15 September,2019

رد حزب الله على اسرائيل في البر والجو بدّل قواعد الاشتباك وعدّل عملياً القرار 1701!

في الوقت الذي كان فيه مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط <ديفيد شينكر> يتنقل بين قصر بعبدا ومقر الرئاسة الثانية في عين التينة عارضاً لمواقف الولايات المتحدة الأميركية من التطورات في لبنان وسوريا خصوصاً، والمنطقة عموماً، كان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله يخطب في الجموع التي احتشدت في ذكرى عاشوراء في الضاحية الجنوبية من بيروت بعد ثلاثة أيام على إسقاط طائرة مسيّرة اسرائيلية في خراج بلدة رامية الجنوبية، ويؤكد قرار المقاومة بمواجهة اسرائيل في أي عدوان تقوم به على الأراضي اللبنانية، براً وبحراً وجواً، رافضاً أن تكون هناك خطوط حمراء بعد اليوم في حال تكرر العدوان، ومعلناً في الوقت نفسه التزام حزب الله القرار 1701 الذي صدر في آب (أغسطس) 2006 بعد حرب تموز (يوليو) ليرسم معادلة جديدة وصفت بـ<قواعد الاشتباك> بين المقاومة والعدو الاسرائيلي. وبدا من كلام السيد نصر الله ان مفهوم الالتزام بالقرار 1701 الذي أعلنه في سياق قوله ان الحزب مشارك في الحكومة التي أعلنت مراراً تقيدها بالقرار الدولي، له مفهوم خاص بالنسبة الى <سيد المقاومة> سقفه عدم التعرض للسيادة اللبنانية أو القيام بأي عدوان ضد لبنان.

ومع إسقاط الطائرة المسيّرة الاسرائيلية في خراج رامية، تكون المقاومة قد <تعادلت> مع اسرائيل بعد الاعتداءين اللذين استهدفا حزب الله الأول في سوريا وسقط فيه شهيدان فكان الرد على قافلة عسكرية اسرائيلية قرب مستعمرة <أفيفيم>، والثاني عبر الطائرتين المسيرتين والمفخختين اللتين سقطتا في الضاحية الجنوبية من بيروت، فكان الرد إسقاط الطائرة المسيرة فوق رامية الجنوبية. والملاحظ انه في كلا الردين الاثنين لم يقع قتلى في صفوف الاسرائيليين واقتصرت الأضرار على الماديات، لكن الضرر المعنوي كان كبيراً بالنسبة الى الاسرائيليين عموماً ورئيس وزراء العدو <بنيامين نتنياهو> خصوصاً لأنه مقبل على الانتخابات وهو يترنح بفعل قوة المعارضة من جهة، وعدم ثقة الاسرائيليين بأدائه وبسمعته ونزاهته من جهة ثانية… صحيح ان اسرائيل أوحت من خلال ردود الفعل التي صدرت عن المسؤولين فيها ان ضربتي حزب الله بقيتا من دون تداعيات أساسية تذكر، إلا ان حجم التهديدات التي أطلقها الاسرائيليون أكدت عمق المخاوف الاسرائيلية من ان تواصل المقاومة ردودها في كل مرة تخرق فيه اسرائيل السيادة اللبنانية لأن <قواعد الاشتباك> تبدلت وصارت المعادلة تقوم على مبدأ <المعاملة بالمثل>، فإذا حصل اعتداء اسرائيلي من الجو، أتى رد المقاومة في الجو أيضاً، وإذا كان الاعتداء بالبر كان الرد برياً أيضاً… على أمل ألا يحصل أي اعتداء بحري لأن السيد نصر الله أكد جهوزية المقاومة للرد بحراً أيضاً!

 

الدفاع المشروع عن النفس!

 

