30 September,2020

ردود الفعل الرافضة لعودته الملتبسة الى بيروت ”تعرقل“ المساعي لتطبيق قانون ”إعادة المبعدين“!

في الوقت الذي كان لبنان يواجه تداعيات سقوط <قواعد الاشتباك> التي حددها ــ ولو صورياً ــ قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701 بين حزب الله واسرائيل نتيجة ردود الفعل التي حصلت بعد قصف العدو الاسرائيلي لموقع لحزب الله في سوريا وسقوط اثنين من عناصر الحزب، وتلاها اسقاط طائرتين مسيّرتين فوق الضاحية الجنوبية والتي تمثلت بقصف قافلة عسكرية اسرائيلية قرب مستعمرة <افيفيم> الحدودية (الخالصة وفق اسمها اللبناني) تم اسقاط طائرة مسيّرة اسرائيلية (درون) فوق بلدة رامية الجنوبية… في هذا الوقت أتت عودة القائد العسكري السابق لمعتقل الخيام عامر الفاخوري الى لبنان عن طريق مطار رفيق الحريري الدولي، لتنقل الاهتمامات المحلية والدولية على حد سواء، من تقييم مرحلة ما بعد سقوط <قواعد الاشتباك> وما يمكن أن يحصل فيها من مضاعفات ميدانية وسياسية على حد سواء، الى قضية المتعاملين السابقين مع العدو الذين تركوا الشريط الحدودي في العام 2000 ولجأوا الى الأراضي المحتلة بعيد انسحاب الاسرائيليين منه في عهد حكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي <ايهود باراك> تحت وطأة العمليات التي نفذها المقاومون اللبنانيون آنذاك، فتحقق في 25 أيار (مايو) 2000، تحرير الأراضي الجنوبية التي كانت تعرف بـ<الشريط الحدودي> من الاحتلال الاسرائيلي.

قد تكون ملابسات عودة الفاخوري الى لبنان غامضة في ضوء ما قيل حول أسبابها وظروفها ومن يقف وراءها، لكن الأكيد ان الفاخوري الذي أدى مرور الزمن الى سقوط الحكم الذي صدر بحقه عن القضاء العسكري بتهمة التعامل مع اسرائيل، اعتقد ان ذلك كافٍ ليعود الى لبنان ــ ولو في زيارة قال إنها <عائلية> ولفترة قصيرة ــ بعدما ضمن وكيله القانوني ان اسمه لم يعد موجوداً في البرقية المعروفة بالرقم 303 التي تضم أسماء مطلوبين الى العدالة والتي ألغيت بموجب قرار صدر عن مجلس الوزراء في العام 2014 قضى بإلغاء وثائق الاتصال ولوائح الاخضاع لكنه لم ينفذ عملياً إلا في العام 2017 بعدما درس ملفات الأشخاص المطلوبين ومن بينهم الذين انتموا سابقاً الى ميليشيا لحد (أو <جيش لبنان الجنوبي>) حيث تم اعتماد معايير معينة لشطب أسمائهم عن تلك البلاغات، على ان يتقدم صاحب العلاقة لدى دخوله الأراضي اللبنانية من مديرية المخابرات في الجيش لإجراء اللازم بشأنه وترك الشق القضائي على عاتق القضاء المختص لبت مصيره. ويبدو ــ وفق المعلومات التي توافرت لـ<الأفكار> من مراجع أمنية لبنانية ــ ان الفاخوري الذي كان ترك ميليشيا لحد خلال العام 1998 ودخل الأراضي المحتلة وسافر منها الى أميركا من دون الإقامة فيها، ظلت ظروف وجوده في الولايات المتحدة الأميركية غير واضحة بالنسبة الى الأجهزة الأمنية اللبنانية لاسيما في ضوء ما تواتر عن حصوله على الجنسية الأميركية، وظهوره في مناسبات عدة في السفارة اللبنانية في واشنطن.

