليان فوق رقبة رخوة مترهّلة (!). و<بيّي، آه شو بخبرك عن بيّي… ما راح مع العسكر لأ>. فهو يلهو باكتشاف فحولة متأخرة مع خادمتنا.

<شو بقلّك كمان؟ بتذكري لمّا كان حبيبي يعطيني موعد بكرا، وشو يتأخر بكرا، وإسأل حالي قولك مش جايي حبيبي>؟ رزق الله، يا صديقتي، كم كان جميلاً ذاك الانتظار المفخخ بالشوق. فحبيبي اليوم <بيطلعلي كل دقيقة من وين ما كان> بفضل <الواتساب> و<الفايبر> و<السكايب>، حتى بات الحب أشبه بمعتقل. أما كلمة <اشتياق>، فانقرضت كما انقرض الديناصور. <الأصحاب بعدن عم يتلاقوا إي، بس لهدية ما عادت خلف الباب>. فقد اتخذت من <الفيزا كارد> مقراً لها. <يارا منيحة بس ما عاد يِتكي عزندا خيّا الزغير>، بل انتقل إلى زند الاثيوبية والسيرلنكية والنيبالية والفيليبينية… فبات متعدد اللغات <يقبرني من هو وزغير>. و<سالم لم يعد غفيان> لأن أجواء <الكَرَأوكيه> التي تلعلع من بيوت الجيران المتناطحين على الميكروفونات حتى الفجر تزلزل، ليس فقط تلّة سالم، لا بل الحارة برمتها.

أما لبناننا… <فَكِعي>، بعدما رأى أنه <إذا نحن تفرّقنا ما في شي بجمّعنا، لا حُبّو ولا حب النجمة والأرض وسمانا. إيه… هيك بخبرك يا فيروزتي>. قولي لزهر البيلسان إننا بقينا وحدنا بالرغم من تخمة <الأصحاب> ووسائل التواصل الإجتماعي. وإن الشيء الوحيد الذي لم يتبدل هو حنيننا إلى طفولتنا الوردية. و<إنو سنة عن سنة، سنة عن سنة، عم تغلى ع قلبي يا عهد الولدني>… و<سلّميلي كتير، كتير، وما بقى بكير…>.