وترى مصادر متابعة ان <توازن الرعب> الذي كان دائماً السبب في عدم حصول مواجهات متبادلة وواسعة منذ آب (أغسطس) 2006 وحتى ما قبل الطائرتين المسيّرتين، اكتسب مفهوماً جديداً إذ لم يعد هذا التوازن بالكلام، بل أصبح بالأفعال لاسيما بعدما اعتبر السيد نصر الله في خطبته العاشورائية ان حق الدفاع عن النفس والرد على الاعتداءات الاسرائيلية لم يكن قرار المقاومة فحسب، بل هو قرار الدولة اللبنانية سواء من خلال ما أعلنه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عن حق الدفاع المشروع عن النفس، أو من خلال القرارات التي اتخذها المجلس الأعلى للدفاع الذي التأم بعيد حادثتي الطائرتين المسيّرتين، علماً ان عملية اسقاط الطائرة المسيّرة الاسرائيلية في خراج رامية الجنوبية اكتسبت أهمية استثنائية سواء في نوعيتها أو في دلالاتها وشكلت رسالة واضحة الى اسرائيل بأن زمن استباحة الأجواء اللبنانية من دون توقع أي رد فعل قد انتهى، علماً ان الحزب يؤكد انه يحتفظ لنفسه بحقه في اختيار التوقيت المناسب للرد تبعاً لحساباته وتقديراته. وتتحدث المصادر ان قرار مواجهة الطائرات المسيّرة لم تتخذه قيادة المقاومة إلا بعدما اتضح ان طائرتي حي معوّض كانتا مفخختين ما يعني ان وراء تحليقهما فوق الضاحية أكثر من عملية مراقبة من الجو للمنطقة، بقدر ما هي محاولة تستهدف كوادر في المقاومة خصوصاً، وأمن الضاحية عموماً. وتضيف المصادر ان الطائرات المسيّرة دخلت على برنامج الاعتداءات الاسرائيلية منذ مدة قصيرة، لأن عمليات التجسس والتنصت والتصوير كانت تتم من خلال طائرات الـ<أم ك> التي تحلق على ارتفاع عال ولا تستطيع أن تحمل متفجرات. في حين ان الطائرات المسيّرة متعددة الوظائف ما يجعلها متجاوزة للخط الأحمر الذي رُسم في طائرات الاستطلاع التقليدية.

وفي الوقت الذي قلل الاسرائيليون من أهمية استهداف الطائرات المسيّرة، فإن الأوساط المراقبة ترى ان التصدي للطائرة المسيّرة فوق رامية واسقاطها يؤشران الى ان المواجهة بين الحزب واسرائيل لم تعد برية كما في السابق، بل أصبحت جوية، وأطلقت العنان لسلسلة عمليات متدرجة وفي أوقات متفرقة ضد المسيّرات الاسرائيلية إذا ما انتهكت الأجواء اللبنانية، من دون أن يعني ذلك انه بات حتمياً أو إلزامياً أن يُسقط الحزب كل طائرة مسيّرة تخترق السيادة اللبنانية، بل هو سيختار التوقيت والهدف، علماً ان الحزب لم يكشف عن طبيعة السلاح الذي استخدمه لإسقاط الطائرة المسيّرة ما يعكس، استناداً الى المراقبين حرصاً من قيادة المقاومة على عدم كشف الأوراق المتعلقة بما يملك الحزب من قدرات على مستوى الدفاع الجوي. وقد تعمّد اعلام الحزب أن يبقي حيزاً كبيراً من الغموض في هذا المجال ليزيد حيرة العدو الاسرائيلي الذي لم يذكر هو أيضاً في اعلامه عن ملابسات اسقاط الطائرة التي قال عنها انها <صغيرة وتقوم بمهمات عادية>! ويرى المراقبون ان الحزب تعمد ترك <الدرون> الاسرائيلية تدخل الى عمق الأراضي الجنوبية الحدودية بحيث يتناسب الرد بإسقاطها مع ما وعد به السيد نصر الله من ان الأجواء اللبنانية لن تبقى مستباحة، وان الرد يتم عند انتهاك السيادة اللبنانية.

 

التعايش مع القرار 1701!

في أي حال، وبصرف النظر عن الأهداف والغايات و<التكتيكات> المعتمدة في مثل هذه الحالات، فإن الغموض اكتنف مصير القرار 1701 الذي يتمسك به لبنان رئيساً وحكومة ومجلساً نيابياً، وأعاد التأكيد على الالتزام به أيضاً السيد نصر الله نفسه. إلا ان الواقع ان ما حصل في الأيام الماضية سواء قبالة مستعمرة <أفيفيم> أو من خلال المسيّرتين في الضاحية، جعل القرار الدولي يواجه تحدياً كبيراً للصمود. فهو يدعو الى <وقف كامل لجميع العمليات الحربية، في حين ان ما حصل هو أكثر من ردة فعل محدودة، وأقل من اعلان حرب. كذلك فإن القرار يدعو الى افراغ منطقة العمليات الدولية من السلاح، في حين انه اتضح ان اسقاط طائرة <الدرون> في خراج رامية، تم عملياً من ضمن منطقة العمليات الدولية، وكان سبق ذلك اطلاق النار على القافلة قبالة مستعمرة <افيفيم>. كذلك فإن اسرائيل المتخصصة بانتهاك القرار الدولي وجهت طائرتي <درون> الى قلب الضاحية الجنوبية ولم يقتصر تحليقهما على المنطقة الحدودية. إلا ان اعلان السيد نصر الله عن التمسك بالقرار الدولي على رغم عدم تمكن المجتمع الدولي من وقف الخروقات والاعتداءات الاسرائيلية منذ 13 عاماً، يعني عملياً ان الرد الذي حصل على المسيّرتين في حي معوض خرق للقرار 1701 وأتى الرد عليه موازياً ما أعاد التوازن الى قواعد الاشتباك سواء بالنسبة الى المعادلات التي أنتجتها حرب تموز (يوليو) أو قواعد الاشتباك التي يحددها القرار 1701 الذي جعلته التطورات معدلاً عملياً. وتقول مصادر في حزب الله، ان التعايش الواقعي الذي قام بين حزب الله والقرار 1701 لم ينته، لكنه وسع إطار الخطوط الحمر الذي كان القرار 1701 قد حددها، وبذلك تكون الكرة في مرمى الاسرائيليين، فإن أرادوا أن تبقى قواعد 1701 قائمة، يجب عليهم ألا يخرقوها مرة أخرى فيستمر <التعايش> إذ ذاك مع القرار 1701.أما إذا كسرت اسرائيل هذه القواعد، فالمعاملة ستكون بالنسبة الى الحزب، بالمثل، من دون أن يعني ذلك اسقاطاً للقرار 1701، خصوصاً ان الادارة الأميركية تتحين الفرصة المناسبة لاقناع أعضاء مجلس الأمن بإعادة النظر بمهام القوات الدولية وعديدها وموازنتها في كل مرة يعرض طلب لبنان التمديد لـ<اليونيفيل> أمام مجلس الأمن.