وتضيف المراجع نفسها، انه في ظل تعذر تأكيد المعطيات التي توافرت حول وضع الفاخوري وهو خارج البلاد، كان لا بد من ايجاد آلية تسمح له بالدخول الى لبنان ليصار الى توقيفه والتحقيق معه. وبناء عليه تم شطب اسمه عن البرقية 303 خلال شهر نيسان (ابريل) 2017، وبعد مرور سنة تقريباً، وتحديداً في شهر تموز (يوليو) 2018، قدّم وكيل الفاخوري طلب استرداد مذكرة توقيف غيابية بحق موكله لدى قاضي التحقيق الأول في النبطية، وفي 3 آب (أغسطس) 2018، صدر قرار بحقه قضى بسقوط الحكم الغيابي لمرور الزمن العشري وتم ابلاغ القرار الى المديرية العامة للأمن العام والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. ويبدو أن وكيل الفاخوري انتظر مرور  سنة كاملة على انجاز كل هذه الترتيبات القانونية ثم أبلغ موكله انه بات في امكانه العودة الى لبنان التي مهد لها باتصالات عدة لا تزال ظروفها غير واضحة في انتظار جلاء التحقيقات التي يتولاها القضاء العسكري بعد الادعاء على الفاخوري بجرم التعامل مع اسرائيل والحصول على جنسية دولة معادية، وفي هذه المسالة ثمة معطيات متضاربة وذلك تبعاً لمصادرها.

إلا ان النتيجة التي لا جدال فيها ان الفاخوري بات في عهدة القضاء العسكري وان الأصول والقواعد المعتمدة سوف تطبق عليه، كما حصل مع غيره من الذين تعاملوا مع اسرائيل خلال فترة احتلالها لعدد من القرى الجنوبية، بصرف النظر عن المهمات التي تولوها في <جيش لحد> والجرائم التي اتهموا بارتكابها. علماً انه بالنسبة الى الفاخوري، فإن كل الإفادات التي قدمها معتقلو الخيام أشارت الى مسؤوليته المباشرة عن المعتقل، وعن قيامه بتعذيب عدد من الأسرى الجنوبيين والتنكيل بهم. من هنا كانت ردود الفعل على عودة الفاخوري كبيرة لم تسجل بالنسبة الى آخرين عادوا من الأراضي المحتلة وحوكموا أمام القضاء العسكري. غير ان الفاخوري ــ حسب افادات الأسرى المحررين ــ له أوضاع تختلف عن الآخرين، وبالتالي ما طُبق على العائدين منذ سنوات لا يمكن تطبيقه عليه.

وفي انتظار أن يقول القضاء العسكري كلمته آخذاً في الاعتبار ردود الفعل الشعبية الرافضة لعودة الفاخوري والمطالبة بإنزال أشد العقوبات بحقه، فتحت هذه العودة الملتبسة وما رافقها من ضجة كبيرة، ملف عودة <المبعدين> الى اسرائيل والقانون الذي كان صدر لمعالجة أوضاعهم، والذي أشار إليه رئيس <التيار الوطني الحر> الوزير جبران باسيل خلال زيارته الأخيرة الى بلدة القليعة الحدودية، حين نادى بحق هؤلاء بالعودة الى وطنهم، وان وزير العدل القاضي ألبرت سرحان سيتقدم بمشروع مرسوم لوضع آلية لتطبيق القانون الذي يساعد على عودة <المبعدين> لاسيما أولئك الذين لم يرتكبوا أفعالاً جرمية كالذين هربوا الى الأراضي المحتلة خوفاً من تعرضهم لأعمال انتقامية بعد التحرير.

وفيما تميز مصادر <التيار الوطني الحر> بين حق <المبعدين قسراً>، وبين الذين ارتكبوا جرائم يعاقب عليها القانون، تشير الى ان القانون الذي أقره مجلس النواب في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان، لم يضع المعايير والأحكام الجرمية للمرتكبين والتفاصيل المتعلقة بقانونية حالات الإبعاد، وكان العمل جارياً على وضعها كي يكون القانون واضحاً ويطبق من دون غموض <كي لا تظلم الضحية مرتين>. وتشدد المصادر نفسها على ان الذين تعاونوا مع <جيش لحد> وارتكبوا جرائم يجب معاقبتهم، لكن لا بد من التمييز بين المرتكب والمجرم والمتآمر، وبين الذين دفعهم الخوف الى مغادرة قراهم ولم تكن هناك منافذ لهم إلا الأراضي المحتلة!

إلا ان مصادر مطلعة على مسار هذا الملف تؤكد ان <عودة> الفاخوري وما رافقها من ملابسات غامضة ومن ردود فعل شعبية وسياسيـــــــــــــة رافضة، سوف <تفرمل> البحث في تنظيم عودة هؤلاء وتطوي الملف الى إشعار آخر، ريثما تتبلور الصورة وتهدأ الخواطر ويحدد القضاء مصير الفاخوري وأمثاله…