رسائل السفير <شينكر>!

 

ومع ارتسام صورة جديدة للمواجهة بين حزب الله واسرائيل يتوقع أن تبدل المشهد القائم على الحدود ليصبح أكثر انضباطاً، بدا ان مهمة مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط <ديفيد شينكر> في بيروت خماسية الأضلاع، وقد عرضها على المسؤولين الرسميين والسياسيين اللبنانيين الذين التقاهم <للتعارف>. فهو سعى أولاً الى التأكيد على استمرار دعم بلاده للقوات المسلحة اللبنانية ولاسيما الجيش الذي قال إن قيمة الانفاق على تسليحه وتدريبه منذ 2005 وحين منتصف 2019، بلغت أكثر من 3 مليارات دولار أميركي، لافتاً ان واشنطن تريد أن يكون الجيش المسؤول الوحيد عن الأمن والاستقرار في كل البلاد. أما الرسالة الثانية فقد تركزت على ضرورة معاودة المفاوضات مع اسرائيل في شأن ترسيم الحدود البرية والبحرية من حيث توقفت مع الوسيط الأميركي السابق السفير <ديفيد ساترفيلد>، لاسيما وان السفير <شينكر> اعتبر ان في ذلك مصلحة لكل من لبنان واسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، وان كل احتمالات التفاوض مفتوحة سواء على الحدود البرية أو على الحدود البحرية، أو الاثنين معاً. ولفت <شينكر> ان مهلة الستة أشهر التي كانت وضعتها اسرائيل لتحديد زمن التفاوض لم تعد موجودة، وان بالامكان اعتماد كل فريق التوقيت الذي يناسبه.

وتناولت الرسالة الثالثة دور حزب الله في لبنان ودول الجوار حيث كرر المسؤول الأميركي تحذيراته من <الاستفزازات> التي يقوم بها الحزب لاسيما لجهة تطوير صواريخ حديثة ذات قدرات عالية، معتبراً ان ذلك يعرض لبنان للخطر لأن اسرائيل <لن تسكت> على مثل هذه الأعمال التي تهدد أمنها وسلامتها، متحدثاً عن <تقارير> تثبت وجود مثل هذه الصواريخ، معتبراً ان اسرائيل يمكن أن تخوض حرباً لتدميرها <ولن نكون قادرين على تفادي ذلك>. أما الرسالة الرابعة فقد تركزت حول دور إيران في المنطقة وعدم فصله عما يقوم به حزب الله، وهو أمر يثير استياء الأميركيين والاسرائيليين على حد سواء ويجب ــ في نظر <شينكر> ــ أن يتوقف. وبقيت الرسالة الخامسة وهي موقف واشنطن من موضوع النازحين السوريين حيث بدا من كلام <شينكر> ان بلاده غير متحمسة لعودة النازحين السوريين قبل جلاء حقيقة الوضع في سوريا، وحمّل الرئيس السوري بشار الأسد مسؤولية عدم الرغبة في عودة هؤلاء النازحين لاسيما وان غالبيتهم ضد النظام. وفيما أكد <شينكر> تقدير بلاده لما قدمه لبنان لمساعدة النازحين، لم يظهر تشجيعاً لعودة قريبة لهؤلاء بل شدد على وجوب معاملتهم <بكرامة>!